ملخص
لعبة التوقع السياسي ليست بريئة كما يعتقد البعض، فإلى جانب المعضلة الأخلاقية التي جعلت توقع المصائب الإنسانية عملاً مربحاً ومشروعاً، فإن الاتهامات تطال السياسسيين والعسكرين أيضاً بعد تحركات مشبوهة متواترة تشكك في تورط بعض العالمين ببواطن الأمور في عالم المراهنات الافتراضي عن طريق تسريب معلومات سرية بهدف تحقيق أرباح طائلة وسريعة
مصطلح "أغنياء الحرب" سيئ السمعة يعود بشكل جديد على ما يبدو، فتجار الأزمة الذين يحققون ثرواتهم من بيع الأسلحة والمؤن مستغلين ضعف حركة التجارة والاحتياج الشديد لما لديهم فيضاعفون أسعاره، وكل دعائهم أن تستمر المحنة كي يراكموا الثروات، يظهرون بثوب مختلف، إذ بات الأمر سهلاً للغاية، ويتعلق بـ"التجارة في الاحتمالات"، وربما المعلومات السرية أيضاً التي ترتدي قناع التوقعات، هذه السوق التي نمت خلال الأشهر الأخيرة بمقدار خيالي، حيث تجاوز 250 مليار دولار وفقاً لأحدث التقارير، والتوقعات تشير إلى أن هذا الرقم مرشح للمضاعفة خلال وقت قصير.
المراهنات هنا يدخل فيها مجالات كثيرة أبرزها الرياضة، لكن وفقاً لتحليلات المختصين في "فايننشال تايمز" على سبيل المثال ومواقع التداول فإن السبب الأول وراء هذه القفزة يعود إلى الأزمات السياسية، لا سيما العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة أخيراً، مثل اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، وأخيراً شنها عملية عسكرية واسعة النطاق على إيران بمساندة إسرائيل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأمر أشبه بكازينو قمار سياسي افتراضي كبير، إذ يمكن المراهنة على كل شيء بدءاً من محتوى خطابات ترمب وصولاً إلى خطط الاغتيالات، والذهاب للمدى الذي يمكن أن يصل إليه القتل من جميع الأطراف، حيث وضعت على القائمة أسماء كثيرة، وتنافس المراهنون الذين يتعجلون الموت للجميع، نظراً إلى أن الدماء تتحوّل فوراً إلى مئات آلاف الدولارات، وربما ملايين في حساباتهم المرتبطة بتطبيقات المراهنات الأكثر شهرة في الولايات المتحدة الأميركية، التي دخلت في مرحلة تدقيق جديدة بعد سلسلة من الشبهات التي تتبعوها، معتقدين أن هناك تلاعباً ما يقف وراءه سياسيون مقربون من دائرة صنع القرار يتاجرون بمعلوماتهم لتحقيق أرباح هائلة بلا مجهود.
تشكيك في النزاهة
وعلى خلفية تحقيق عدد من المتداولين أموالاً طائلة بعد مراهناتهم على أحداث حساسة قبل وقوعها وبينها إطاحة رئيس فنزويلا على سبيل المثال، قامت ولاية كاليفورنيا بإصدار قرار يمنع مسؤولي الولاية من استخدام المعلومات الداخلية في مثل تلك الأسواق وفقاً لما جاء على موقع وكالة "رويترز".
ورغم أنه من ضمن اشتراطات تلك المواقع عدم السماح للسياسيين بالمقامرة من الأساس، فإن "فايننشال تايمز" تلمح إلى إمكانية استعمال من هم في مناصب لأسماء مستعارة، فيما أشار مراقبون إلى أن الأمر قد يحدث كذلك عن طريق تسريب تلك المعلومات للمعارف والمقربين واستخدامهم كغطاء.
وكان حديث المراهنين على مدار الأيام الماضية عن مستخدم (مجهول) تمكّن من تحقيق أرباح تجاوزت المليون دولار من رهانات مختلفة متعلقة بتحركات سياسية وعسكرية تخص الحرب الجارية على إيران حالياً، ووفقت التوقعات التي راهن عليها بالدقة مما شكك مسؤولي موقع "بولي ماركت" فيما يحدث، إذ تردد أن المستخدم يدير أكثر من 35 حساباً بينما يقوم بتحويل الأرباح لحساب مالي واحد فقط وغالبية توقعاته يصادف صحتها.
وعلى أثر ذلك تبدأ التطبيقات مزيداً من التدقيق، وعبر تصريحات مباشرة وبيانات رسمية قالت شركة "بولي ماركت"، التي لا تزال تعمل في الولايات المتحدة خارج إطار القانون بسبب تعقيدات إجرائية، إنها لن تتردد في اتخاذ إجراءات عقابية ضد استخدام المعلومات، كذلك شددت منصة "كالشي" على اتجاهها لرفع معاييرها، وقيامها بحظر الأشخاص الذين يثبت لجوؤهم للغش ولسرقة المعلومات لتحقيق مناخ أكثر نزاهة في بيئة المستخدمين العاديين، فآلية العمل سلسلة وتقليدية تتعلق بالمراهنة بمبلغ مالي على حدث ما مرتبط بتوقيت ما، وفي حال كان صائباً يحصل المستخدم على المال والعكس يضطر لدفع المبلغ الذي راهن به للمنصة، في حال خاب تنبؤه.
ورغم صحوة الشفافية التي يتحدث عنها مسؤولو تلك التطبيقات، لكن لا تزال هناك تحديات أمام ضبط هذا المجال، بخاصة أن كثيراً من التطبيقات مشفرة من الأساس مما يصعب من الوصول إليها لأشخاص حصريين، وكذلك اعتماد بعضها على العملات الرقمية مما يصعب من مهمة التتبع، إضافة إلى انتشار نمط شائع، وهو سهولة غلق الحساب فور تحقيق الغرض منه بتحقيق أرباح بعينها أو تنبؤات على الأغلب تستند إلى معلومات مسربة.
اللافت أن تقارير متعددة تتحدث عن تحقيقات في الاستخبارات الإسرائيلية بعد نجاح مراهنين في توقع تحركاتها العسكرية وخططها في الاغتيالات بشكل دقيق في توقيته، في المقابل هناك مئات من التحقيقات المشابهة تجري في المنصات ذاتها في محاولة لطمأنة المستخدم العادي.
من الرياضة إلى الاقتصاد والسياسة
تلك المراهنات التي ارتبطت بشكل واضح بالمباريات الرياضية الحاسمة، وكذلك الجوائز الكبرى بما فيها "نوبل" و"الأوسكار" وحتى القرارات الاقتصادية والمالية وتخمين أسماء مرشحي سباق الرئاسة بالولايات المتحدة، جعلتها الحروب في بؤرة الضوء بدءاً من حرب روسيا على أوكرانيا مروراً بالحرب على غزة وحتى التحركات العسكرية الدامية في إيران، التي بسبب تسارع وتيرتها قد جعلت لعاب رواد تلك المراهنات يسيل، لتنفجر قوائم مراهنات منبثقة منها مثل التنبؤ بعودة حركة السفن لمضيق هرمز، ومن سيسيطر عليه، ومتى سيعلن ترمب توقف حرب إيران، ومصير مجتبى خامنئي، وموعد الدخول البري للقوات إيران ولبنان، وأيضاً من المسؤول القادم الذي سيغيب عن المشهد في طهران.
كل هذه الأمور تتجاهل تماماً المآسي الإنسانية للمدنيين بكل فئاتهم، ففي حين يغرق كثير من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي المعتادة في مناقشات تدور حول مدى قانونية أو مشروعية تحرك عسكري ما، فإن رواد منصات الرهانات يتعاملون بطريقة مختلفة ويختارون بين "نعم" و"لا" للإجابة عن أسئلة تتعلق باحتمالية وقوع كارثة ما، وأصبح هناك ما يشبه بنك الأهداف البشرية يتضمّن أسماء مسؤولين، يتبارى المستخدمون في المراهنة على من فيهم سيختفي أولاً، حيث تفضّل المنصات المثيرة للجدل استخدام تعبيرات مثل مغادرة المنصب أو ترك مكانه، بدلاً من قتل أو اغتيال.
ووفقاً لما جاء على "فرانس 24" فإن الباحث والمحلل الاستخباراتي أليكس غولدنبرغ في جامعة روتجرز بنيو جيرسي بالولايات المتحدة الأميركية، يرى أن الكوارث الإنسانية تتحول في هذا السباق إلى سلع وأدوات تجلب المال، مشبهاً طريقة عمل الحسابات المشكوك بها بما يجري في أسواق التداول، إذ يجري التحرك وفقاً لمعلومات مسروقة أو مسربة من خلال حسابات جديدة لا تحمل أي تاريخ أو سوابق في المعاملات، لكنها تضرب ضربتها في وقت حساس للغاية.
سؤال أخلاقي
إذن الأمر في كثير من الأحيان لا يكون مجرد حدث جيد أو صدفة أو توقع غير مدروس قد يصيب مرة ويخيب مرات، أو ذكاء حاد في فن التحليل السياسي أو العسكري أو قراءة علمية للموقف، أو حتى مجرد مضاربة للتسلية، إنما الأمر قد يكون لعبة ظل كاملة، والأخطر أنها تتحول إلى بورصة للقتل.
وتطرق تقرير مطول عبر "لوس أنجلوس تايمز" استعرض آلية عمل المنصتين اللتين تستحوذان على 80 في المئة من هذه السوق وهما "كالشي" و"بولي ماركت" إلى الزاوية التي تغيب عن أذهان رأس المال، وهي تتعلق بمدى مشروعية وأخلاقية قدرة المستخدمين على المراهنة على الموت والدمار، مثل اغتيال قادة أجانب أو اندلاع حرب.
اللافت أنه بعد هذا الاهتمام الكبير الذي تحظى به هذه السوق قد أصبحت تحت المجهر بشكل غير مسبوق، بل بات ينظر إليها كمؤشر أكثر دقة من استطلاعات الرأي التقليدية، وعدد من المؤسسات التسويقية قد وقعت شراكات لمتابعة توجهات المراهنين أولاً بأول، باعتبارها طريقة لمعرفة مسارات الرأي العام تجاه ما يجري على الساحة من تعقيدات عسكرية وسياسية تتماس بشدة مع التوازنات الإقليمية والقومية بل والأمن القومي كذلك.