ملخص
مقتل خامنئي فجّر صراعاً على مستقبل إيران بين الحرس الثوري الساعي لفرض حكم عسكري متشدد، وإصلاحيين يطمحون لنهج أكثر براغماتية. وبين ضعف الدولة وغضب الشارع، يبقى مصير البلاد رهناً بميزان القوة داخل النظام وقدرة الإيرانيين على فرض التغيير.
في الأول من مارس (آذار) 2026، أكدت الحكومة الإيرانية رسمياً الخبر. قال مذيع التلفزيون الرسمي: "بعد حياةٍ حافلةٍ بالنضال، ارتشف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي رحيق الشهادة الطاهر، والتحق بملكوت السماوات". وأشاد المذيع بخامنئي لكونه "مثابراً لا يكل ولا يمل" ولـ"روحه السامية السماوية". وخلال قراءته للبيان، تعالت أصوات النحيب في كواليس الإستوديو. وعندما انتهى من تلاوة الخبر، انهار هو الآخر باكياً.
لكن على الأرجح أن معظم الإيرانيين لم يذرفوا الدموع عندما علموا بوفاة خامنئي. فعلى مدى أكثر من 35 عاماً، حكم المرشد الأعلى إيران بقبضة من حديد، وقمع النساء والأقليات وكل من تجرأ على تحديه. ومع ذلك، فإن الصياغة الدرامية لإعلان الوفاة كانت، إلى حد ما، مبررة: إذ إن خامنئي، أكثر من أي شخص آخر، هو مهندس الجمهورية الإسلامية بكل ما تنطوي عليه. فعلى رغم أن آية الله روح الله الخميني هو من أسس النظام الثيوقراطي من خلال الاستيلاء على السلطة أثناء ثورة 1979، إلا أن خليفته هو من أعاد تشكيل هذا النظام ليصبح على صورته الحالية. فقد كان خامنئي هو مَن ضمَن بقاء منصب المرشد الأعلى السلطة العليا في إيران عملياً، وليس من حيث المبدأ فحسب. وكان هو من دفع إيران إلى السعي نحو الهيمنة الإقليمية، مما ألزمها بصراع دائم مع إسرائيل والولايات المتحدة. وأيضاً هو مَن حول الحرس الثوري الإسلامي، الذي كان يوماً ما جيشاً ذا مستقبل غير مؤكد، إلى الركيزة الأساسية للحكم.
وتحركت النخبة الإيرانية بسرعة لتسمية خليفة له. فبعد أكثر من أسبوع بقليل من وفاته، أعلن مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة الدينية المكلفة بتعيين المرشد الأعلى، أن مجتبى، نجل خامنئي، سيتولى المنصب. لكن السرعة والوراثة لن تمنعا حدوث فراغ في السلطة داخل إيران. فخامنئي الأب وحده كان يمتلك الخبرة والمكانة اللازمتين لإبقاء مختلف أجنحة النظام تحت السيطرة. ونتيجة لذلك، يصطف كبار المسؤولين الإيرانيين الآن ويتجهزون لرسم مستقبل البلاد.
وفي وقت كتابة هذا المقال، فإن الجهات الأوفر حظاً في خلافته هي تلك المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي، بمن في ذلك مجتبى خامنئي. وباعتباره أقوى جهة مسلحة في إيران، يمتلك الحرس الثوري الموارد اللازمة لفرض إرادته على الشعب. وهذا لا يبشر بالخير لإيران. فقادة الحرس، في غالبيتهم، من المتشددين الذين يزدهرون في ظل الصراع الدائم مع القوى الخارجية والداخلية على حدٍ سواء. وإذا أحكموا قبضتهم على السلطة، فستبقى طهران معادية بشكل تلقائي لإسرائيل والولايات المتحدة، وكذلك للفئات المطالبة بالديمقراطية داخل البلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن هذا المستقبل ليس حتمياً. فقد فشلت سياسات الحرس الثوري المتصلبة بوضوح في حماية البلاد، ناهيك عن العودة بالمنفعة على شعبها، ولطالما اعتبرها الإصلاحيون داخل النظام طريقاً مسدوداً. وهناك عديد من الإصلاحيين، بمن فيهم مسؤولون حاليون ورؤساء سابقون، قادرون على رسم مسار أكثر مرونة. وإذا تمكنوا من توجيه دفة الدولة، فقد يوافق النظام على مقايضة برنامجه النووي وعدوانه الإقليمي مقابل تخفيف العقوبات وتحقيق التنمية الاقتصادية.
غير أن البراغماتيين يواجهون معركة شاقة. فعلى خلاف المتشددين، هم لا يمتلكون قوة عسكرية تُذكر. كذلك فقدوا ثقة الشعب الإيراني بسبب إدانتهم الضعيفة أو دعمهم الصريح لقمع النظام الوحشي للاحتجاجات الشعبية. لكن إيران تعيش حالة من الفوضى، ويمتلك الإصلاحيون من داخل النظام الخبرة اللازمة لتوجيه دفة الدولة نحو مسار أكثر استقراراً، ويمكنهم استغلال حقيقة أن صفوف المتشددين قد تضررت بشدة بفعل الضربات الأميركية والإسرائيلية، للاستيلاء على زمام السلطة. ولكن لتحقيق ذلك، عليهم استمالة المواطنين الإيرانيين المحبطين الذين طالت معاناتهم، من خلال الوعد بمستقبل أكثر سلماً وازدهاراً وحرية سياسية.
الصراع على الخلافة
لم يكن من المفترض على الإطلاق أن يكون علي خامنئي المرشد الأعلى لإيران. فخلال ثورة البلاد، كان مجرد واحد من بين أتباع الخميني المتعددين. ومكانته كرجل دين متوسط الرتبة، يهتم بالسياسة أكثر من الإنتاج العلمي الديني، وضعته دون المعايير الدينية الرفيعة التي كان الخميني يشترطها في الحكام المستقبليين. لكن خامنئي سرعان ما كون تحالفات قوية واكتسب نفوذاً، وانتُخب رئيساً عام 1981. إلا أن الحكم الكاريزمي للخميني آنذاك جعل من الرئاسة منصباً ثانوياً. وكان أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس البرلمان، هو اليد اليمنى الأكثر ثقة للخميني.
لكن الخميني ودائرته المقربة همشوا رجال الدين الذين كان يمكن أن يتحدوا سلطته الدينية. فعلى سبيل المثال أُقيل آية الله العظمى كاظم شريعتمداري من منصبه كرئيس لحوزة قم، وهي مركز رئيس للسلطة الدينية الشيعية، ووضعه معاونو الخميني رهن الإقامة الجبرية. كذلك انقلب المرشد الأعلى على خليفته المُعين أصلاً، آية الله حسين علي منتظري، ذي التوجهات التقدمية، بسبب تحديه العلني له في عدد من القضايا، بما في ذلك معارضته إعدام آلاف السجناء السياسيين في نهاية الحرب الإيرانية – العراقية عام 1988. ومع تدهور صحته عام 1989، وجد الخميني أنه لا يوجد خلفاء محتملون مناسبون يمتلكون المؤهلات الدينية اللازمة، والتوجهات السياسية الصحيحة، والدعم الكافي من بقية أركان النظام. فأمر بإعادة كتابة الدستور ليصبح بمقدور أي رجل دين من المستوى المتوسط يدعم نظام الحكم الإسلامي في إيران وملم بالظروف الجيوسياسية للبلاد، أن يخلفه. وقد سمحت هذه التعديلات لمساعدي الخميني الأصغر سناً بالتنافس على خلافته، وكان خامنئي واحداً منهم.
ومع ذلك، لم يكن صعود خامنئي مضموناً بأي حال من الأحوال. بل كان المرشح الأبرز هو رفسنجاني. في الواقع، كان رفسنجاني قادراً على نيل المنصب لو لم يقرر أنه يفضل أن يصبح رئيساً لإيران بعد وفاة الخميني. فمن وجهة نظر رفسنجاني، كان منصب المرشد الأعلى سيفقد أهميته بشكل كبير بعد وفاة الخميني، بينما ستغدو الرئاسة الموقع الأكثر نفوذاً. ولذلك، لم يكن لديه مانع في التنازل عن منصب المرشد الأعلى لصديقه خامنئي، بل وسعى بالفعل إلى دعمه والترويج له أمام الخميني ومجلس خبراء القيادة.
إن المستقبل الأكثر ترجيحاً لإيران هو دولة استبدادية يسيطر عليها الجيش
وقد نجحت الخطة. توفي الخميني في 3 يونيو (حزيران) 1989، وتم تعيين خامنئي خلفاً له في اليوم التالي، وانتُخب رفسنجاني رئيساً في الشهر الذي تلاه. لكن رفسنجاني أخطأ حين اعتقد أنه يتجه بثبات ليصبح صاحب السلطة المطلقة في إيران. إذ سرعان ما نشب خلاف بين المسؤولَين الكبيرين حول سياسات ما بعد الحرب، ودخلا في صراع على السلطة.
في البداية، كان رفسنجاني هو المتفوق. فقد كان الأكثر كفاءة بين تلامذة الخميني، وأكثر السياسيين الإيرانيين دهاءً. وكان يمتلك برنامجاً واضحاً لإعادة بناء اقتصاد البلاد وبنيتها التحتية المنهارة. في المقابل، لم يكن لدى خامنئي أي خطة واضحة. والأكثر إثارة للقلق، أنه كان يفتقر إلى الشرعية. فبينما أصبح رفسنجاني رئيساً بفوزه في الانتخابات، وأصبح الخميني مرشداً أعلى بقيادته ثورةً، وصل خامنئي إلى منصبه عن طريق ترتيبات خلف الكواليس. ولم يكن يحظى بأي تأييد شعبي.
لكن خامنئي أدرك ضعف موقعه، فشرع في البحث عن مجموعة يمكن أن تدعمه. ولم يحتج إلى البحث طويلاً، فالحرس الثوري الإسلامي كان يحاول بدوره العثور على شريك سياسي جديد. وكانت هذه المنظمة قد ساعدت الخميني في هزيمة خصومه بعد الثورة، لكن الدمار والتكاليف الباهظة للحرب مع العراق أضرت بمكانتها، وكان رفسنجاني يسعى إلى الحد من نفوذها. أما خامنئي، فكان سعيداً بمساعدتها في الحفاظ على مكانتها وتوسيعها. وهكذا، وضع خامنئي ثقله خلف الأجندة المحلية للحرس الثوري، التي هدفت إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق القيم الإسلامية المحافظة. واستغل صلاحيات منصبه لمنح قادة الحرس الثوري دوراً أكبر في السياسة الداخلية ونفوذاً أوسع في المجتمع الإيراني. وفي المقابل، استخدم الحرس قوته العسكرية لإكراه واعتقال الشخصيات الإصلاحية، بمن في ذلك أولئك المتحالفين مع رفسنجاني. وعندما غادر الأخير السلطة بعد ولايتين، كانت الرئاسة قد فقدت كثيراً من بريقها.
وبحلول مطلع الألفية، كانت العلاقة التكافلية بين خامنئي والحرس الثوري قد رَسخت بشكل كامل حكم المتشددين في طهران. فقد قمع الحرس الثوري مراراً وتكراراً التظاهرات المؤيدة للإصلاح والاحتجاجات الطلابية، كذلك أعاق محاولات خليفة رفسنجاني الإصلاحي، محمد خاتمي، من إحداث أي تغييرات جوهرية في البلاد. وحتى محمود أحمدي نجاد، وهو متشدد آخر شغل منصب الرئيس من عام 2005 إلى عام 2013، تعرض للتهميش على يد خامنئي والحرس الثوري لمحاولته إعادة النفوذ إلى السلطة التنفيذية. لم يكن بإمكان أحد امتلاك السلطة الحقيقية سوى خامنئي والحرس الثوري.
أوهام العظمة
نجحت شراكة المرشد الأعلى مع الحرس الثوري الإسلامي، جزئياً، بفضل أجندتهما الداخلية الإسلامية المحافظة المشتركة. لكنها نجحت أيضاً بسبب تلاقي وجهات نظرهما بشأن الشؤون العالمية. فكلاهما سعى إلى جعل رؤية الخميني عن العالم، التي تعتبر أن الولايات المتحدة هي العدو الأول للحضارة الإسلامية وأن إسرائيل هي الأداة الرئيسة للنفوذ الأميركي، محوراً أساسياً للسياسة الخارجية الإيرانية. وأصبح "تحرير القدس"، أي هزيمة إسرائيل كدولة يهودية، والإطاحة بالنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، قضيتيهما الرئيستين.
في البداية، كان التقدم متعثراً ومتقطعاً. فمساعي إيران لتصدير ثورتها الإسلامية فقدت زخمها في ظل الحرب مع العراق. وتحولت التسعينيات من القرن العشرين إلى فترة تمحورت حول القضايا الداخلية، بينما اقتصرت عمليات الحرس الثوري الخارجية في الغالب على تنفيذ أعمال إرهابية. ومع ذلك، ظل الحرس الثوري طموحاً، وعندما غزت الولايات المتحدة أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، تغيرت المعادلة. فقد خلقت هاتان العمليتان صراعات مفتوحة قابلة للاستغلال، وكانت إيران، التي تحد كلا الدولتين، في موقع مثالي للاستفادة من الاضطرابات الإقليمية. وهكذا، بدأ الحرس الثوري الإيراني سريعاً تدخلات سرية. ففي أفغانستان، استفاد من طرفي النزاع لمصلحته، لكنه انتهى بدعم فصائل من حركة "طالبان"، وتزويدها بالأموال والأسلحة. أما في العراق، فقد أنشأت طهران ميليشيات جديدة لمحاربة القوات الأميركية. وعندما غادرت القوات الأميركية العراق عام 2011، ظلت هذه الروابط قائمة، وأصبحت طهران اللاعب الخارجي الأقوى في بغداد. وقد منح النجاح في كلا المكانين إيران نموذجاً يُحتذى به. ومع اجتياح "الربيع العربي" للمنطقة في العقد الثاني من الألفية الثانية، وإشعاله فتيل صراعات جديدة، استغل الحرس الثوري حالة عدم الاستقرار لبناء علاقات مع جهات مسلحة مختلفة، فتدخل في سوريا لإنقاذ حكومة بشار الأسد من الانهيار، ولاحقاً ساعد الحوثيين في صعودهم إلى السلطة في اليمن.
وقد ترافقت سياسة خامنئي الخارجية الحازمة مع طموحه في جعل إيران قوة عسكرية كبرى. فاستثمر النظام بكثافة في أسلحة مكنت إيران من تهديد أعدائها عن بُعد، مما أدى إلى تطوير برامج متقدمة للصواريخ والطائرات المسيرة. كذلك سعى النظام إلى إتقان تخصيب اليورانيوم. وعلى رغم أن طهران نفت باستمرار سعيها إلى إنتاج أسلحة نووية، بل إن خامنئي أصدر فتوى دينية تحظرها، إلا أن تَقدم البرنامج تجاوز بكثير ما هو مطلوب للاستخدام المدني. وعلى أقل تقدير، منحت المساعي النووية الإيرانية البلاد المواد والمعرفة اللازمة لصنع قنبلة نووية.
لفترة من الزمن، أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها. فبحلول أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أصبحت إيران الفاعل السياسي المهيمن في رقعة واسعة من الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق ولبنان واليمن. وأسهم التوسع الإيراني والنزاعات الناجمة عنه في تعزيز سلطة الحرس الثوري داخل النظام، مما حوله إلى الصوت المهيمن في الشؤون الخارجية. علاوة على ذلك، مكنته مخططاته الأمنية الواسعة من السيطرة على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني.
إلا أن تكلفة هذا النهج كانت باهظة للغاية. فالإنفاق العسكري الضخم، على سبيل المثال، منع طهران من الاستثمار في الشعب الإيراني. وأدت البرامج النووية والصاروخية للبلاد إلى فرض عقوبات أميركية قاسية. ونتيجة لذلك، تدهور الاقتصاد الإيراني وارتفعت معدلات التضخم بشكل حاد. وبدأ الإيرانيون بالاحتجاج ضد ديكتاتورهم غير المنتخب، أولاً عام 2009، ثم بشكل متقطع من عام 2017 إلى عام 2022، وحديثاً في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الفائتين.
وفي نهاية المطاف، بدأت طهران تواجه انتكاسات على الصعيد الدولي. فبعد أن شنت حركة "حماس"، حليف إيران الآخر، هجوماً على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تخلت الدولة اليهودية عن ترددها السابق في تدمير قدرات الجمهورية الإسلامية. وعلى مدى العامين التاليين، شنت إسرائيل بشكل متكرر ضربات على "حزب الله"، ومواقع الحرس الثوري في سوريا، والحوثيين. وأخيراً، دمرت عدداً من أنظمة الدفاع الجوي ومواقع إنتاج الصواريخ الإيرانية، وبمساعدة الولايات المتحدة، قصفت ودفنت عديداً من المنشآت النووية الإيرانية. وفي فبراير (شباط) 2026، شن البلدان هجوماً آخر، أسفر عن مقتل خامنئي ومسؤولين بارزين آخرين، وأدى إلى إضعاف شديد لكامل الجهاز العسكري والأمني الإيراني.
أزمة إيمان
لقد فتح اغتيال خامنئي الباب أمام التغيير داخل إيران. لكن حتى الآن، كانت أبرز نتائجه هي تعزيز نفوذ الحرس الثوري. فبحلول وقت اغتياله، كان خامنئي هو الكابح الوحيد المتبقي لنزوات الحرس، إذ كان يضمن أنه على رغم حصول الحرس على ما يريده في معظم الأحيان، فإنه لم يكن يحقق النصر الكامل في كل ما يسعى إليه. أما الآن، فلم يعد له ند. وسواء بقي مجتبى خامنئي في منصبه أم لا (وبحسب ما أفاد به مسؤولون أميركيون وقت كتابة هذا المقال، فهو مصاب)، فإن منصب المرشد الأعلى لن يكون له بعد الآن السلطة اللازمة لعرقلة أجندة الحرس. لن يكون المرشد الأعلى الجديد مجرد مشرف على الحرس الثوري، بل سيكون أيضاً وكيلاً له ينفذ أجندته.
وهذا بدوره قد يعني أن المسؤولين المنتخبين في إيران سيتمتعون بنفوذ أقل من أي وقت مضى. ففي عهد خامنئي، كانت السلطة التنفيذية الإيرانية تتحدى الحرس الثوري الإيراني في بعض الأحيان؛ فعلى سبيل المثال، سمح المرشد الأعلى للرئيس حسن روحاني، الإصلاحي الذي تولى الرئاسة من عام 2013 إلى 2021، بالتفاوض وتوقيع الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة عام 2015 على رغم اعتراضات الحرس. أما الرئيس الحالي، مسعود بيزشكيان، ذو التوجه الإصلاحي، فهو في موقف أضعف بكثير.
لذا، فإن المستقبل الأكثر ترجيحاً لإيران هو دولة استبدادية يسيطر عليها الجيش، ويقودها زعيم ديني رمزي. ومن شبه المؤكد أن تكون هذه الحكومة عدائية. فالحرس الثوري الإيراني يهيمن عليه المتشددون، مما يجعله مستعداً لمواصلة المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتوجيه ما تبقى من اقتصاد البلاد نحو إعادة بناء الجيش. ولتحقيق ذلك، من المرجح أن يسعى هؤلاء المسؤولون إلى الحصول على الدعم من الصين وروسيا، وهما الراعيان الرئيسيان لإيران.
