ملخص
قام مصباح يزدي طوال مسيرته بإنتاج نموذج حكم أصولي يقوم على الشرعية الدينية المغلقة، وأجهزة أمنية تحكم قبضتها على الفضاء العام، ومؤسسات شكلية تمثل واجهة للنظام، الذي يواجه اختباراً مصيرياً في خضم الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وخسارته كبار قادته وأيضاً تفاقم التململ الشعبي.
مع اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران على إثر مقتل والده المرشد علي خامنئي في غارات أميركية - إسرائيلية، عاد إلى الواجهة اسم الراحل مصباح يزدي الذي يعد معلم مجتبى ومن أبرز مهندسي توجهات "ولاية الفقيه" في البلاد. وعلى مر العقود الفائتة لعب يزدي (توفي عام 2021) دوراً بارزاً في ترسيخ مفهوم ولاية الفقيه في الأوساط الأكاديمية والشعبية بالتعاون مع مؤسسات داخل النظام الإيراني على غرار منظمة "الباسيج" التي لطالما كُلفت بقمع أي احتجاجات مناهضة للنظام.
وكان يزدي يروج لفكرة رئيسة مفادها بأن شرعية الحاكم في نظام ولاية الفقيه تأتي من الله مباشرة، ولا يحق للشعب هنا اختياره وإنما الاكتفاء باكتشافه وهي قراءة لطالما أثارت جدلاً داخل الأوساط السياسية الإيرانية. وقاد الرجل، الذي نجح في ترسيخ نفوذ سياسي وديني كبير طوال مسيرته، حملة شرسة في التسعينيات ضد التيار الإصلاحي، وقد وصف الديمقراطية وحقوق الإنسان بأنها ''مفاهيم غربية غريبة عن الإسلام".
دوائر الحكم في إيران
ولم يقتصر دوره على ذلك حيث أسس "مؤسسة الإمام الخميني" التي باتت على يده مركزاً لتكوين قيادات شغلت مناصب عليا في القضاء وفي "الحرس الثوري" و"الباسيج" وهي قيادات تنهل بشكل كبير من قراءاته المتشددة. وعلى المستوى السياسي، قاد مصباح يزدي التيار الأصولي داخل مجلس خبراء القيادة منذ انتخابه عام 1990 ممثلاً عن محافظة خوزستان في ولايته الثانية، قبل أن ينتقل إلى تمثيل محافظة طهران في دورتين متتاليتين.
وعاد يزدي إلى المجلس في الانتخابات التكميلية عام 2020 ممثلاً عن محافظة خراساي رضوي الأمر الذي عكس استمرار نشاطه في صلب دوائر الحكم في إيران. وحاول يزدي تكوين نخب سياسية وأمنية موالية تماماً لخامنئي، ولم يقتصر دوره على تعليم الكوادر بل أيضاً التحكم في مسارات ترقيهم بحسب كثير من التقارير الإيرانية.
أبرز منظري "ولاية الفقيه"
ومتأثرين بتوجهاته السياسية والدينية المتشددة، أسس برلمانيون إيرانيون قبل أعوام جبهة "بايداري" (الصمود) التي تمثل أقصى اليمين وتتبنى مواقف متشددة حيال ملفات حساسة مثل التفاهمات الخارجية في شأن النووي الإيراني أو الاحتجاجات المحلية. وتبنى يزدي مواقف مثيرة للانتقادات حيال حكم علي خامنئي، إذ عد أن "طاعته واجب" لذلك عده كثيرون في إيران البوصلة الأيديولوجية والدينية لعائلة خامنئي وحكمهم. وأطلق الرجل طوال مسيرته تصريحات تعكس رؤيته المتشددة لنظام الحكم في إيران، إذ قال في أحدها "ليس لدينا في الإسلام جمهورية، وإن الإمام الخميني كان هدفه الحكومة الإسلامية، وإنه لجأ إلى النظام الجمهوري من باب المصلحة فقط، وإن اختيار الإمام الخميني للنظام الجمهوري كان بناء على مقتضيات ما قبل الثورة".
وعدت الباحثة السياسية الإيرانية منى سيلاوي أن مصباح يزدي يعد بالفعل من أبرز منظري نظام "الجمهورية الإسلامية"، ومن المدافعين الشرسين عن حكمها ويرى أن "ولاية الفقيه" حكم شرعي، كما أنه كان من المعارضين الشرسين للانتخابات. وتابعت سيلاوي أن "هناك تصريحات لافتة أدلى بها يزدي قبل أعوام يقول فيها حرفياً، الشعب من أين له الشرعية حتى يمنحها لحاكمه في النظام الإسلامي؟ هذا يعكس رؤيته وتوجهاته إذ يرى أن الولي الفقيه هو ظل الله في الأرض".
نفوذ كبير وغموض
وواجه يزدي وأسرته انتقادات حادة حيال تمكنهم من بسط نفوذ كبير خلال حكم عائلة خامنئي مقابل تحصينها من دعوات التغيير عبر آليات مثل الاستفتاء والانتخابات إذ أكد مراراً، وعبر عديد من الفتاوى، أن "ولاية الفقيه في إيران تستمد سلطتها من حكم إلهي لا عبر صناديق الاقتراع"، واعتبرت سيلاوي أنه "من خلال تأسيسه مؤسسة الإمام الخميني قام بتدريب وتعليم جيل من السياسيين المتشددين الذين يؤمنون بولاية الفقيه إيماناً مطلقاً، ومن خلال قربه من النظام الحاكم تمكن مصباح يزدي وعائلته من كسب نفوذ اقتصادي ومالي كبير"، وأوضحت أن "ابن مصباح يزدي متورط، على سبيل المثال، في قضايا فساد، وقد توفي في ظروف غامضة وسط أنباء متضاربة حول انتحاره لذلك تعد شخصية مصباح جدلية بامتياز في إيران بالنظر إلى أفكاره المتشددة ونفوذه الكبير في دوائر الحكم".
معلم مجتبى
وإذا كان مصباح يزدي قد منح "الشرعية المطلقة" لحكم علي خامنئي الذي لم يكن من كبار الفقهاء تقليدياً إذ وفر له شرعية دينية مكثفة كرست نظامه، فإن علاقته بمجتبى مختلفة تماماً. ويعد يزدي المعلم والأب الروحي لمجتبى في مدينة قم حيث رسخ لديه رؤيته الأيديولوجية التي تعطي الأولوية للعقيدة على السياسة. لذلك بدا صعود مجتبى خامنئي لخلافة والده على أنه فوز لمدرسة يزدي لا سيما أن المرشد الإيراني الجديد، الذي يواجه مصيراً غامضاً حيث لم يظهر بشكل علني بعد أو حتى في مقاطع فيديو مصورة سلفاً، بنى شبكات نفوذ واسعة داخل "الحرس الثوري" مع قيادات تتلمذت هي الأخرى على يد يزدي. وتبنى مجتبى من أستاذه فكرة مركزية تقوم على ما يُسمى "نقاء الثورة" ورفض تقديم أي تنازلات أمام الغرب.
وقال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الدولية خالد زين الدين، إن "مجتبى خامنئي متأثر جداً بأفكار مصباح يزدي بعد أن تلقى تعليماً على يده في قم".
تطوير التشدد
بالعودة إلى تاريخ مصباح يزدي، لا يمكن صرف النظر عن مشاريع أطلقها بهدف تعزيز مفاهيم وتوجهات "ولاية الفقيه" على غرار برنامج "طرح ولايت" الذي يعني مشروع الولاية الذي كان يهدف إلى تحصين الطلاب والأساتذة عن أي اختراقات وتعزيز مفاهيم "الثورة الإسلامية" لديهم. وعد زين الدين أنه بعد انتصار ما يسمى "الثورة الإسلامية" في إيران، كانت الولايات المتحدة الأميركية بحاجة إلى أصولية دينية تقف بوجه الشيوعية في المنطقة فاضطرت أن تسقط النظام الشاهي في طهران والسماح للنظام الإسلامي الجديد بالتمدد على رغم أنه كان يسعى إلى محاربة الحقوق والحريات والتفتح لأنه نظام متشدد نبع من المدارس المتطرفة دينياً مثل الحوزة.
وتابع زين الدين، أن "يزدي كان جزءاً من هذه المنظومة التي عملت على تطوير التشدد الديني في إيران والتحكم في مفاصل الدولة وعبر الأيديولوجية السياسية والدينية، لذلك لعب دوراً كبيراً في تطوير المدارس الدينية للانغلاق على المجتمع ومحاربة من يعادي فكره، وكانت الحوزات العلمية الخيط الأساس في هذه المعركة إذ لعب دوراً كبيراً في التحكم بالمؤسسات الدينية"، ولفت إلى أن "ذلك أدى إلى وصول إيران إلى عزلة عالمية على رغم أنها تقول إنها صدرت ثورتها الإسلامية إلى الخارج، لكنها تعاني الآن دماراً كبيراً، وقد لعب يزدي في هذا الشأن دوراً كبيراً في الضغط على المجتمع من أجل منع تحرره وتحلل النظام الإسلامي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منظر للديكتاتورية الدينية
وزادت الخسائر التي تكبدتها إيران في هذه الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من التساؤلات حول عقيدة النظام في طهران والمنظرين له خصوصاً بعد فقدان قادة بارزين على غرار قائد "الحرس الثوري" محمد باكبور، والمرشد الأعلى، ووزير الدفاع وغيرهم. ولطالما عد يزدي أن "الولي الفقيه في إيران نعمة لا يعرف أهميتها المعارضون"، وقاد حملات ضد الانتقادات الخارجية لوضع حقوق الإنسان والواقع السياسي في البلاد.
ورأت الناشطة السياسية الإيرانية ليلى جزايري أن يزدي كان أحد المنظرين الأيديولوجيين الرئيسين للديكتاتورية الدينية في إيران، إذ عمل مع غيره من غلاة المتطرفين على رفض مبدأ استمداد السلطة السياسية من الشعب، وأضافت جزايري أن "يزدي شأنه شأن آخرين روج بدلاً من ذلك للطاعة المطلقة للولي الفقيه، ومن خلال هذا النهج، جرى تحويل المعارضة السياسية إلى انحراف أو جريمة، مما شرعن القمع وأسهم في بناء شبكات أيديولوجية موالية تضمن استمرارية النظام، بذلك، تمكن خامنئي من تعريف الشرعية عبر الولاء العقدي والاعتماد على المؤسسات الأمنية والحوزوية، بدلاً من أصوات الناخبين، مما أدى إلى تفريغ المؤسسات الجمهورية من محتواها وترسيخ الحكم الكهنوتي المطلق".
طريق مسدود
وعلى الرغم من أنه دعم محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية، التي عرفتها إيران عام 2009، فإنه دخل معه في خلافات حادة بسبب دعوة الأول المرشد الأعلى آنذاك لإقالة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي مما كرس ولاءه المطلق لخامنئي. ويُعد نجاد أحد تلامذة يزدي، لكن قرار الأول مقاطعة الأنشطة العامة كافة لمدة ثمانية أيام عام 2011 احتجاجاً على رفض خامنئي إقالة حيدر مصلحي فجر خلافات مع مصباح يزدي الذي قال آنذاك، إنه سحب ثقته من نجاد قائلاً إن "الطاعة والخضوع للقائد الأعلى واجب ديني لا علاقة له بالسياسة"، ومع أن خامنئي قُتل في الغارات الأميركية - الإسرائيلية على طهران، فإن اختيار مجتبى لخلافة والده سلط الضوء مجدداً على "تركة" يزدي في شرعنة الولاء المطلق للولي الفقيه في إيران، لا سيما أن خامنئي الابن سليل مدرسة يزدي المتشددة.
ولفتت جزايري إلى أن "ما يُطرح اليوم تحت مسمى الخلافة ليس إلا دليلاً على وصول النظام الإيراني إلى طريق مسدود. إن تنصيب مجتبى خامنئي في السلطة يعني عملياً تحويل نظام ولاية الفقيه إلى ملكية وراثية تحت غطاء ديني، وهذا لا يعد علامة استقرار، بل هو مؤشر إلى انهيار النظام، لا سيما أن مجتبى لا يستوفي حتى الشروط القانونية التي وضعها النظام نفسه لهذا المنصب''، وأشارت إلى أنه "بناء عليه، فإن توريثه سيؤدي إلى تعميق الصراعات الداخلية، وانغلاق النظام وتآكل قاعدته السياسية والاجتماعية، وزيادة الانشقاقات في صفوفه. وبما أن مجتبى ظل ثلاثة عقود شريكاً لوالده في القمع والنهب، فإن المجتمع الإيراني يراه رمزاً لماكينة الفساد والاستبداد ذاتها. لذا، لن يحل توريثه الأزمة، بل سيزيد من حدة الغضب الشعبي ويعمق الصراع بين الشعب الإيراني ومقاومته من جهة، والديكتاتورية الحاكمة من جهة أخرى"، واستنتجت جزايري أن "رحيل خامنئي يمثل بداية نهاية للاستبداد الديني ونظام ولاية الفقيه، ولن تنجح أي هندسة أيديولوجية أو محاولات أمنية لتوريث السلطة في إنقاذ هذه الديكتاتورية المتهاوية. وكما فقد النظام الملكي شرعيته عام 1979، فقد هذا النظام أيضاً كل مصداقية شعبية. إن هذه الخطوة ليست سوى محاولة أخرى لسرقة سيادة الشعب، وتثبت مجدداً أن الاستبداد لا ينتج حرية لهذا السبب، لن يتمكن مجتبى أبداً من سد فراغ خامنئي الأب، فالمستقبل سيقرره الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة للأصولية".
في المحصلة، قام مصباح يزدي طوال مسيرته بإنتاج نموذج حكم أصولي يقوم على الشرعية الدينية المغلقة، وأجهزة أمنية تحكم قبضتها على الفضاء العام، ومؤسسات شكلية تمثل واجهة للنظام، الذي يواجه اختباراً مصيرياً في خضم الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وخسارته لكبار قادته وأيضاً تفاقم التململ الشعبي.