Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تعني حرب إيران بالنسبة إلى الصين

بكين تخشى تقلبات أميركا أكثر من قوتها

ضباط شرطة في ميدان تيانانمن، بكين، مارس 2026 (رويترز)

ملخص

ترى الصين في حرب إيران اختباراً خطراً لا فرصة، إذ تخشى فوضى عالمية تهدد تجارتها وأمن طاقتها أكثر مما تستفيد من تراجع واشنطن. فعدم استقرار أميركا، لا ضعفها، هو التهديد الأكبر لبكين، التي تفضل الحذر والحفاظ على نظام دولي قابل للتنبؤ يضمن استمرار صعودها.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يحصل على الولايات المتحدة التي كثيراً ما أرادها، فمنذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للبيت الأبيض في عام 2025، أصبحت واشنطن أقل ثقة في دورها العالمي، وأقل التزاماً بالنظام الدولي القائم على القواعد الذي كثيراً ما تبنته، وأكثر ميلاً إلى استخدام قوتها بطرق تربك الأسواق والمؤسسات وحلفاءها على حد سواء، وباتت الهيبة الأميركية وصدقيتها على الساحة الدولية تتآكلان تدريجاً.

من منظور معين، يبدو هذا التحول بمثابة مكسب لبكين، فواشنطن الأضعف والأقل تمسكاً بالمبادئ تصبح أقل قدرة على استقطاب الآخرين حول قيادتها. وتقدم نموذجاً أقل جاذبية، وأصبحت أقل قدرة على تنظيم التحالفات وأكثر ميلاً إلى تنفير الشركاء الذين تحتاج إليهم لموازنة قوة الصين. على مدى عقود، أراد القادة الصينيون أن تكون الولايات المتحدة قوية بما يكفي للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي ومنع الانهيار الشامل، ولكن من دون أن تكون قادرة على تشكيل النظام الدولي بطرق تقيد صعود الصين. واليوم، أصبح شي أقرب إلى تحقيق هذه النتيجة من أي إمبراطور أو زعيم حزبي خلال القرنين الماضيين.

مع ذلك، لا يعد هذا انتصاراً واضحاً للصين، فشي جينبينغ لا يسعى إلى إضعاف الولايات المتحدة فحسب، بل يريدها أن تظل قادرة على المساعدة في الحفاظ على نظام عالمي مستقر. ومن السهل أن يسيء المحللون في واشنطن فهم هذا الفارق، إذ غالباً ما يفترضون أن المنافسة الجيوسياسية تشبه لوحة نتائج: إذا خسرت الولايات المتحدة، فلا بد من أن تفوز الصين، والعكس صحيح، لكن بكين لا تفسر كل انتكاسة أميركية على أنها مكسب صيني، ولا يفترض قادتها أن كل فرصة جيوسياسية يجب استغلالها.

في غالب الأحيان، ينتظرون ويراقبون ويحسبون خطواتهم التالية. فلا يقتصر تساؤلهم على ما إذا كانت الولايات المتحدة قد ضعفت، بل يتعداه إلى ما إذا كانت البيئة المحيطة أصبحت أكثر استقراراً أم أكثر فوضى. وتهتم بكين في ما إذا كان تدفق التجارة مستمراً، وما إذا كانت الطاقة تصل في الوقت المحدد، وما إذا كانت الأزمات العالمية تظل محدودة بدلاً من أن تتفاقم. بالنسبة إلى الصين، الاستقرار ليس مجرد خيار ثانوي، بل هو شرط أساس لمواصلة تعزيز قوتها الوطنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي تصاعدت إلى صراع إقليمي واسع، تمثل الاختبار الأكثر أهمية حتى الآن لنهج الصين القائم على ضبط النفس الاستراتيجي. وخلافاً لحرب روسيا في أوكرانيا، فإن الحرب في إيران تهدد المصالح الاستراتيجية الأساسية للصين، ليس بسبب اعتمادها الشديد على موارد الشرق الأوسط من الهيدروكربونات [الطاقة]، بل لأن سياسات واشنطن المتقلبة تزعزع استقرار النظام العالمي الذي تعتمد عليه بكين.

ولا يكمن الخطر بالنسبة إلى الصين في الشح الفوري في الموارد، بل في الفوضى. فالولايات المتحدة الأضعف يمكن التعامل معها، أما الولايات المتحدة التي لا يمكن توقع خطواتها، والعنيفة، وغير المقيدة بالنظام الذي كانت تناصره في السابق، فهي أكثر خطورة بكثير. إن الولايات المتحدة الآخذة في التراجع قد تخلق فرصاً، لكن أميركا المتقلبة تدمر الظروف التي تسمح بتحقق هذه الفرص. وما تخشاه بكين ليس فقدان واشنطن لقوتها، بل استخدامها لما تبقى من هذه القوة بطرق تجعل العالم أكثر صعوبة في التعامل معه. وفي مواجهة واشنطن تتزايد اندفاعاً وتهوراً، ستتصرف القيادة الصينية بحذر، وتحمي نقاط ضعفها، وتتجنب تحمل مسؤوليات عالمية ليست مؤهلة بصورة كافية للاضطلاع بها.

جاءت استجابة الصين المتحفظة تجاه الحرب في إيران - من خلال الانخراط الدبلوماسي، والدعوات إلى وقف إطلاق النار، والابتعاد من أي تورط عسكري مباشر - لا تعبيراً عن اللامبالاة ولا سعياً إلى اقتناص مكاسب ظرفية، بل تعكس جهداً مدروساً لإدارة الأخطار النظامية، والحفاظ على الظروف الخارجية الضرورية لاستمرار تدفق التجارة ورأس المال، وصون الأسس التي يقوم عليها صعود الصين على المدى الطويل. ولذلك، فإن التحدي الذي يواجه الصين لا يقتصر على الصعود ضمن النظام العالمي، بل يشمل أيضاً الصمود في ظل تفككه. وفي عالم يتشكل على نحو متزايد بفعل الاضطراب بدلاً من التخطيط، قد لا يكون التهديد الأكبر لطموحات الصين هو قوة الولايات المتحدة، بل عدم استقرارها.

بين العوالم

منذ أن أعادت الصين انفتاحها على بقية العالم عام 1979، راكمت ثروة ونفوذاً ضمن نظام دولي بنته الولايات المتحدة وحافظت عليه. لقد استفادت بكين من هذا النظام، وضغطت عليه [تحدت قيوده]، وبنت ترتيبات بديلة موازية له. لكنها ظلت تعتمد على الشروط الأساسية التي وفرها: ممرات بحرية مفتوحة، وأسواق متوسعة، والقدرة على الاقتراض والتجارة بالدولار، ومؤسسات متعددة الأطراف قوية بما يكفي لامتصاص الصدمات الجيوسياسية قبل أن تتحول إلى أزمات نظامية.

ليس كل ما يضعف الولايات المتحدة يقوي الصين

وهذا الاعتماد عميق الجذور، فبينما دفع شي جينبينغ الاقتصاد نحو مزيد من الاكتفاء الذاتي باسم الأمن، واجهت الصناعة الصينية انخفاضاً في الأرباح وتزايداً في فائض الطاقة الإنتاجية، وهما مؤشران على الضغط الذي ينطوي عليه هذا التحول. وللتعويض عن ذلك، طورت بكين مجموعة أدوات اقتصادية متقدمة بصورة متزايدة تستخدم كوسيلة نفوذ، مستفيدة من الوصول إلى سوقها المحلية، وهيمنتها على سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة، والقروض واتفاقات الاستثمار، وأدوات الإكراه مثل ضوابط التصدير والعقوبات. لكن هذه الأدوات مبنية على افتراض أساس، وهو أن النظام الدولي يبقى مستقراً وقابلاً للتنبؤ ومحكوماً بالقواعد، لا بالقوة المجردة.

والآن، بات هذا الافتراض موضع شك، فالتحركات العسكرية الأخيرة لواشنطن في فنزويلا وإيران، التي نفذت من دون أدنى اعتبار للعواقب الاقتصادية أو القانون الدولي، تؤكد حقيقة لا يمكن للاستراتيجيين الصينيين تجاهلها: النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، الذي تعلموا كيفية التعامل معه واستغلاله، بدأ يتداعى، وإعادة التشكيل الجارية قد لا تخدم مصالح بكين. فالقادة الصينيون ينظرون إلى الولايات المتحدة كقوة في حالة تراجع، لكنها أصبحت أكثر خطورة، وليس أقل. وهم يدركون أنه مع تآكل نفوذ واشنطن الاقتصادي والدبلوماسي، قد تلجأ بصورة متزايدة إلى الشكل الوحيد من القوة الذي لا تزال تملكه بوفرة، وهو القوة العسكرية.

ومن منظور بكين، تبدو تدخلات إدارة ترمب في فنزويلا وإيران أقل شبهاً بإدارة إمبراطورية واثقة، وأقرب إلى تخبط إمبراطورية في مراحلها الأخيرة، تسعى إلى استغلال ما تبقى لها من تفوق عسكري ما دام ذلك ممكناً. إن الولايات المتحدة الأكثر تقلباً والأقل ضبطاً للنفس لا تمنح الطمأنينة للنخب الصينية، التي تدرك أخطار دولة مهيمنة لم تعد واثقة من نظامها، لكنها لا تزال تمتلك قدرة تدميرية لا مثيل لها.

لو كانت القوة الأميركية تتراجع ببساطة، ربما كانت الصين لتميل إلى التحرك بسرعة لاقتناص اللحظة وترسيخ موقعها، لكن إذا اتخذ التراجع الأميركي صورة تصعيد في الإكراه الاقتصادي، وانهيار قواعد التجارة العالمية ومؤسساتها، والعدوان العسكري، فقد تجد بكين نفسها بدلاً من ذلك في موقع الدفاع، في الأقل ظاهرياً على المستوى الخطابي، عن عناصر النظام القائم، في مواجهة السلوك المزعزع للاستقرار الذي تنتهجه الولايات المتحدة. بالنسبة إلى القيادة الصينية، لا تكمن المشكلة في اختفاء الولايات المتحدة كقائد للنظام العالمي، بل في أنها قد تظل قوية بما يكفي للجنوح إلى العنف، بينما تصبح أقل وضوحاً وقابلية للتنبؤ في طريقة استخدامها لتلك القوة.

لا رابحين

تجسد الحرب في إيران هذه الديناميكية بوضوح صارخ، فبالنسبة إلى كثيرين في واشنطن، يبدو أن مغامرة عسكرية أميركية جديدة في الشرق الأوسط تمثل هدية استراتيجية للصين. فوفق هذا المنطق، إذا انشغلت الولايات المتحدة في صراع إقليمي آخر، فإن ذلك يمنح الصين حرية أكبر للتحرك في آسيا، لكن القيادة الصينية لا تنظر إلى الأزمة على أنها لعبة محصلتها صفر، أي حيث يفوز طرف مقدار ما يخسره طرف آخر. فشرق أوسط أكثر اضطراباً لا يتحول ببساطة إلى مكسب صيني، ولن ينجو أي من واشنطن أو بكين من التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية لهذه الحرب من دون أضرار.

بالنسبة إلى الصين، فإن إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية ليس مصدر قلق نظري، بل تهديد ملموس. فالصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، إذ يأتي نحو 70 في المئة من إمداداتها من الخارج، ويمر ثلثها تقريباً عبر هذا المضيق. وعلى رغم تعرضها للأخطار بسبب اعتمادها الكبير على مصادر خارجية، تبقى الصين محمية نسبياً على المدى القصير. ففي الأسابيع التي تلت بدء الحرب، ارتفعت أسعار البنزين في الصين بنحو 10 في المئة، مقارنة بنحو 25 في المئة في الولايات المتحدة. ولا تزال صادرات النفط الإيراني إلى الصين تمر عبر المضيق، كما تحتفظ بكين بأكبر احتياط نفطي استراتيجي في العالم، يكفي لأشهر عدة من الطلب المحلي.

لكن حرباً طويلة الأمد تلحق أضراراً بالبنية التحتية للنفط والغاز في إيران ودول الخليج المجاورة ستشكل أخطاراً جسيمة، إذ تهدد أمن الطاقة في الصين وقد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد. فالاقتصاد الصيني القائم على التصدير يعتمد على سلاسة عمل التجارة العالمية. وتمثل الصادرات نحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وينقل معظمها بحراً. ومن شأن تأخيرات الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، واضطرار السفن إلى تغيير مساراتها بعيداً من المعابر المائية الحيوية، أن ترفع تكاليف المصدرين. وفي الوقت نفسه، ستؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى كبح الطلب العالمي، مما يقلل المبيعات الخارجية ويترجم سريعاً إلى ضغوط اقتصادية داخلية، وكل ذلك لا يخدم مصالح بكين.

وفي الواقع، لا تقتصر أهمية هذه الأخطار على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب الجيوسياسي أيضاً. فسعي الصين إلى الاستقلال الاستراتيجي لا يزال يعتمد على نظام عالمي مفتوح ويمكن التنبؤ به، وبالنسبة إلى بكين لا يعني الاستقلال الاستراتيجي الاكتفاء الذاتي، بل القدرة على العمل ضمن هذا النظام بشروط مواتية من خلال التراكم المطرد للقوة الاقتصادية. لقد استعدت الصين لعالم أكثر اضطراباً، لكن الاستعداد لا يعني أنها تفضل ذلك. إن سعيها نحو الاعتماد على الذات يهدف إلى تقليل نقاط الضعف، وليس إلى جعلها رابحاً نسبياً في عالم غير مستقر.

وقد بدأت المخاوف في شأن تزايد عدم الاستقرار تظهر بالفعل في التخطيط الاقتصادي الصيني، ففي خطتها الخمسية الأخيرة، خفضت بكين هدف النمو إلى ما بين 4.5 في المئة و5 في المئة، وهو أدنى مستوى له منذ عقود، في اعتراف بأن البيئة العالمية التي دعمت صعودها في السابق أصبحت أقل استقراراً وموثوقية. ولم يعد ينظر إلى تباطؤ النمو على أنه انحراف دوري موقت، بل كقيد هيكلي ناتج من ضغوط ديموغرافية، وتوترات تجارية خارجية، وتزايد حالة عدم اليقين.

التحدي الذي يواجه الصين لا يقتصر على الصعود ضمن النظام العالمي بل الصمود في ظل تفككه

في الوقت نفسه، تعطي بكين أولوية لما تسميه "قوى إنتاجية نوعية جديدة"، وهي تقنيات متقدمة تهدف إلى الحفاظ على النمو مع تباطؤ قطاعات مثل العقارات. وهذا التحول يجعل عدم الاستقرار الخارجي أكثر خطورة على الصين، فالصناعات التحويلية المتقدمة تتطلب كثافة في رأس المال وتعتمد اعتماداً كبيراً على مدخلات مستقرة مثل الطاقة، والمعادن الحيوية، والمعدات الدقيقة، وشبكات المعرفة الموزعة عالمياً. وأي اضطراب في هذه العناصر يرفع التكاليف، ويؤخر الإنتاج، ويضخم الأخطار المالية. وفي بيئة جيوسياسية أكثر تقلباً، تصبح القطاعات التي يفترض أن تضمن قدرة الصين التنافسية الطويلة الأمد، أكثر عرضة للصدمات النظامية.

لهذا السبب تفضل بكين استعادة الاستقرار بدلاً من توسيع دورها في نظام أكثر اضطراباً، فهي تريد الوصول إلى الطاقة والأسواق والنفوذ في الشرق الأوسط، لا إلى تحمل أعباء تحقيق الاستقرار الإقليمي أو تحقيق التوازن بين القوى المتنافسة. وبغض النظر عن مدة استمرار الحرب في إيران، فمن غير المرجح أن ترافق الصين السفن عبر مضيق هرمز، أو تمارس ضغوطاً على طهران، أو تحاول أن تحل محل واشنطن كشرطي المنطقة. وهذا لا يظهر لامبالاة، بل حذراً. إذ يظل القادة الصينيون شديدي الحذر من التورط الخارجي، لا سيما في الشرق الأوسط، حيث تمتلك القوى الكبرى سجلاً طويلاً من استنزاف هيبتها ومواردها في صراعات تحقق مكاسب استراتيجية محدودة.

وتطبق القيادة الصينية الحسابات العقلانية والمجردة نفسها على تايوان، فقد يخلق انشغال الولايات المتحدة بالفعل فرصة عسكرية أو سياسية. وتدرك بكين تماماً متى تكون واشنطن مشتتة عبر ساحات عدة، لكن مرة أخرى، يفترض المحللون الأميركيون غالباً أن مجرد وجود فرصة سيدفع الصين إلى التحرك. إلا أن حسابات بكين أكثر تعقيداً، فالقادة الصينيون لا يتساءلون فقط عما إذا كانت الولايات المتحدة مشتتة، بل أيضاً عن طبيعة الولايات المتحدة التي سيواجهونها في حال اندلاع مواجهة محتدمة حول الجزيرة.

والإجابة عن هذا السؤال مقلقة، فالولايات المتحدة الأقل استقراراً، والأكثر عسكرة، والمعتمدة بصورة متزايدة على القوة بوصفها ميزتها النسبية الأوضح، قد تكون أكثر خطورة في أزمة تايوان، لا أقل. فإذا اعتقدت بكين أن واشنطن تتصرف وكأنها إمبراطورية في مراحلها الأخيرة، أي أن شرعيتها وثقتها تتراجعان لكنها لا تزال متفوقة في القوة العسكرية وتتوق لاستخدامها، فإن استفزاز مواجهة يصبح أكثر خطورة بكثير.

علاوة على ذلك، يدرك القادة الصينيون أن غزو تايوان أو فرض حصار عليها لن يحدث بمعزل عن العوامل الأخرى. بل سيعطل التجارة، ويزعزع استقرار الأسواق المالية، ويشكل ضغطاً على الشحن العالمي، ويهدد العلاقات مع أسواق التصدير الرئيسة، وخصوصاً أوروبا واليابان. بالنسبة إلى بكين، يعد هذا مزيجاً غير مرغوب فيه على الإطلاق.

القصر المتداعي

من المؤكد أن بكين تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي في آسيا، وإضعاف التحالفات الأميركية، وابتلاع تايوان، وبناء عالم أقل عرضة للضغط الأميركي. لكن الوسائل التي تفضلها الصين تظل تدريجية وغير متماثلة: سياسات صناعية، واستخدام الوصول إلى السوق كأداة ضغط، وعمليات تأثير سياسي، وتكتيكات "المنطقة الرمادية" مثل التوسع البحري والتجسس السيبراني، إضافة إلى البناء التدريجي لنظام مالي مواز يتجاوز الدولار. وتسعى بكين إلى تعزيز مكاسبها ونفوذها تدريجاً، من دون التسبب في انهيار النظام.

ولا تزال لدى شي جينبيغ أسباب تدفعه إلى الحفاظ على علاقة تعمل بصورة إيجابية مع ترمب، فالصين تستفيد من علاقة محدودة مع الولايات المتحدة تتمحور حول تجارة قابلة للتنبؤ ومربحة. أما الولايات المتحدة المتقلبة، التي تتأرجح بين الحمائية والمغامرات العسكرية والارتجال الاستراتيجي، فلا تمثل مكسباً للصين، إذ إن بكين تريد منافسة ضمن شروط يمكن فهمها.

وبالنسبة إلى شي، فإن الاجتماع المرتقب مع ترمب في بكين يمثل فرصة سياسية، إذ يفضل المسؤولون الصينيون ممارسة النفوذ السياسي بطريقة تظهر أن التحركات الصينية منضبطة ومدروسة بدلاً من اللجوء إلى الصراع العسكري أو تعطيل التجارة. وعلى رغم عدم إعلان جدول أعمال رسمي، يتوقع المراقبون أن يمدد هذا اللقاء هدنة الحرب التجارية، وربما يطلق تقارباً أوسع بين بكين وواشنطن. إلا أن الحرب في إيران أجبرت ترمب على تأجيل الاجتماع المرتقب، الذي كان من المقرر عقده في أواخر مارس (آذار) الماضي. وما دام طال أمد الحرب، أصبح من الأصعب على بكين تحقيق الاستقرار في علاقاتها مع واشنطن وتحديد شروط المنافسة المستقبلية.

وفي انتظار ما ستفعله واشنطن، ستواصل بكين توخي الحذر، فعلى رغم التحولات الجذرية في السياسة الخارجية الأميركية في عهد إدارة ترمب، يظل الهدف العام للقيادة الصينية من دون تغيير: موازنة الأخطار قصيرة الأجل، بما في ذلك صدمات الطاقة واضطرابات التجارة وتقلبات السوق، مع هدفها طويل الأمد المتمثل في الاستقلال الاستراتيجي وعلاقات مستقرة مع واشنطن. وتظهر هذه الحسابات جانباً جوهرياً من رؤية الصين للعالم، إذ تنظر بكين إلى علاقاتها الدولية من منظور تجاري أكثر منه أيديولوجي، فهي لا تقسم العالم إلى أصدقاء وأعداء بقدر ما تقسمه إلى زبائن وموردين. ولا يعني هذا أن الصين أقل تخطيطاً أو بصيرة، وإنما يجعل استراتيجيتها ذات طابع مادي وحسابي، ترتكز على صفقات ومصالح ملموسة، وتركز على استدامة إيقاع النشاط الاقتصادي بدلاً من الانخراط في مشروع "حضاري" قد يقود إلى صدامات وأثمان باهظة.

وهكذا، فإن المفارقة الكبرى هي أن شي جينبينغ حصل على ما كان يرغب فيه بشدة (ولايات متحدة أقل موثوقية، وأقل ثقة، وأقل قدرة) وفي الوقت نفسه على ما كان يخشاه بشدة أيضاً: نظام دولي أكثر اضطراباً وتقلباً. وقد تثبت الولايات المتحدة الآخذة في التراجع أنها أخطر من الولايات المتحدة القوية: قوة عظمى غير مستقرة تميل بصورة متزايدة إلى استخدام القوة ما دام أنها لا تزال قادرة على ذلك. ويدرك القادة الصينيون ما يغفله كثير من صناع القرار الأميركيين: ليس كل ما يضعف الولايات المتحدة يقوي الصين. فإخفاقات إدارة ترمب لا تمنح الصين الأفضلية، بقدر ما تزعزع النظام الذي لا تزال كلتا القوتين تعتمدان عليه.

هناك مثل صيني قديم يصف أوقات الاضطراب: حتى أقوى الأخشاب لا يمكنها أن تسند قصراً متداعياً. في بكين، يهرع المسؤولون إلى تدعيم هيكل النظام العالمي، أما في واشنطن، فيهدمون الجدران من أجل إضافة قاعة احتفالات جديدة.

 

زونغيان زوي لو هي زميلة بارزة في كرسي موريس غرينبرغ لدراسات الصين في مجلس العلاقات الخارجية وباحثة بارزة في معهد السياسة العالمية بكلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا، وهي مؤلفة كتاب "الصناديق السيادية: كيف يمول الحزب الشيوعي الصيني طموحاته العالمية".

مترجم عن "فورين أفيرز"، 30 مارس (آذار) 2026

اقرأ المزيد

المزيد من آراء