Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل ذات الوجهين

التفاوت الاجتماعي والاقتصادي يعيد تشكيل سياسة البلاد ويدفعها نحو مزيد من العدوان الخارجي

احتجاج ضد الخدمة العسكرية الإلزامية، بني براك، إسرائيل، فبراير (شباط) 2026 (نير إلياس/ رويترز)

ملخص

ينقسم المجتمع الإسرائيلي بين فئة ليبرالية عالية الإنتاجية تمول الجزء الأكبر من الاقتصاد، وأخرى دينية ومحافظة أقل إنتاجية تتسع ديموغرافياً وتتقدم سياسياً، بما ينذر بتآكل القاعدة الضريبية وتراجع الديمقراطية. ومع صعود اليمين الديني والقومي، لا يعود التفاوت الاجتماعي والاقتصادي مجرد خلل داخلي، بل يتحول إلى قوة دافعة نحو مزيد من القمع في الداخل والعدوان في الخارج.

تخيل دولتين في الشرق الأوسط. الأولى تختلف كثيراً عن بقية دول المنطقة. فهي تتمتع بإنتاجية اقتصادية مرتفعة، إذ يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها 80 ألف دولار، وهو الأعلى في الشرق الأوسط. وتضم جامعات ممتازة وقطاعاً تكنولوجياً متطوراً للغاية. صحيح أن سكانها لا يتفقون على كل شيء، إلا أنهم يؤيدون عموماً الديمقراطية الليبرالية.

أما الثانية، فهي أقرب كثيراً إلى جيرانها. فنسبة كبيرة من سكانها لا تعمل، وحتى من يعملون منهم غالباً ما يشغلون وظائف متدنية المهارة وضعيفة الأجر. ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها 35 ألف دولار، أي أقل من نصف نظيره في الاقتصاد الأول. وتراوح درجة تدين سكانها بين المحافظة الدينية والتدين العميق، فيما يظل التحصيل التعليمي منخفضاً نسبياً. ويبدو أن معظم سكانها إما غير مكترثين بالقيم الليبرالية أو معادين لها صراحة.

لكن هاتين الدولتين هما في الواقع دولة واحدة: إسرائيل. قد تكون الدولة ذات غالبية يهودية ساحقة، لكنها مفككة داخلياً بين فئة متعلمة مرتفعة الدخل، وأخرى ضعيفة التعليم ومتدنية الدخل. الفئة الأولى مسؤولة عن معظم الإيرادات الضريبية والثروة في البلاد، وهي تعارض عموماً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته القومية اليمينية. أما الفئة الثانية، فتتكون بصورة غير متناسبة من الحريديم، الذين يسجلون أعلى معدلات البطالة في البلاد، ومن القوميين المتدينين، وكلا الفريقين ممثل بقوة في حكومة نتنياهو.

هذا الانقسام يترك بالفعل آثاراً مدمرة في المجتمع الإسرائيلي. فهو يغذي الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد، ويسهم في تفكك الحكومات على نحو متكرر (وقد شهدت إسرائيل خمسة انتخابات خلال الأعوام الستة الماضية). ومع مرور الوقت، لن يؤدي هذا الانقسام إلا إلى زيادة متاعب الدولة اليهودية. فوزن الشريحة الليبرالية العالية الإنتاجية يتراجع، فيما يتصاعد وزن الشريحة المحافظة المنخفضة الإنتاجية. ونتيجة لذلك، ستتآكل القاعدة الضريبية في إسرائيل، وسيواصل السياسيون اليمينيون المتطرفون والمتدينون توسيع نفوذهم. وعليه، ستصبح إسرائيل أكثر فقراً وأكثر قمعاً في الداخل، وهي تمضي بالفعل نحو مزيد من العدوانية في الخارج، كما يظهر في الحرب التي شنتها أخيراً على إيران بالشراكة مع الولايات المتحدة. وكانت الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، التي عدها كثر في الغرب إبادة جماعية، وجهاً آخر لهذا العدوان، وكذلك الاستفزازات الإسرائيلية العنيفة المتصاعدة في الضفة الغربية.

وستجعل هذه المسارات إسرائيل أكثر شبهاً بدول أخرى في المنطقة، بما في ذلك عدوها اللدود إيران. فالعداء والعدوان اللذان تبديهما طهران تجاه إسرائيل منذ عقود متجذران في أيديولوجيا دينية أصولية. لكن الحكومة اليمينية الإسرائيلية واقعة هي الأخرى تحت سطوة أجندة خلاصية أيضاً، وكانت متعطشة إلى حرب شاملة مع إيران، وابتهجت حين جعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شنها ممكناً من خلال التعهد بتقديم دعم أميركي.

فجوة الإنتاجية

يتكون المجتمع الإسرائيلي من فسيفساء من الجماعات المختلفة، لكل منها مصالحها الخاصة. لكن هذا الانقسام يتجسد بوضوح في جماعتين. الأولى تضم العاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة. هؤلاء يشكلون نحو 10 في المئة من القوة العاملة في إسرائيل، لكنهم ينتجون ما يقارب خمس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى أن إنتاجية قطاع التكنولوجيا تزيد بأكثر من الضعف على إنتاجية بقية قطاعات الاقتصاد. ويعكس ذلك ما يتمتع به القطاع من رأس مال بشري متميز، واندماج عميق في الأسواق العالمية، وشبكات بحثية قوية. ويمثل هذا القطاع نحو نصف صادرات الخدمات الإسرائيلية ونحو ربع الإيرادات الضريبية الحكومية. وبعبارة أخرى، هو المصدر الرئيس لقدرة الدولة المالية ومتانتها في مواجهة الصدمات الخارجية. وعلى الطرف المقابل من الاقتصاد يقف الحريديم. فـ54 في المئة فقط من الرجال الحريديم يعملون. وحتى حين يعملون، فإنهم يشغلون في الغالب وظائف متدنية المهارة، وتبلغ أجورهم في المتوسط نحو نصف أجور الرجال اليهود غير الأرثوذكس. أما النساء منهم، فتبلغ نسبة تشغيلهن 81 في المئة، وهي نسبة مماثلة لنظيرتها لدى النساء اليهوديات غير الأرثوذكسيات، لكن متوسط أجورهن يقل بنحو الثلث، كما أن كثيراً من الوظائف التي يشغلنها منخفضة المهارة وبدوام جزئي.

ويعيش نحو ثلث الأسر الحريدية تحت خط الفقر، مقارنة بنحو 14 في المئة بين الأسر اليهودية الأخرى. وهذه المؤشرات المقلقة تعود جزئياً إلى خيارات فردية، لكنها أيضاً نتاج ترتيبات مؤسسية مترسخة. فعلى سبيل المثال، يعفى الرجال الحريديم إلى حد كبير من الخدمة العسكرية، مما يعني أنهم لا يشاركون في مؤسسة تؤدي دوراً محورياً في تسهيل الاندماج في سوق العمل وتعزيز التماسك الاجتماعي. كذلك فإن الحريديم منفصلون عن نظام التعليم السائد في إسرائيل، إذ يرتادون مدارس تعطي الأولوية للدراسات الدينية وتستبعد المواد الأساسية مثل الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية. وهذه البنية تدفع أعداداً كبيرة من الشبان إما إلى الدراسة الدينية مدى الحياة، وإما إلى أعمال هامشية. وتتحمل النساء الحريديات عبئاً هائلاً، إذ يدرن أسراً كبيرة ويضطلعن بعمل جزئي. ولأن دخل الأسر الحريدية منخفض نسبياً، فهي تدفع ضرائب قليلة أو لا تدفع شيئاً، وتعتمد على الدعم الاجتماعي الحكومي وعلى تمويل قادم من المجتمعات الحريدية في نيويورك ولندن.

يرتبط الانقسام الاقتصادي في إسرائيل بصورة وثيقة بالاستقطاب السياسي في البلاد

 

وليست الجماعة الحريدية وحدها التي تعاني انخفاض الإنتاجية. فالأقلية العربية في إسرائيل، التي تشكل نحو 20 في المئة من السكان، تعمل هي الأخرى بصورة غير متناسبة في وظائف متدنية الأجر. وعلى خلاف الحريديم، لا يستبعد المواطنون العرب في إسرائيل من القطاعات الاقتصادية المتقدمة بسبب خياراتهم الذاتية أو بنية مجتمعاتهم، بل لأنهم يواجهون تمييزاً واسع النطاق، ولأن الاستثمار في بنيتهم التحتية ضعيف إلى حد يجعل حصولهم على تعليم عالي الجودة ووظائف عالية المهارة أمراً عسيراً. ونتيجة لذلك، لا تتاح لهم فرص العمل نفسها المتاحة لنظرائهم اليهود.

وتزداد نسبة الحريديم ضمن سكان إسرائيل باطراد. فهم يشكلون حالياً نحو 14 في المئة من السكان، لكن معدل الخصوبة الكلي لدى النساء الحريديات يصل إلى نحو 6.5 طفل، في مقابل طفلين فقط لدى النساء اليهوديات العلمانيات و3.7 طفل لدى النساء اليهوديات المتدينات، وهي بدورها فئة تنمو بسرعة. وهذا يعني أن الحريديم يتجهون إلى تكوين أكثر من خمس سكان البلاد بحلول منتصف أربعينيات هذا القرن، ونحو ثلث السكان بحلول ستينياته.

وسيجعل هذا الاتجاه من الصعب للغاية على إسرائيل الحفاظ على مستويات مرتفعة من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مع مرور الوقت. وليس من الصعب فهم السبب: فشريحة عالية الإنتاجية آخذة في الانكماش لا تستطيع إلى ما لا نهاية تمويل شريحة أخرى تنمو سريعاً وتتميز بانخفاض إنتاجيتها. وفي نهاية المطاف، ستبدأ الحكومة في مواجهة صعوبة في تمويل السلع العامة، بما في ذلك المؤسسات التعليمية، ونظام الرعاية الصحية، والمرافق والبنية التحتية، والجيش. وقد يفضي ذلك إلى انتقال رؤوس الأموال والعمالة إلى الخارج على يد الأفراد والشركات.

في الواقع، بدأ هذا التحول يحدث بالفعل. ففي عامي 2023 و2024، هاجر نحو 100 ألف إسرائيلي، ووفقاً لدراسة حديثة أجراها الاقتصاديون إيتاي آتر، ونيتاي بيرغمان، ودورون زمير، كان كثير ممن غادروا من أصحاب المهارات العالية في الطب والهندسة والأوساط الأكاديمية والتكنولوجيا. وتشير التجارب التاريخية إلى أن تعويض مثل هذه الخسائر سيكون صعباً (فعلى سبيل المثال، خلال أزمة الديون التي عصفت باليونان في أوائل العقد الثاني من القرن الـ21 وبعدها، فقدت البلاد ما يقارب خمسة في المئة من سكانها، ولم يعد كثير منهم أبداً). وستفاقم الهجرة إلى الخارج الضغوط المالية القائمة في إسرائيل من خلال زيادة تآكل القاعدة الضريبية. وسيضطر صناع السياسات إلى فرض ضرائب أعلى على العمال الباقين، مما سيدفع مزيداً منهم إلى المغادرة. وقد تعمد وكالات التصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف الدين الإسرائيلي، بما يرفع كلفة الاقتراض ويقيد خيارات إسرائيل السياسية أكثر فأكثر. وستكون النتيجة حلقة مفرغة كلاسيكية من تراجع الاستثمار، وتباطؤ النمو، وانخفاض مستويات المعيشة.

بيت منقسم

يرتبط الانقسام الاقتصادي في إسرائيل بصورة وثيقة بالاستقطاب السياسي في البلاد. فالإسرائيليون العاملون في القطاعات العالية الإنتاجية يؤيدون بغالبية ساحقة مؤسسات الديمقراطية الليبرالية، بما في ذلك استقلال القضاء، وحرية الإعلام، والقيود المفروضة على السلطة التنفيذية. في المقابل، تدعم الفئات الأقل إنتاجية على نحو متزايد الأحزاب التي تضعف هذه المؤسسات وتلك القيود.

