Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القداحة... من الشرارة الأولى إلى جيب كل إنسان

كيف تحول هذا الاختراع من مصباح تجريبي ضخم إلى سلعة شعبية وصناعة بمليارات

ملخص

ثقافياً لم تكن القداحة مجرد أداة إشعال بل تحولت إلى رمز في الأدب والسينما. في الأفلام الأميركية مثلاً تظهر القداحة كإشارة للغموض أو البطولة أو التمرد كما رصدت مقالات "مجلة سميثسونيان" عن الثقافة الشعبية.

القداحة ليست عادة جزءاً من العتاد القتالي الرسمي، لكنها تدرج كثيراً ضمن معدات البقاء الشخصية التي يحملها الجنود أو توفرها الوحدات في حزم البقاء. تستخدم لإشعال النار للطهي والتدفئة أو كوسيلة بسيطة لإشارات الطوارئ وتعقيم أدوات مبدئية، وفي بعض البيئات تصبح أداة عملية لا غنى عنها.

بعض الجيوش تفضل بدائل أكثر متانة وأماناً مثل أعواد كبريت مقاومة للماء أو أدوات إشعال بالشرر ضمن مجموعات البقاء، وفي حالات العمليات الخاصة قد تصمم الوسائل لتكون متعددة الوظائف وآمنة أكثر في ميدان القتال.


بين المصباح وإشعال القماش

مثلما كان اكتشاف النار لحظة مفصلية في التاريخ البشري، شكّل اختراع القداحة قفزة نوعية غيرت أسلوب حياة الإنسان إلى الأبد. هذه الأداة الصغيرة، التي تبدو اليوم بديهية، بدأت مع اكتشاف "مصباح دوبرينير" عام 1823 على يد الكيميائي الألماني يوهان وولفغانغ دوبرينير، بحسب ما ورد في "الموسوعة البريطانية" وأرشيف "معهد تاريخ العلوم". كان هذا المصباح يعتمد على تفاعل الهيدروجين مع الإسفنج البلاتيني لإشعال النار، لكنه كان خطيراً وكبير الحجم ومكلفاً، وظل مستخدماً لعقود طويلة على رغم أخطاره.

ومع مطلع القرن العشرين، تحديداً في عام 1903، ظهر نموذج أكثر عملياً على يد كارل أورفون، اعتمد على إشعال القماش المشرب بالوقود بواسطة شرارة حجر الصوان، كما جاء في "قاموس أكسفورد لتاريخ العلوم الحديثة".

هذا الاختراع لم يجعل القداحة أصغر حجماً فحسب، بل جعلها أكثر موثوقية، وانتشرت في أوروبا واستخدمت لإضاءة الطرق والساحات.

تطور القداحة

خلال العشرينيات والثلاثينيات، تطورت النماذج التجارية مع شركات مثل "رونسون"، التي يشير "أرشيف رونسون" إلى أن قداحاتها اعتمدت على آلية تشغيل سهلة أثارت إعجاب المستهلكين.

وفي عام 1932 تأسست "زايبو" التي سرعان ما تحولت إلى أيقونة ثقافية ارتبطت بالجنود الأميركيين في الحرب العالمية الثانية، وفق ما أورده كتاب "زايبو: القداحة الأميركية العظيمة" للكاتب مايكل غريمالدي. مشهد إشعال السيجارة بقداحة زايبو أصبح رمزاً متكرراً في السينما الهوليوودية، منحها مكانة أبعد من مجرد أداة وظيفية.

النقلة الكبرى حدثت عام 1950، حين قدمت شركة "بيك" الفرنسية نموذجها البلاستيكي البسيط والآمن والرخيص، كما يوضح "الموقع الرسمي للشركة". على عكس النماذج المعدنية القابلة لإعادة التعبئة، جاءت "بيك" كقداحة للاستخدام لمرة واحدة، ما جعلها تنتشر بسرعة هائلة. وفي غضون سنوات، صار اسم "بيك" مرادفاً للقداحة اليومية في مختلف أنحاء العالم.

اليوم، تنتج شركات مثل "بيك" و"زايبو" ملايين القداحات سنوياً، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من وظائفها التقليدية في المطابخ والمنازل مع ظهور أعواد الثقاب وأجهزة الإشعال الكهربائية.

1.5 مليار قداحة

ثقافياً لم تكن القداحة مجرد أداة إشعال بل تحولت إلى رمز في الأدب والسينما. في الأفلام الأميركية مثلاً تظهر القداحة كإشارة للغموض أو البطولة أو التمرد كما رصدت مقالات "مجلة سميثسونيان" عن الثقافة الشعبية.

هذه الصورة الرمزية تعكس التناقض الأساسي في مسيرة القداحة من اختراع علمي سعى لتسهيل حياة الإنسان إلى رمز ثقافي ارتبط بعادة مضرة بالصحة أكثر من كونها أداة للبقاء.

ومع مرور العقود أصبحت القداحات نفسها ماركات تجارية متنوعة فمنها ما يباع في الأسواق الشعبية بدولار واحد فقط ومنها ما يصنع من الذهب أو البلاتين ويرصع بالأحجار الكريمة ليصل سعره إلى مئات الدولارات ويقتنى كقطعة فنية أو هدية فاخرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفقاً لتقرير "يورومونيتور انترناشونال" عن سوق أدوات التدخين لعام 2023 تباع في العالم سنوياً أكثر من 1.5 مليار قداحة ما يعكس استمرار الطلب العالمي على رغم تراجع الحاجة إليها في المنازل والمطابخ.

هذا التباين بين قداحات زهيدة الثمن تستهلك يومياً وأخرى فاخرة تعرض في المزادات والمتاجر الفخمة يوضح كيف تحولت الأداة الصغيرة من وسيلة عملية لإشعال النار إلى سلعة تعكس الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وتحمل في داخلها أبعاداً ثقافية لا تقل أهمية عن رمزيتها في السينما والأدب.

وبحسب ما ورد في تقارير "منظمة الصحة العالمية"، فإن القداحة ارتبطت أساساً بعادة التدخين، التي جعلت من هذه الأداة أداةً يومية لكنها تحمل أثراً سلبياً على الصحة العامة، إذ تسهم في استمرار وباء عالمي يحصد ملايين الأرواح سنوياً.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات