ملخص
تعددت الروايات حول أصل الفانوس الرمضاني، لكن أبرزها تعيده للعصر الفاطمي في القاهرة، حين استخدم السكان الشموع داخل هياكل بدائية لإنارة الطرق خلال استقبال الخليفة أو استطلاع هلال رمضان، قبل أن يتحول هذا المشهد إلى عادة احتفالية.
يبدأ المسلمون في كثير من الدول الإسلامية، مع بوادر العيد، في إنزال زينة رمضان التي ملأت الشوارع والبيوت طوال الشهر، وكأنهم يودعون أياماً مضيئة بالروح والفرح. وبين تلك التفاصيل التي تتلاشى تدريجاً، يبقى الفانوس واحداً من أكثر الرموز رسوخاً في ذاكرة الشهر، ليس مجرد وسيلة إنارة قديمة، بل هوية رمضانية تحمل مزيجاً من النور والحنين. يلتف حوله الكبار كما الصغار، وتتشكل عبره ملامح الفرح الجماعي الذي يميز ليالي رمضان، لكن هذا الرمز البسيط يخفي وراءه تاريخاً طويلاً من الحكايات والتحولات.
تعود الرواية الأشهر للعصر الفاطمي، حين دخل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة ليلاً، بعد أن اتخذها عاصمة لدولته. في تلك الليلة، أمر القائد جوهر الصقلي السكان بالخروج لاستقباله حاملين الشموع لإنارة الطريق. ومع الحاجة إلى حمايتها من الرياح، وضعت داخل هياكل بدائية غطيت بمواد بسيطة، فظهر شكل قريب من الفانوس المعروف، ومن هنا بدأ يتحول من وسيلة عملية إلى رمز احتفالي ارتبط بقدوم رمضان.
#فانوس #رمضان رمز من أشهر رموز #الشهر #الكريم لكن كيف تحول من أداة للإنارة ليلاً إلى مظهر من مظاهر الاحتفال الرمضاني؟ شاهدوا قصة الفانوس ضمن #برنامج #تاريخ_الأشياء من "اندبندنت عربية" #نكمن_في_التفاصيل pic.twitter.com/s7LqdBRuNG
— Independent عربية (@IndyArabia) March 17, 2025
رواية أخرى تعكس بعداً اجتماعياً، إذ اعتاد أهل القاهرة مرافقة الخليفة لاستطلاع هلال رمضان، حاملين الفوانيس لإضاءة الطريق، في مشهد يجمع بين الطقس الديني والاحتفال الشعبي، إذ تختلط الأناشيد بحركة الضوء في الأزقة. وفي مقابل هذه الروايات، يرى بعض الباحثين أن الفانوس أقدم من العصر الفاطمي، إذ استخدم في مصر قبل الإسلام في مناسبات دينية، ثم اكتسب لاحقاً دلالته الرمضانية، ليصبح امتداداً لتقاليد إنارة قديمة أعيد توظيفها في سياق جديد.
مع مرور الزمن، لم يبق الفانوس على حاله. تطورت صناعته من أشكال بسيطة إلى أعمال حرفية متقنة، استخدم فيها النحاس والزجاج الملون، وزينت بالنقوش والزخارف، بينما انتقلت وسيلة الإضاءة داخله من الشموع إلى الزيت والفتيل، وصولاً إلى الإضاءة الكهربائية الحديثة. هذا التطور لم يكن تقنياً فقط، بل عكس تحولاً في وظيفته، إذ خرج من كونه أداة إنارة ضرورية إلى عنصر جمالي واحتفالي يعبر عن روح الشهر.
في الحياة اليومية، ارتبط الفانوس بذكريات الطفولة، حين كان الأطفال يحملونه في الأزقة، يغنون ويجتمعون في مشاهد تعكس روح الجماعة. كما أدى دوراً عملياً في زمن كانت فيه الإضاءة محدودة، مانحاً قدراً من الأمان والحضور في الليل. ومع ذلك، ظل يحمل معنى أعمق يتجاوز الاستخدام، إذ ارتبط رمزياً بفكرة النور بما تحمله من دلالات روحية في الثقافة الإسلامية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ازدهار الحرف التقليدية، أصبحت صناعة الفوانيس جزءاً من اقتصاد محلي، خصوصاً في القاهرة، حيث برزت أسواق وورش متخصصة في إنتاجها، قبل أن تواجه هذه الصناعة تحديات مع دخول المنتجات الحديثة والرخيصة. وعلى رغم ذلك، بقي الفانوس التقليدي محتفظاً بقيمته بوصفه قطعة تراثية تعكس مهارة يدوية وهوية ثقافية.
انتقل الفانوس من مصر إلى بقية الدول العربية، ثم إلى العالم، ليصبح أحد أبرز الرموز البصرية المرتبطة برمضان، يظهر في البيوت والشوارع والفعاليات الثقافية، بل ويتحول إلى عنصر ثابت في الديكور والفنون. ومع كل هذا الانتشار، لم يفقد جوهره، بل ظل مرتبطاً بفكرة الضوء والفرح وبداية زمن مختلف.