وتجد الأحزاب الحريدية شركاء طبيعيين لها في الأحزاب الدينية القومية المتطرفة في إسرائيل، وإن لم تكن حريدية. وتمثل هذه الأحزاب نحو 15 في المئة من سكان إسرائيل، وهي شريحة أقوى اقتصادياً من الحريديم. وهي تسعى إلى استبدال بالنظام القضائي المدني العلماني محاكم حاخامية، وإضعاف الرقابة القضائية، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. وعلى رغم أن هذه الأهداف ليست في صلب أولويات الحريديم، الذين يركزون أكثر على ترسيخ الإعفاء من الخدمة العسكرية، وزيادة مخصصات الرعاية الاجتماعية، والحفاظ على نظامهم التعليمي الديني، فإنهم يوافقون عليها. إذ يستفيد الطرفان من إضعاف مؤسسات الديمقراطية الليبرالية ومركزة السلطة.

وقد نجح نتنياهو في الجمع بين هاتين المجموعتين. فهو يقيم علاقات راسخة مع قادة من كلتا الجماعتين، وعمل على خدمة أجندة كل منهما. ويضم ائتلافه الحالي حزبين حريديين وحزبين قوميين متطرفين، يقود الحزبين الأخيرين شخصيات متشددة. ومنذ يناير (كانون الثاني) 2023، يشن هذا الائتلاف هجوماً منسقاً على السلطة القضائية، ويضعف القيود المفروضة على السلطة التنفيذية، ويعيد توجيه الموارد المالية لمصلحة داعميه السياسيين. وبمعنى آخر، يسعى إلى تغيير التوازن الدستوري في إسرائيل بصورة منهجية.

وفي غياب تحول جذري في المسار، ستصبح إسرائيل أفقر، وأقل ديمقراطية، وأكثر انقساماً

 

وقد أثارت هذه الأجندة، بطبيعة الحال، غضب المعتدلين والليبراليين في إسرائيل، الذين خرجوا مراراً إلى الشوارع احتجاجاً. وأظهر المتظاهرون إصراراً لافتاً، ونجحوا في تأخير كثير من مشاريع القوانين التي طرحها نتنياهو. لكن أجندة رئيس الوزراء تبدو أكثر فأكثر وكأنها حتمية. فقد واصلت حكومته إضعاف المؤسسات الديمقراطية في إسرائيل تدريجاً، وهي تمضي قدماً في كثير من أكثر قوانينها إثارة للجدل. وحتى مجزرة "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، التي وقعت في عهد نتنياهو، لم تعرقل هذه الأجندة. فقد هبطت شعبية رئيس الوزراء بشدة في أعقاب الهجمات مباشرة، لكنه تمكن في نهاية المطاف من استغلال المأساة لترسيخ سلطته عبر تعبئة خوف الإسرائيليين وغضبهم وشن الحرب على غزة. وحافظ على تماسك ائتلافه بتلبيته مطالب شركائه السياسيين المتطرفين، وتقديمه دعماً مالياً كبيراً للحريديم، على رغم تزايد الضغوط المالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الأسابيع والأشهر الأخيرة، تراجعت الاحتجاجات بالفعل، بينما واصلت الحكومة المضي في عدد من مشاريع القوانين البرلمانية التي تقوض الديمقراطية، وتواصل استخدام الموارد الوطنية لخدمة أحزاب الائتلاف. وفي الوقت نفسه تلوح أزمة دستورية في الأفق، إذ إن الوزراء ورئيس الكنيست لم يعودوا، خلافاً للبروتوكول والممارسة المعمول بها، يوجهون الدعوة إلى رئيس المحكمة العليا لحضور مناسبات الدولة الأساسية. والأهم من ذلك أن الوزراء يرفضون استبعاد احتمال عدم الامتثال لقرارات المحكمة العليا. ومما يزيد الوضع سوءاً أن الحكومة طرحت مشروع قانون جديداً يعيد تعريف دور موظف مدني حيوي هو المستشار القانوني للحكومة، الذي يشغل أيضاً منصب المدعي العام. ويخفض مشروع القانون الجديد فعلياً مكانة هذا المنصب ويجرده من استقلاليته من خلال فصل دوري المدعي العام والمستشار القانوني، وجعل المنصب الثاني تعييناً سياسياً بحتاً. وإذا أقر هذا القانون، فسيزيل أهم دفاع ضد التراجع الديمقراطي الذي نخر الديمقراطية الإسرائيلية خلال الأعوام الثلاث الماضية.

وتظهر الأبحاث الأكاديمية أنه حين يكون السلوك الانتخابي مرتكزاً إلى الانتماء الجماعي بدلاً من تقييم السياسات، كما هي الحال في إسرائيل، فإن الولاءات الجماعية والفوارق المتصورة في المكانة الاجتماعية تشكل تفضيلات الناخبين أكثر مما تفعل الظروف الاقتصادية. ونتيجة لذلك، وحتى مع ازدياد سوء الاقتصاد الإسرائيلي، سيظل الدعم للأحزاب القومية والدينية في البلاد قوياً.

متاعب في الطريق

يبدو المستقبل قاتماً في نظر الإسرائيليين. ففي غياب تغيير جذري في المسار، ستصبح البلاد أفقر وأقل ديمقراطية وأكثر تفتتاً في الأعوام المقبلة. وقد تنزلق أيضاً نحو مزيد من العسكرة. ومع اضطراب الاقتصاد، سيزداد إغراء السياسيين القوميين باتباع سياسات خارجية أكثر عدوانية، باعتبارها وسيلة لحشد الإسرائيليين خلف راية الدولة.

في الواقع، سيستثمر نتنياهو الصراع الجاري مع إيران لتعزيز فرص ائتلافه في الانتخابات البرلمانية في وقت لاحق من هذا العام. فإذا تحسن التأييد الشعبي لائتلافه، فسيسعى إلى إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، ربما في يونيو (حزيران). أما إذا ظل الائتلاف متأخراً في استطلاعات الرأي، فقد يعلن حال الطوارئ ويؤجل الانتخابات. وهذه حال كلاسيكية لحكومة شعبوية تستخدم الحرب من أجل البقاء السياسي، فيما تزعزع استقرار المنطقة في الوقت نفسه.

ويقدم المسار الإيراني مقارنة كاشفة. فمن حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كانت إيران وإسرائيل متقاربتين نسبياً في ستينيات القرن الـ20 وأوائل سبعينياته. لكن بعد الثورة الإسلامية عام 1979، شهدت إيران تراجعاً حاداً وركوداً طويلاً، إذ حولت القيادة الإيرانية البلاد إلى نظام ثيوقراطي، وسخرت البحث الأكاديمي والموارد العامة للقضايا العسكرية، وقمعت الحريات المدنية، ودمرت النظام القضائي العلماني. واليوم، لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إيران عشر نظيره في إسرائيل، ومع ذلك ظل نظامها السياسي متماسكاً إلى حد بعيد طوال 47 عاماً. وهكذا، تظهر تجربة إيران أن الأنظمة غير الكفؤة القائمة على السلطوية الدينية قادرة على الاستمرار على رغم العواقب الاقتصادية الوخيمة. ومن المثير للدهشة أن إسرائيل تسلك الآن مساراً مشابهاً.

ولا يزال هناك أمل للدولة اليهودية. فقد أظهرت حركة الاحتجاجات الجماهيرية في إسرائيل أن البلاد ما زالت تحتفظ بمجتمع مدني نابض بالحياة وقوي، وأن سكانها قادرون على التحرك خارج القنوات الانتخابية الرسمية. ويظل هذا الانتظام أحد الدفاعات القليلة ضد الركود الاقتصادي ومزيد من الانزلاق نحو نهج غير ليبرالي. وإذا تحرك قادة الأعمال في إسرائيل، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، فقد يتمكنون من وقف هذا الانحدار. وقد تساعد أيضاً المجتمعات اليهودية حول العالم والحكومات الأجنبية الليبرالية. لكن المؤكد أن أمام إسرائيل طريقاً شاقة في المستقبل.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز" 20 مارس (آذار) 2026

إران ياشيف أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، وعضو في مركز الاقتصاد الكلي في كلية لندن للاقتصاد، ورئيس سابق لبرنامج الأمن القومي والاقتصاد في معهد دراسات الأمن القومي.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء