Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شرق أوسط جديد... صنعته اسرائيل

نهج تل أبيب الساعي إلى تغيير الوضع القائم وعدوانيتها المتزايدة يسرعان من وتيرة التسلح وتنويع إستراتيجيات الدفاع في أنحاء المنطقة

 الهرب من التقدم الإسرائيلي في شمال غزة، سبتمبر 2025 (رويترز)

ملخص

تسببت السياسات الإسرائيلية العدوانية في غزة والمنطقة في انهيار مسار التطبيع وعزل إسرائيل إقليمياً، بعدما تحولت من شريك محتمل إلى مصدر تهديد مشترك للدول العربية. وبينما تتجه قوى الشرق الأوسط إلى تنويع تحالفاتها الدفاعية بعيداً من واشنطن وتل أبيب، تجد الولايات المتحدة نفسها مطالَبة بإعادة صياغة استراتيجيتها إن أرادت الحفاظ على نفوذها والنظام الإقليمي الذي صاغته.

تزداد قناعة دول الشرق الأوسط بأن إسرائيل أصبحت تشكل تهديداً مشتركاً جديداً لها، فحرب إسرائيل في غزة وسياساتها العسكرية التوسعية، ونهجها الساعي إلى تغيير الوضع القائم، تعيد تشكيل المنطقة بطرق لم يتوقعها كثيرون، كما أن ضرباتها في سبتمبر (أيلول) على قادة "حماس" السياسيين في قطر، وهي الدولة السابعة التي تستهدفها إسرائيل منذ هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إضافة إلى الأراضي الفلسطينية، هزت دولاً عربية وأثارت شكوكاً حول صدقية المظلة الأمنية الأميركية.

خلال العامين الماضيين تباهى القادة الإسرائيليون بتصفية قيادة "حزب الله" في لبنان، وبضرباتهم المتكررة لأهداف في اليمن، وبهجماتهم القاسية على إيران، لكن هذه الأفعال وبدلاً من أن تعزز القوة الإسرائيلية أو تحسن علاقاتها مع الدول العربية التي كانت تنظر منذ زمن بعين الريبة إلى إيران ووكلائها، بدأت تأتي بنتائج عكسية، فالدول التي كانت تعتبر إسرائيل شريكاً محتملاً، باتت الآن تنظر إليها كقوة خطرة يصعب التنبؤ بتصرفاتها.

هذا الأسبوع أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "خطة سلام" جديدة مؤلفة من 20 بنداً، واحتفيا بها باعتبارها إنجازاً كبيراً وسبيلاً لإعادة الاستقرار إلى المنطقة، لكن فرص نجاح هذه الخطة تبدو ضئيلة ما دامت إسرائيل تواصل سلوكها العدواني وتتجاهل المطالب والمخاوف المشروعة للفلسطينيين.

وعلى رغم أن عدداً من قادة المنطقة رحبوا بهذا الإعلان، فإن هذه الخطة تبدو غير قادرة على إصلاح الأضرار التي خلفتها حرب العامين الماضيين، فقبل هجمات أكتوبر 2023 كانت إسرائيل، بدعم أميركي قوي، تطمح إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها، مقدمة نفسها كشريك للحكومات العربية، ومهمشة خصومها وعلى رأسهم إيران، أما الآن فقد وجدت نفسها معزولة وجعلت الدول العربية تتردد في تحمل الكلفة السياسية والمعنوية للتعاون معها، وحولت شركاءها السابقين إلى خصوم حذرين.

في الواقع بدأت دول عدة في المنطقة تواجه العدوان الإسرائيلي بتوسيع شراكاتها الأمنية والاستثمار في قدراتها الذاتية والابتعاد من مسار السلام مع إسرائيل، ومن المرجح أن مجموعة من المشاريع التي كانت تهدف إلى ربط إسرائيل بصورة أوثق بدول عربية، بمساعدة الولايات المتحدة بشكل رئيس، وبدعم من الهند وأوروبا، ستتعثر وتتلاشى، وهذا خبر سيئ ليس لإسرائيل وحسب، بل أيضاً للولايات المتحدة، فالدعم الأميركي غير المحدود لتل أبيب يقوض مكانة واشنطن في المنطقة، وبعدما كان التهديد الإيراني يوحد دول المنطقة إلى الالتزام بالخط الأميركي، باتت خشية إسرائيل المتحفزة والعدوانية تدفع تلك الدول الآن بعيداً من الولايات المتحدة.

على الولايات المتحدة أن تستفيق إلى التحولات الجارية في الشرق الأوسط، فالإطار المقترح حديثاً لن يكون كافياً بمفرده لإصلاح العلاقات المتصدعة بين إسرائيل والمنطقة الأوسع، وإذا لم تقدِم واشنطن على كبح إسرائيل وتسعى إلى حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية فإنها تخاطر بإضعاف علاقاتها مع شركائها الإقليميين وفقدان نفوذها في النظام الإقليمي الناشئ، كما أن تجاهل القضية الفلسطينية والسماح لإسرائيل بمواصلة سلوكها العدواني من دون محاسبة سيغذي موجة جديدة من التطرف، تهدد المصالح الأميركية والاستقرار الإقليمي والأمن العالمي.

كيف تخسر الأصدقاء؟

على مدى أكثر من عقدين تمكنت إسرائيل من إقامة تحالفات ومصالح مشتركة مع عدد من الدول العربية، وكانت مصر أول دولة عربية تطبع علاقاتها مع إسرائيل بموجب "اتفاقات كامب ديفيد" عام 1978، وقد صمد السلام بين البلدين لما يقارب أربعة عقود على رغم أن العلاقات والتبادلات على المستويات المجتمعية الأعمق لم تتطور فعلياً، وحتى وقت قريب كانت مصر تعتبر تركيا خصمها الرئيس في شرق البحر المتوسط، وقد تدهورت العلاقات بين البلدين بصورة حادة عام 2013 بعد الإطاحة بمحمد مرسي، أول رئيس من التيار الإسلامي منتخب في مصر، إذ دعمت تركيا مرسي بقوة وعارضت الانقلاب الذي أوصل الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الحكم، ونتيجة لذلك أبرمت مصر اتفاقات ثنائية مع إسرائيل وتعاون معها ضمن منتدى غاز شرق المتوسط، وهي منظمة إقليمية تنسق جهود تطوير الطاقة وتشجع على التنقيب المشترك عن احتياطات الغاز البحرية، وكانت تلك التحركات تهدف أيضاً بصورة غير مباشرة إلى مواجهة الطموحات التركية في البحر المتوسط، وإضافة إلى التعاون في مجال الطاقة عززت مصر تنسيقها الأمني مع إسرائيل في شبه جزيرة سيناء، إذ سمحت للطيران الإسرائيلي بتنفيذ ضربات ضد الجماعات المسلحة هناك، وساعدت في ضبط الحدود مع قطاع غزة.

لكن كل ذلك تغير بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، إذ اضطرت الحملات الإسرائيلية القاهرة إلى اتخاذ موقف مختلف، ففي سبتمبر الماضي وصف السيسي إسرائيل بـ "العدو"، في تحول لافت للخطاب المصري بعد عقود من الحذر الدبلوماسي الذي اتبعه رجال الدولة المصريون، كما اتخذ خطوة رمزية بخفض مستوى التعاون الأمني مع تل أبيب، وفي تطور لافت آخر أجرت مصر وتركيا، الخصمان السابقان، مناورة بحرية مشتركة في شرق البحر المتوسط بهدف تعميق تعاونهما الدفاعي.

قبل اندلاع الحرب الحالية كانت بعض الدول العربية قد بدأت تميل بحذر إلى التنسيق مع إسرائيل لاعتبارها أن إيران تشكل التهديد الأكبر لأمنها. فإيران، من خلال أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، بما في ذلك رعايتها لجماعات مسلحة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وسعيها إلى امتلاك قدرات نووية، جعلت التعاون بين دول عربية وإسرائيل خياراً عملياً، وقد عزز صعود الإسلام السياسي والانتفاضات العربية عام 2011 هذا التقارب، فخشي زعماء عرب وإسرائيل على حد سواء من أن تؤدي تلك الحركات إلى إسقاط الأنظمة وإعادة تشكيل المنطقة وتقييد الدور الإقليمي لإسرائيل. وفي هذا السياق وُقعت "اتفاقات أبراهام" عام 2020 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية بوساطة أميركية، وكان هدفها الرئيس احتواء إيران وحماية الأنظمة من أية تحولات داخلية أو إقليمية محتملة.

حولت إسرائيل شركاءها السابقين إلى أعداء متوجسين

 

أما اليوم فقد بدأ منطق التطبيع في التراجع والانهيار، فعقيدة الدفاع الأمامي الجديدة لإسرائيل، والتي تتيح لها انتهاك سيادة الدول الأخرى متى شاءت ودون رادع، جعلت معظم دول المنطقة تشعر بانعدام الأمان. فالحرب المدمرة في غزة وتوسع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية (الذي يبرر غالباً بخطاب ديني)، والموقف الإسرائيلي المتصلب في لبنان، والضربات المتكررة في سوريا وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، كلها جعلت من الحفاظ على علاقات رسمية مع إسرائيل عبئاً سياسياً وإستراتيجياً على الحكومات العربية، وفي الواقع أثارت الإجراءات الإسرائيلية غضباً عارماً في مختلف أنحاء العالم العربي إلى درجة أن أي شكل من أشكال التقارب العلني مع إسرائيل أصبح ينظر إليه كتهديد مباشر لشرعية الأنظمة وأمنها، ووفقاً لتحليل أجرته شبكة "الباروميتر العربي" البحثية، استناداً إلى استطلاعات حديثة، يظل الدعم الشعبي للتطبيع مع إسرائيل منخفضاً للغاية في أنحاء المنطقة، إذ لم تتجاوز نسبته 13 في المئة في أية دولة، بينما تراجع في المغرب من 31 في المئة عام 2022 إلى 13 في المئة فقط عام 2023 عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023.

أما التحول التركي فكان لافتاً أيضاً، فعلى مدى أعوام كانت أنقرة تدين إسرائيل بسبب معاملتها للفلسطينيين لكنها لم تكن تعتبرها خصماً أمنياً مباشراً، ومن جهتها تجنبت إسرائيل استفزاز تركيا في القضايا الجيوسياسية أو الأمنية، وخلال المواجهة بين اليونان وتركيا في شرق المتوسط عام 2020، اتخذت إسرائيل موقفاً أقل تصعيداً تجاه أنقرة مقارنة بمصر وعدد من الدول الأوروبية. وفي حرب عام 2023 بين أذربيجان وأرمينيا، دعمت كل من إسرائيل وتركيا أذربيجان وقدمتا معدات عسكرية لجيشها، وكذلك زار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ رسمياً أنقرة عام 2022، وقبل بضعة أسابيع وحسب من أحداث السابع من أكتوبر 2023، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث ناقشا إمكانات التعاون في مجال الطاقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

لكن حرب غزة عمقت الفجوة بين البلدين أكثر من أي وقت مضى، فقد أوقفت تركيا تجارتها مع إسرائيل وأغلقت مجالها الجوي أمامها، في خطوة عقابية على حملتها العسكرية في غزة. كما أثارت التحركات الإسرائيلية في سوريا قلقاً بالغاً في أنقرة، إذ تشترك تركيا مع سوريا في أطول حدود برية، وقد تدفق ملايين اللاجئين إلى أراضيها منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية قبل أكثر من عقد، وترغب أنقرة في قيام جار مستقر ونظام مركزي في دمشق، بينما تدعم إسرائيل الأقليات في جنوب سوريا وتتقدم داخل أراضيها، مما يقوض الحكومة الجديدة ويغذي الانقسام وعدم الاستقرار، ومع تحول سوريا إلى ساحة رئيسة للتنافس الجيوسياسي، باتت تركيا تنظر اليوم إلى إسرائيل بوصفها تهديداً رئيساً لأمنها القومي.

البحث عن بدائل

إن النهج الإسرائيلي الساعي إلى تغيير الوضع القائم وعدوانيتها المتزايدة يسرعان أيضاً من وتيرة التسلح وتنويع إستراتيجيات الدفاع في أنحاء المنطقة، فالدول تستخلص الدروس من عامين من الصراع، ومنها ضعف أداء الأسلحة الروسية في المواجهة بين إيران وإسرائيل، فضلاً عن القيود السياسية والأمنية التي يفرضها الاعتماد على أنظمة التسلح الأميركية، ولذلك تتجه الحكومات إلى التحوط عبر الاستثمار في قدراتها الدفاعية المحلية وتنويع مصادر التسلح، فقد وسعت السعودية تعاونها مع الصين في مجالي الصواريخ والطائرات المسيرة، وسعت إلى تعميق توطين صناعاتها الدفاعية، ووقعت أخيراً اتفاق تعاون دفاعي مع باكستان، في إشارة إلى رغبتها في إقامة شراكات أمنية بديلة وبناء علاقات مع قوة إسلامية خارج المنظومة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة. أما الإمارات العربية المتحدة فقد اشترت مقاتلات فرنسية ودخلت في شراكة مع كوريا الجنوبية في مجال الدفاع الصاروخي والطاقة النووية، مما عزز قدراتها التكنولوجية وقلص اعتمادها على الولايات المتحدة. وحصلت كل من قطر والكويت على طائرات "يوروفايتر تايفون" من المملكة المتحدة وإيطاليا على التوالي، وهو ما عمق اندماجهما في شبكات الأمن الأوروبية، كما تشتري دول عربية عدة طائرات تركية مسيرة منخفضة الكلفة، ومن جانبها كشفت تركيا في أغسطس (آب) الماضي عن نظام الدفاع الجوي المتكامل "القبة الفولاذية"، الذي يقارن بنظام "القبة الحديدية" الإسرائيلي المضاد للصواريخ، في دلالة على تحول عقائدي يظهر أن المخططين العسكريين الأتراك باتوا يعتبرون قدراتهم مقياساً يقارن مباشرة بقدرات إسرائيل.

هذا التوسع في شبكة الشراكات الدفاعية يضيق الهامش أمام إسرائيل، فالمبادرات الإقليمية مثل "اتفاقات أبراهام" والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وهو مشروع تدعمه الولايات المتحدة لتعزيز التجارة والربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، و"قمة النقب"، المنتدى الأمني الإقليمي الذي جمع إسرائيل مع شركاء عرب وغربيين، وتحالف I2U2 الذي يضم الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة للتعاون في مجالي التكنولوجيا والاقتصاد، صممت جميعها لبناء نظام جديد يقوم على التعاون العربي - الإسرائيلي تحت إشراف أميركي، وكان الهدف من هذه المبادرات ربط الدول العربية بإسرائيل واستبعاد تركيا واحتواء إيران، وقد افترض المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون أن التطبيع وقبول إسرائيل المتزايد في المنطقة أمر حتمي، لكن تلك الرؤية تتداعى اليوم، إذ جعلت السياسات الإسرائيلية موضوع التطبيع نفسه محظوراً سياسياً، وحولته إلى عبء داخلي وإستراتيجي يهدد القادة والحكومات العربية.

إن المنطق الذي قام عليه مبدأ التطبيع مع إسرائيل بدأ في الانهيار

 

لقد أكد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة هذه الديناميكيات بوضوح، فدولة قطر تعد وسيطاً بين إسرائيل وحركة "حماس"، كما أنها حليف وثيق لواشنطن وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، ولم يقوض هذا الهجوم مكانة الدولة المستهدفة وحسب، بل مس أيضاً هيبة الولايات المتحدة وصدقيتها، فقد استخلصت دول عربية عدة من تلك الحادثة أن إسرائيل دولة عدوانية يصعب التنبؤ بتصرفاتها، وأن الضمانات الأمنية الأميركية لم تعد موثوقة، ونتيجة لذلك يتجهون اليوم إلى تنويع علاقاتهم مع قوى دولية أخرى وتوسيع استثماراتهم في الصناعات الدفاعية المحلية.

ومن شأن هذه التطورات أن تخلق اصطفافات جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، فتركيا والسعودية، وهما من أبرز القوى الإقليمية، مرشحتان للتعاون بصورة أوثق خلال المرحلة المقبلة، وعلى رغم أن البلدين كانا خصمين في عدد من بؤر التوتر الإقليمية، بما في ذلك ليبيا، فإنهما اليوم يتقاسمان القلق من حال عدم الاستقرار الإقليمي ومن الدور المزعزع لإسرائيل، وقد يعملان معاً على تحقيق الاستقرار في سوريا وتنسيق الجهود داخل الأطر متعددة الأطراف للضغط من أجل إنهاء الحرب في غزة وكبح العدوان الإسرائيلي.

ولا شك في أن إيران لا تزال تمثل مصدر قلق رئيس، إذ إن شبكتها الإقليمية من الوكلاء أُضعفت لكنها لم تُستأصل بعد، ولهذا على السعودية وتركيا التحرك بحذر، فبالنسبة إلى السعودية يعني ذلك مواصلة سياسة الانفراج الحذر مع إيران والتي بدأت بوساطة صينية عام 2023، في محاولة للحد من أخطار التصعيد في اليمن، وبالنسبة إلى تركيا فيعني ذلك الموازنة الدقيقة بين التعاون والمنافسة في كل من العراق وسوريا ومنطقة جنوب القوقاز، وتسعى الرياض وأنقرة معاً إلى ضمان قدرتهما على مواجهة إيران من دون محاصرتها إستراتيجياً، إذ إن إيران المحاصرة قد تلجأ إلى تكثيف تكتيكاتها غير  التقليدية وتفتعل أزمات جديدة.

نظام موثوق

بالنسبة إلى الولايات المتحدة تتطلب هذه التطورات إعادة تقييم شاملة لإستراتيجيتها في الشرق الأوسط، فصناع القرار في واشنطن يغفلون حجم القلق العميق الذي أثارته تصرفات إسرائيل، وعليهم أن يدركوا الضرورة المتزايدة لتنويع الشراكات الأمنية في المنطقة، فاستمرار الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل يقوض نفوذ الولايات المتحدة ويعزز الانطباع بأنها تنظر إلى المنطقة من خلال عدسة المصالح الإسرائيلية وحدها، وقد بدأت النخب الإقليمية بالفعل باتباع سياسات تحوط من خلال توسيع علاقاتها مع الصين وأوروبا وروسيا وقوى أخرى، وسيتسارع هذا التوجه ما دامت واشنطن تواصل دعمها اللامحدود لإسرائيل وتتجاهل الأضرار الجانبية التي تصيب علاقاتها مع دول المنطقة الأخرى، ومن دون تصحيح المسار ستجد الولايات المتحدة نفسها متأخرة عن ركب التغيرات في منطقة باتت تعرف اليوم ليس بالتحدي الإيراني بل بالدور التخريبي والساعي إلى تغيير الوضع القائم الذي تمارسه إسرائيل، وإذا فشلت واشنطن في التكيف مع هذه الحقائق فستصبح شريكة في تقويض البنية الإستراتيجية ذاتها التي سعت على مدى أعوام إلى ترسيخها في الشرق الأوسط.

ونظراً إلى ما تتمتع به من ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، ستظل الولايات المتحدة بلا شك لاعباً محورياً في المنطقة خلال المستقبل المنظور، لكن للحفاظ على صدقيتها ونفوذها يتعين عليها إعادة ضبط نهجها من خلال معالجة مخاوف الدول العربية وتركيا بصورة مباشرة، والعمل على إرساء أطر أمنية تعاونية تعطي الأولوية لخفض التصعيد ومنع الصراعات وتعزيز التكامل الاقتصادي، وسيشكل ذلك تحولاً جذرياً عن نهجها الأخير الذي شجع على عسكرة المنطقة وسياسات المحاور.

وحري بواشنطن أن ترسخ سياستها على أساس دعم حل عادل للقضية الفلسطينية، ويجب أن تبدأ بإنهاء الحملة الإسرائيلية المدمرة على غزة [وقف اطلاق النار بدأ في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 2025] ومنع تهجير سكانها ووقف المجاعة المفتعلة هناك، والحيلولة دون ضم الضفة الغربية، إذ لا يمكن للولايات المتحدة أن تتجاهل معاناة الفلسطينيين والتغاضي عن النزعة الإسرائيلية الساعية إلى تغيير الوضع القائم، إذا كانت تريد حقاً إرساء نظام إقليمي فعال يتمتع بالصدقية.

 

غالب دالاي زميل استشاري بارز في "تشاتام هاوس" ومنسق برنامج تركيا المعاصرة في جامعة أكسفورد.

** سنام وكيل هي مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس".

*مترجم عن "فورين أفيرز"، 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء