ملخص
تحديات كثيرة تواجه الأمهات في العصر الحالي جعلت الأمومة أصعب عليهن من أجيال سابقة فما أبرزها وكيف تراها النساء وما مدى تأثيرها في الأسرة والمجتمع؟
دائماً وعلى مر الزمن كانت الأمومة علاقة فريدة بين الأم والطفل تقوم على الحب والرعاية والاهتمام وتوفير أفضل وضع متاح للصغار في ظل ظروف الأسرة وإمكاناتها، لكن في العصر الحالي لا يخلو تجمع للأمهات أو صحفة معنية بالأسرة على "السوشيال ميديا" من الإشارة الدائمة للضغوط والمتاعب والتحديات والألم الجسدي والنفسي الذي تعاني منه بعضهن، حتى أنهن صرن يرون الأمومة عبئاً وليست رحلة ممتعة مع الطفل كما صورها لها المجتمع وكما تخيلتها قبل التجربة الفعلية وبخاصة في حال وجو
لكن في الوقت نفسه لا يعني هذا أن هؤلاء الأمهات لا يشعرن بالحب تجاه أطفالهن، بل يمثل الوضع حال كل العلاقات في المجتمع حالياً، حيث أصبحت أكثر تعقيداً فالارتباط وعلاقات الزواج الآن تختلف عن زمن مضى، والعلاقات العائلية اختلفت معاييرها عن أجيال سابقة وكذلك الأمومة.
ففي المجتمع المصري حالياً هناك تغيرات عدة في نمط حياة أي أم لأطفال أو مراهقين عن طابع حياة أمها أو جدتها فكل شيء أصبح صعباً والتحديات كثيرة والمجتمع ضاغط والظروف الاقتصادية خانقة، إضافة إلى الانفتاح الكبير الذي أحدثته منصات وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت تقدم نموذجاً ومثلاً عن كل شيء ومن بينه الصورة المثالية للأمومة، ربما من جانب آخر أصبحت الأمهات أكثر وعياً وتعلماً واطلاعاً على الحاجات النفسية لها وللطفل على السواء فصارت تنظر للأمومة من منظور آخر يمكن أن يحقق نتيجة أفضل ولكنه أكثر جهداً.
وفي الوقت نفسه فإن محدودية العلاقات الاجتماعية في هذا العصر لأسباب عدة من بينها الانشغال وضيق الوقت وأحياناً بعد المسافات جعلت الحصول على المساعدة أو الدعم من العائلة أمراً شبه مفقود فتتحمل الأم وحدها كامل المسؤولية من دون أي دعم مما يحملها عبئاً كبيراً وتحديداً في ظل وجود أكثر من طفل.
تجارب عدة
تجارب متنوعة لأمهات تعكس الاختلاف بين الوضع الحالي للأمومة عن زمن سابق وتوضح أبرز التحديات والأزمات التي تواجه النساء بعد خوض تجربة الأمومة ومعايشتها فعلياً بكل تحدياتها.
تحكي سها إبراهيم (38 سنة) وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال تجربتها فتقول، "في هذا الزمن كل شيء أصبح أصعب ومن بينه الأمومة، عندما كنا صغاراً كانت أمي لا تعمل وكان أبي يعود إلى المنزل في وقت مناسب ولم تكن الظروف الاقتصادية ضاغطة مثل الآن. كنا نعود من المدرسة ونقوم بحل واجباتنا المدرسية ثم نشاهد التلفزيون لفترة وننام، وكنا نجتمع مع العائلة في منزل جدتي تقريباً أسبوعياً، وكثيراً ما كنا نمضي أياماً في بيت الخالة أو العمة في الإجازة الصيفية".
وتقول، "حالياً ساعات العمل الممتدة والأنشطة الرياضية للأطفال والكورسات التعليمية تستهلك كل الوقت، قديماً كان هناك علاقات اجتماعية عدة فكنا نلعب مع أولاد الجيران سواء في مدخل البناية أو في المنازل كان هذا وقتاً يمكن للأم أن تلتقط أنفاسها فيه حتى لو لفترة بسيطة، حالياً نحن لا نعرف الجيران وإن عرفناهم فالعلاقة سطحية لا تتعدى السلام والعلاقات العائلية أصبحت في المناسبات فقط تقريباً".
فيما تشير سارة محمود (29 سنة وأم لطفلين) إلى أن "جزءاً من أزمة صعوبة الأمومة يتعلق بعدم الترحيب بالأمهات في الحياة العامة فبمجرد أن تصبح السيدة أماً تغلق في وجهها أبواب عدة على رأسها العمل الذي أحياناً يعلن صراحة حال تقديمها على وظيفة أنها غير مرغوب فيها لأنها أم، ولا توجد مساحات تستوعب الأم والطفل معاً فحتى لو ذهبت لمكان عام مثل مطعم أو حتى مصلحة حكومية وبدأ طفلها في البكاء ستواجه بسيل من النظرات عن ماذا دفعها للخروج وعليها البقاء في المنزل". وتابعت، "حتى المناسبات الاجتماعية مثل حفلات الزفاف غالباً لا تحضرها للإعلان أنه غير مرغوب في الأطفال، وكذلك دور العبادة ذاتها لا يرحب الناس فيها بالأطفال، فالمجتمع يدفعنا للأمومة ولكنه لا يوفر أي سبل للمساعدة فيصبح العبء كبيراً وبخاصة مع بعد المسافات عن الأهل في أحيان كثيرة وعدم توافر أي مساعدة".
وتستكمل سارة حديثها فتقول، "تجد الأم نفسها مجبرة على الانسحاب من المجتمع لأعوام حتى يكبر أطفالها وحينما تسمح ظروفها بإعادة الاندماج يكون فات أوان كل شيء وانتهت علاقتها الاجتماعية، فرصتها في العمل شبه منعدمة، ويضع هذا ضغطاً كبيراً على الأمهات، لم يعان منه جيل والدتي حيث كانت الأمهات تعمل بدوام مناسب ولديهن علاقات اجتماعية وتسير أمومتهن جنباً إلى جنب بجانب حياتها الطبيعية، فحالياً نحن نرجع للخلف ولا نتقدم للأمام".
ماذا حدث للمجتمع؟
الأمومة بالأساس غريزة وفطرة عند النساء ولكنها أحد الأدوار الاجتماعية التي تقوم بها المرأة في أي مجتمع يفرض عاداته وقواعده على الأدوار الاجتماعية للرجال والنساء على السواء، وبينما كانت الأمومة في زمن سابق أحد من الأدوار الرئيسة للنساء تقوم بها بصورة سهلة وسلسة فإن المجتمع حالياً أصبح أكثر تعقيداً ومن ثم الأدوار التقليدية دخلت عليها مفاهيم جديدة وأفكار مستحدثة، فماذا حدث للمجتمع في مصر وكيف أصبحت الأمومة أصعب؟
من منظور أستاذة علم الاجتماع هالة منصور "في كل زمان ومكان الأمومة قائمة على الحب والرعاية والاهتمام، والبيئة الاجتماعية المحيطة بالأمهات قد تساعدهن وتدعمهن وقد تكون عبئاً عليهن، ففي زمن سابق كانت العلاقات الاجتماعية وطيدة وكانت الخبرات تنقل من الجدات ونساء العائلة الأكبر للأم الجديدة، أما حالياً فالأمهات الصغيرات لا يقبلن النصيحة وقد يعتبرنها تطفلاً وتدخلاً في أسلوب تربيتهن لأطفالهن، من جانب آخر سابقاً كان طموح النساء أقل في العمل والدراسة والتطور وكانت الظروف الاقتصادية أسهل والمتطلبات أقل، وكان غالب الأطفال يلتحقون بالتعليم المجاني وكانت المدارس بها أنشطة فلم يكن غالب الناس يبحثون عن أماكن للنشاطات والرياضة تستنزف الوقت والجهد والمال وتعد من أهم أعباء الأمهات حالياً، في الوقت نفسه كان التحرك في مساحات أقل فالمدرسة إلى جانب البيت والعائلة تسكن في نطاق متقارب وكان هذا يوفر كثيراً من الجهد ويدعم الأم".
وتمضي في حديثها، "حالياً الأم في حال كانت تعمل تعود من عملها لتقوم بأدوار المدرس والسائق والطباخ إلى جانب دورها في التربية والتواصل مع الأطفال والحديث معهم لتكون بنهاية اليوم منهكة بصورة كاملة وغالباً دون أي دعم من الزوج أو العائلة أو المجتمع ومؤسسات الدولة، فحتى لو وجدت قوانين تمنح بعض الحقوق للأمهات مثل قانون العمل على سبيل المثال يجري التحايل عليها بكل الطرق مثل وجود دار للحضانة في العمل أو منح الأم أي امتياز، فالشائع حالياً أن الأمهات يتحملن ضغوطاً كثيرة ولا بد أن يكون هناك وعي بالأثر السلبي الذي ينعكس على المجتمع كله جراء هذا الوضع".
الأمومة في عصر "السوشيال ميديا"
تسيطر مواقع التواصل الاجتماعي حالياً على كافة مناحي الحياة وتقدم للناس صورة شبه نمطية عما يجب أن يفعلوه وما هي الصورة أو الهيئة التي يجب أن تكون حياتهم عليها، ولم تنفصل الأمومة عن هذا الأمر ففي مجتمعاتنا يجد المطلع على منصات "السوشيال ميديا" سيلاً لا نهائي من الصفحات والمجموعات والمتخصصين في كل ما يتعلق بالطفولة والأمومة من التربية الإيجابية، للتعامل مع الضغوط النفسية، لتحضير اللانش البوكس للإنجازات التي يجب أن يحققها الصغار سواء في التفوق الدراسي أو الحصول على الميداليات الرياضية والإبداع في الهوايات المختلفة.
وتخلق "السوشيال ميديا" صورة للأم تقوم على ضرورة أن يكون بيتها منظماً ومثالياً وأطفالها هادئون ومتفوقون ورائعون وهي ذات قوام مثالي وبشرة صافية وتحقق إنجازاً في حياتها عبر عملها أو هواياتها أو مشروع صغير وأن كل شيء يسير وفق خطة محكمة ومسيطر عليها وأن الحياة مثالية من كل النواحي مثل الصور ذات الفلاتر التي تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي".
أصبح هذا يمثل ضغطاً شديداً على قطاع كبير من الأمهات وبخاصة إن كن منخرطات في متابعة مثل هذه الصفحات فهن دائماً يلهثن وراء تحقيق هذا الوضع الذي لم ولن يتمكنّ من تحقيقه لأنها صورة غير حقيقية وغير واقعية ومفتعلة ولكنها في أحيان كثيرة أصبحت المقياس. ويتربع على عرش هذا الأمر المفاهيم الحديثة للتربية المتمثلة في التربية الإيجابية التي صارت نهجاً عند الجيل الجديد من الأمهات وأصبح هناك مراقبون ومنظرون يطالبون الأمهات بأن يفعلن أبسط الأمور وفق قواعد ونظريات وتعقيدات وإلا سيتحولن إلى أمهات فاشلات وسيتسببن في عقد نفسية للصغار.
بالطبع هناك كثير من المعلومات المفيدة التي يقدمها متخصصون ولديهم مؤهلات تتيح لهم تقديم خبراتهم في عالم الأمومة والتربية والصحة الجسدية والنفسية ويعد هذا من أهم مميزات التكنولوجيا عموماً التي سهلت للأمهات تثقيف أنفسهن والحصول على المعلومة بسهولة، ولكن على أرض الواقع فإن غير المتخصصين في هذا المجال أصبحوا ربما أكثر بمراحل من المتخصصين والجمهور العام.
وحالياً يشعر كثير من الأمهات بالذنب وينتابهن شعور بالتقصير، وفي علم النفس يعرف هذا بمصطلح ذنب الأمومة وهو يشير للإحساس الدائم بالذنب عند الأمهات بصورة عامة ورغبتهن في تقديم أفضل شيء لأطفالهن ولكنهن يشعرن بصورة شبه دائمة بأنهن مقصرات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ترى ندى ماهر (41 سنة وأم لثلاثة أطفال)، أن "رؤية تجارب وحياة آخرين على ’السوشيال ميديا‘ أصبحت تضر أكثر مما تفيد لأن كثيراً من الأمهات يشعرن بالتقصير، وتفتح باباً للمقارنات في حين أن كل شخص لديه قدرات وظروف وبعض خبراء ’السوشيال ميديا‘ يصورون الناس كنسخ متطابقة واستجابتهم واحدة وهذا ما يطالبون الأم والطفل به".
وتضيف، "التربية سابقاً كانت تسير وفق الفطرة وكانت غالبية النساء يقمن بالشيء ذاته وكل أطفال العائلة غالباً تجري تربيتهم بالأسلوب نفسه والعائلة كلها أمهات للطفل، حالياً في أي تجمع عائلي لا تسير الأمور بسلاسة فكل أم لها خطة ونظام وطريقة وقد يتحول التجمع إلى صراع بين الأجيال في كيفية التعامل مع الأطفال فالجدات لهن أسلوب والأمهات الصغيرات يعتمدن أسلوباً آخر ولا أحد يقبل التنازل ولو لساعات عن منهجه ويجعل هذا الأمر أصعب بكثير".
فيما تقول علا حسين (34 سنة وأم لطفلين)، إن "هناك حال كبيرة من الضغط على الأمهات حالياً مع سيطرة فكرة المقارنات فالجميع يسعى إلى الكمال وإلى أن يكون متوافقاً مع الصورة المثالية للأمومة التي تقدمها ’السوشيال ميديا‘ وهذا في ذاته ضغط كبير على الأمهات وعلى الأطفال الذين قد يطلب منهم أشياء لا تتوافق معهم، فنحن محاصرون بتفاصيل لكل شيء فلم يعد هناك شيء سهل".
الحالة النفسية للأمهات
كيف يؤثر هذا الكم من الضغوط التي تتعرض لها الأمهات حالياً في صحتهن النفسية وكيف ينعكس على الأم والطفل ومن ثم الأسرة والمجتمع بكامله، وكيف يمكن دعم الأمهات ليمارسن أمومتهم بصورة أسهل وأكثر سلاسة كما كانت الحال سابقاً؟
وفق رؤية استشارية الصحة النفسية هالة حماد فإن "الضغط النفسي على الأمهات ينعكس على علاقتها بأسرتها ويجعلها متوترة وعصبية مما ينتج منه ردود أفعال غير محسوبة أو اتخاذ قرارات خاطئة. وبالفعل تحديات الأمومة حالياً أصعب والتربية لم تعد سهلة". وتضيف، "أخيراً انتشرت قيم دخيلة علينا في المجتمع والدراما وحتى في الألعاب التي يلعبها الصغار مثل العنف والألفاظ البذيئة فكل هذا تحديات جديدة تضع الأمهات في أزمة لمواجهة هذه المتغيرات، إلى جانب سيطرة المظاهر بفعل ضغط المجتمع و’السوشيال ميديا‘ فالأم ترغب أن تكون بالصورة التي تراها وأن تحقق لأطفالها كثيراً من التطلعات وأن يتوفر لهم كل شيء من الحاجات للحضانات وللأنشطة ولنوعية معينة من التعليم فهناك دائماً تطلعات لا تنتهي".
وتوضح أن "أحياناً الأم التي تتجنب هذا العالم ولا تهتم بالمظاهر والمقارنات وتبعد أطفالها من ’السوشيال ميديا‘ تكون مثار انتقاد من المجتمع ويعاني أطفالها مشكلات مع أصدقائهم باعتبارهم خارج السياق ويسبب هذا ضغطاً كبيراً عليها لأنها تشعر أنها تحارب وحدها".
وتختم حديثها، "كل هذا ينعكس على الصحة النفسية للأمهات فحالياً هناك كثيرات نشاهدهن يومياً في مجال عملنا في الصحة النفسية يعانين الاكتئاب والتوتر والقلق والعصبية الشديدة بفعل كم الضغوط الواقعة عليهن والإحساس بعدم التقدير وأنهن يخضن حرباً وحدهن وبخاصة في ظل انشغال معظم الأزواج بالعمل لساعات طويلة لتوفير حاجات الأسرة في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة، الأزمة أن هذا ينعكس على الطفل وعلى الأسرة بالكامل بصورة مباشرة ونظل في دائرة مفرغة يكون أثرها كبير في المجتمع كله، ومن هنا لا بد من نشر الوعي بأهمية تقديم الدعم للأم من الزوج والأسرة والمجتمع".