لكن هذا المسار محفوف بتحديات جسيمة. فبكين وموسكو منشغلتان بمشكلاتهما في السياسة الخارجية، وعليهما الموازنة بين علاقاتهما مع إيران وعلاقاتهما مع الدول العربية، الغاضبة من إيران بسبب هجماتها الانتقامية رداً على الضربات الأميركية والإسرائيلية. ومن غير المرجح أن تساعدا إيران على استعادة نفوذها الإقليمي المفقود. وفي الوقت نفسه، تعاني طهران من ضائقة مالية حادة. ولا تستطيع تحمل تكاليف إعادة بناء جيشها بسرعة، أو إنشاء بنية تحتية تحت الأرض لإعادة إحياء برنامجها النووي، أو إعادة تسليح وكلائها، لا سيما القيام بكل ذلك دفعة واحدة. وفي هذه الأثناء، لن يؤدي عدوانها ورفضها للتسويات إلا إلى مزيد من الهجمات في المستقبل. ومهما وجد النظام عزاءً في خطابه التقليدي والمتكرر عن المقاومة، فإن التصريحات المتشددة لن تعالج السخط العميق لدى الشعب الإيراني ولن تخمد موجات الاضطرابات المقبلة. وللبقاء في السلطة، سيتعين على مسؤولي النظام الاستمرار في الاعتماد على العنف.
الإيرانيون العاديون لم يكن لهم حتى الآن ممثل حقيقي داخل الحكومة
ولا يُبدي الحرس الثوري أي انزعاج من ذلك. فبالنسبة إلى قادته، إن البقاء في السلطة وفقاً لشروطهم هو كل ما يهم، أما حياة الإيرانيين العاديين فلا قيمة لها. وهم مدفوعون بغضبهم تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، وقد تفاقم هذا الغضب بشكل كبير بفعل الحرب. لكن ليس كل من في النظام يريدون أن يكون مستقبل إيران شبيهاً بماضيها، بخاصة وأن سياساتها السابقة أسهمت في التسبب بالكارثة، وبعضهم على استعداد للدفع نحو مسار مختلف. ومن بينهم بيزشكيان. ففي مارس، في خضم الحرب، طلب الرئيس من الحرس الثوري العمل مع حكومته لمعالجة الوضع الاقتصادي المتردي المتوقع في فترة ما بعد الحرب بشكل استباقي. ووفقاً لتقرير نشره موقع "إيران واير"، عندما تجاهل ضابط شاب في الحرس الثوري بيزشكيان خلال اجتماع، مصرحاً بأن حالة الطوارئ الدائمة ستكون في مصلحة طهران لأنها ستضمن عدم "تجرؤ أي إيراني على التعبير عن استيائه"، بدا الرئيس مذهولاً. ورد قائلاً: "هذا ليس جواباً! هل يعني ذلك أنه بمجرد انتهاء الحرب، يجب علينا أن نقتل دفعة أخرى من المتظاهرين؟ هل هذا ما تسمونه تخطيطاً؟".
ولا يعني ذلك أن انتزاع إيران من قبضة الحرس الثوري سيكون أمراً سهلاً، نظراً لقدراته القمعية الهائلة. ولكن على رغم ازدياد قوة الحرس الثوري النسبية داخل إيران منذ بدء الهجمات، فإن نفوذه المطلق قد تضاءل. ففي نهاية المطاف، كانت استراتيجيته وسياساته هي التي أوصلت إيران إلى حافة الهزيمة، وأفلست اقتصادها، وجعلت شرائح واسعة من الشعب الإيراني تقف ضد النظام. وقد كلف ذلك الحرس الثوري رصيداً سياسياً داخلياً، مما جعله عرضة لانتقادات من داخل النظام نفسه. وصحيح أن الحرس الثوري اكتسب نفوذاً الآن بعد رحيل علي خامنئي الذي كان يقيده ويكبح تصرفاته، لكن موته حرم الحرس الثوري أيضاً من أكبر داعم وأقوى سند له.
واستطراداً، قد يواجه الحرس الثوري صعوبة في حشد قدراته القمعية. فقد ألحقت الحرب أضراراً بالغة بصفوفه، بما في ذلك مقتل عدد من الشخصيات الأكثر كفاءة فيه، مثل علي لاريجاني، المسؤول الأمني البارز [أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني]، وعلي شمخاني، مستشار مقرب من المرشد الأعلى السابق. في المقابل، نجا معظم القادة الإصلاحيين الأكثر كفاءة، بمن فيهم بيزشكيان، وروحاني، وخاتمي، الذي لا يزال يُعتبر أبرز شخصية إصلاحية في البلاد. ويشمل ذلك أيضاً أحمدي نجاد، الذي أعاد تقديم نفسه كناقد للوضع القائم بعد انتهاء رئاسته، ووُضع فعلياً تحت الإقامة الجبرية. (وربما تكون الضربات الأميركية والإسرائيلية قد أسهمت في تحريره). وأخيراً، قد يشمل ذلك حلفاء الحرس الثوري المتشددين ظاهرياً، ولكن الأقل تعصباً، مثل رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الذي حاول تقديم نفسه كمدير براغماتي، ويتمتع بنفوذ كافٍ داخل النظام لتغييره. هؤلاء المسؤولون يتمتعون بمهارات سياسية عالية، ويمكنهم استغلال حالة التراخي الجديدة في النظام الإيراني للدفع نحو التغيير. وبإمكانهم فعل ذلك من خلال توحيد مؤسسات الدولة، والعمل خلف الكواليس لحشد الدعم لنهج مختلف، وطرح رؤيتهم أمام الرأي العام. وإذا استطاع هؤلاء وضع خطة واضحة لتحسين اقتصاد البلاد، ومعالجة انعدام الأمن، وتخفيف الضغوط الاجتماعية، وكل ذلك في إطار الحفاظ على النظام الثيوقراطي، فقد يجد الحرس الثوري صعوبة في تجاهلهم.
تغيير يمكن الإيمان به
هناك فئة أخيرة قادرة على إجبار طهران على تغيير مسارها: الإيرانيون العاديون. فهم المصدر الأقوى المحتمل للشرعية الوطنية. ولم يكن لهم حتى الآن ممثل حقيقي داخل الحكومة، ولكن لم تكن هناك فرصة أفضل من الوقت الحالي لكي يبرز شخص من داخل النظام يلعب هذا الدور. في الواقع، إن أفضل فرصة لمسؤول طموح من داخل النظام، يريد أن يتجاوز الحرس الثوري أو يجبره على التغيير، هي أن يتوجه مباشرةً إلى الشعب.
في الواقع، لم تُفضِ الاحتجاجات الجماهيرية السابقة إلى إصلاحات جوهرية. إلا أن المجتمع الإيراني لا يزال يضم فئات تمتلك نفوذاً حقيقياً. من بينها صغار التجار، أو البازاريون، الذين يشكلون نسبة ضئيلة من سكان إيران، لكنهم يسيطرون على الاقتصاد التقليدي وعلى مراكز حضرية هامة. وخلال العقدين الأولين من تاريخ الجمهورية الإسلامية، كان البازاريون يشكلون القاعدة الشعبية الأهم للنظام الثيوقراطي، إلا أن سنوات من عدم الاستقرار الاقتصادي أدت إلى تراجع دعمهم للنظام. وعلى نحو مماثل، تتمتع النقابات والاتحادات العمالية الإيرانية بنفوذ على قطاعي الطاقة والنقل، وقد تضررت جراء تدهور أوضاع البلاد. وإذا ما اتحد البازاريون مع هذه النقابات العمالية، فيمكنهم شل جزء كبير من الاقتصاد من خلال الإضرابات والمقاطعات.
وقد يتبين أن جيل الشباب الإيراني حليف قوي. فالشباب لا تربطهم أي صلة بثورة 1979، ولا يعرفون عن النظام إلا الفساد والقسوة. لقد تشكلت حياتهم بفعل عقود من الصراعات والحرمان. وهم مَن قادوا معظم الاحتجاجات الأخيرة، وعانوا أشد المعاناة من حملة النظام العنيفة ضد المعارضة. ومع ذلك، ما زالوا الفئة الأكثر نشاطاً سياسياً. ويمكن لسياسي طموح يسعى إلى التغيير أن يكسب ملايين المؤيدين المتحمسين من خلال تحفيز هذه الفئة بنجاح.
وإذا تمكن البراغماتيون أو الإصلاحيون في إيران من الوصول إلى السلطة، فقد يبدو مستقبل البلاد مختلفاً كثيراً عن ماضيها. فمن المرجح أن يركز قادتها الجدد على تحسين الاقتصاد وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي للحكومة، وهي مهمة ستدفعهم إلى البحث عن سبل للخروج من حالة الصراع الدائم مع واشنطن. ولذلك، قد يسعون إما إلى تسوية شاملة مع الولايات المتحدة أو إلى سلسلة من التسويات التي تُفضي مجتمعةً إلى تنازلات في الملفين النووي والعسكري مقابل تخفيف العقوبات. ومن شأن ذلك أن يمنح الشعب الإيراني بصيص أمل، وبالتالي يقلل من رغبته في التمرد.
وينبغي على الولايات المتحدة أن تحاول دعم هذه الشخصيات الأكثر براغماتية بطرق تتجاوز مجرد القضاء على منافسيهم المتشددين. فعلى سبيل المثال، يتعين على واشنطن أن تنخرط دبلوماسياً مع أي طرف مستعد للحوار. فوجود قناة اتصال مباشرة مع واشنطن من شأنه أن يمنح هذه التيارات البراغماتية نفوذاً أكبر داخل النظام. كذلك ينبغي على الولايات المتحدة أن تقدم بشكل استباقي حوافز مدروسة لإيران، مثل تخفيف عقوبات محددة، مقابل استعدادها لتقديم تنازلات في قضايا رئيسة. حتى القادة الإيرانيون الأكثر اعتدالاً من غير المرجح أن يقبلوا بمطالب متطرفة من واشنطن، ولكن بإمكانهم الموافقة على خطوات تدريجية تركز في البداية على الملف النووي، ثم تمتد لاحقاً لتشمل الملف العسكري والسياسة الخارجية. ويمكن للمسؤولين الأميركيين أيضاً الضغط على إيران للسماح بمزيد من الحريات الاجتماعية وإنهاء اضطهاد الأقليات الدينية، وهي خطوات من شأنها أن تخفف من حدة المشاعر المعادية للنظام داخل المجتمع الإيراني.
ولن تكون هذه الإجراءات حلاً سحرياً. فبراغماتيو النظام ليسوا من دعاة الديمقراطية؛ وعلى رغم أن المتشددين هم مَن أوصلوا إيران إلى الحضيض، إلا أن المعتدلين في البلاد كانوا متواطئين معهم في ذلك. ولكن على رغم كل القصف، لا يزال النظام قائماً، ولا يوجد بديل عملي جاهز ليحل محله. ونتيجة لذلك، فإن أنجع طريقة لإحداث تحول إيجابي في طهران هي العمل مع أشخاص من داخل النظام يدعمون التغيير. فهم يعرفون كيف يعمل النظام وكيف يمكن التعامل معه. وبعد عقود من هيمنة التيار المحافظ المتشدد، فإن الاضطرابات في إيران تعني أن هؤلاء المعتدلين باتت لديهم أخيراً فرصة لإحداث التغيير.
أفشون أوستوفار هو أستاذ مشارك في كلية الدراسات العليا البحرية، وزميل بارز غير مقيم في معهد أبحاث السياسة الخارجية، ومؤلف كتاب "حروب الطموح: الولايات المتحدة، إيران، والصراع على الشرق الأوسط". والآراء الواردة هنا تعبر عن وجهة نظره الخاصة.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 31 مارس (آذار) 2026