ملخص
أرسل النمسويون جيشاً بقيادة المارشال جوزيف فون رادي تسكي لفرض حصار شامل على المدينة. ولأشهر طويلة، عاش سكان البندقية تحت ضغط اقتصادي وصحي رهيب، خصوصاً مع انتشار وباء الكوليرا ونقص الغذاء. لكن على رغم القصف المدفعي والضغط العسكري رفض الأهالي الاستسلام، مفضلين الموت على العودة للسيادة النمسوية.
خلال منتصف القرن الـ19، كانت أوروبا تموج بالثورات القومية المطالبة بالاستقلال والوحدة. وفي عام 1848 أعلنت البندقية انفصالها عن الإمبراطورية النمسوية، وأقامت ما سمي "جمهورية سان ماركو". لكن هذه الجمهورية الوليدة لم تعمر طويلاً، إذ قررت فيينا سحق التمرد بالقوة.
وبحسب موقع "إيطالي أون ذيس داي"، أرسل النمسويون جيشاً بقيادة المارشال جوزيف فون رادي تسكي لفرض حصار شامل على المدينة. ولأشهر طويلة، عاش سكان البندقية تحت ضغط اقتصادي وصحي رهيب، خصوصاً مع انتشار وباء الكوليرا ونقص الغذاء. لكن على رغم القصف المدفعي والضغط العسكري رفض الأهالي الاستسلام، مفضلين الموت على العودة للسيادة النمسوية.
فكرة غريبة… البالونات قنابل طائرة
هنا ظهرت الفكرة الأكثر غرابة في تاريخ الحروب، إذ اقترح الملازم فرانز فون أوشاتيوس، وهو ضابط في الجيش النمسوي ومهندس بارع، استخدام بالونات ورقية وقماشية ضخمة محملة بالمتفجرات، لتدمير معنويات سكان البندقية وإجبارهم على الاستسلام.
ووفقاً لما نشره موقع "هيستوري" ذو الطابع التاريخي، جرى تصنيع نحو 200 بالون بقطر يصل إلى 18 قدماً (نحو 5.5 متر)، حشيت كل واحدة منها بـ33 رطلاً (15 كيلوغراماً تقريباً) من البارود والمتفجرات.
وزودت هذه القنابل الطائرة بفتائل موقوتة تحترق ببطء لتنفجر بعد نحو نصف ساعة من إطلاقها، وأضيف إليها الفحم والقطن والمواد سريعة الاشتعال لزيادة التأثير.
تمت على أرض عربية… كيف جرت أول عملية قصف جوي في التاريخ؟#نكمن_في_التفاصيل#تاريخ_الأشياء pic.twitter.com/8aIPejA712
— Independent عربية (@IndyArabia) September 4, 2025
لحظة الإطلاق
خلال الـ22 من أغسطس (آب) 1849 استخدمت القوات النمسوية سفينتها الحربية "SMS Vulcano" لإطلاق بالونات محملة بالمتفجرات باتجاه مدينة البندقية، ضمن تجربة وصفت لاحقاً بأنها أول محاولة بدائية لـ"القصف من الجو". وكان الهدف أن تحمل الرياح هذه البالونات فوق أحياء المدينة لتنفجر فوق منازلها وسكانها، لكن التقنية ظلت بدائية للغاية.
فخلال لحظة الإطلاق ثبتت بعض البالونات بأسلاك قصيرة لمساعدتها على الانطلاق، غير أن الجنود لم يملكوا أية وسيلة للتحكم بمسارها بعدما ارتفعت في الهواء إذ تركت بالكامل لتقلبات الرياح. وهذا العجز عن التوجيه جعل الهجوم محفوفاً بالأخطار.
ويروي موقع "أوبن كالتشر" المعرفي أن الرياح لم تسر كما أراد النمسويون، فقد تغير اتجاهها فجأة وعادت بعض البالونات إلى خطوط الجيش النمسوي، فانفجرت فوق جنوده وسط ذعر وارتباك. وفي المقابل، تعالت صيحات الفرح من سكان البندقية المحاصرين الذين شاهدوا عدوهم يتلقى ضربة من اختراعه الجديد.
التجربة الثانية ونتائج محدودة
لم ييأس النمسويون وأعادوا التجربة خلال اليوم نفسه لكن النتيجة لم تختلف كثيراً، فانفجرت بعض البالونات فوق منازل في أطراف المدينة مسببة حرائق محدودة، وسقط معظمها في البحر أو عاد ليفجر خطوط الجيش المهاجم.
كان الضرر العسكري ضئيلاً جداً لكنه ترك أثراً نفسياً عميقاً، للمرة الأولى في التاريخ شعر سكان مدينة أنهم تحت قصف "جوي".
وبعد أيام قليلة استسلمت البندقية خلال الـ27 من أغسطس 1849، لكن المؤرخين يجمعون على أن الاستسلام لم يكن بسبب القصف الجوي البدائي بل بفعل المجاعة والوباء واليأس من المدد العسكري.
ومع ذلك، بقيت هذه الحادثة علامة فارقة في تاريخ الحروب، لأنها جسدت أول محاولة لاستخدام الجو كساحة قتال.
إرث عسكري جديد
لم تحقق بالونات أوشاتيوس الهدف العسكري المرجو، لكنها دشنت مفهوماً سيعيش طويلاً وهو القصف من السماء.
فبعد نحو ستة عقود وخلال عام 1911، نفذت إيطاليا أول قصف جوي حقيقي باستخدام الطائرات ضد المدن الليبية، مما اعتبر بداية عصر جديد من الحروب الجوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما بالنسبة إلى النمسا، فقد أثبتت التجربة أن التكنولوجيا يمكن أن تسبق زمنها أحياناً، لكنها تفتح آفاقاً ستستغل لاحقاً بصورة أكبر وأخطر. ومنذ ذلك الحين صار استخدام السماء أداة مركزية في كل الحروب الحديثة، من الطائرات القاذفة خلال الحربين العالميتين إلى الطائرات المسيرة اليوم.