رمضان في مصر... طقوس اندثرت ودماسة كهربائية وكرة قدم تتسيد الشارع

لم يعد فانوس شهر الصيام كما كان... وأغنية "وحوي يا وحوي" تبكي أطلال الزمن الجميل

ولت قدرة الفول المدمس المستقرة على الموقد من بعد الفجر إلى ما قبل المغرب، وحلت محلها علبة بلاستيكية ذات خلطة سكندرية، أو تحبيشة سرية، أو مرصعة بالزيت الحار، أو الزيتون، أو الفلفل والكمون. ودبرت رائحة الزيت الساخن والسكر المعقود المنبئ عن "زلابية" من النوع المعتبر، أو كنافة بوصفة سرية لا تعلمها إلا ربة البيت، واستحوذ مكان الصدارة طبق الحلويات الشرقية الـمُشَكَّلة، سواء ذلك الذي يباع على عربة متجولة في أول شارع الوحدة في إمبابة، أو ذلك الذي يخرج البكوات حاملين إياه من المحل الأشهر في القاهرة الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القاهرة الجديدة لم تعد اسماً فقط، بل تحمل في طياتها مع قدوم كل رمضان معاني عدة، ومظاهر لا أول لها أو آخر. فالقاهرة الجديدة تحمل رمضاناً جديداً في كل عام، تسقط منه أوراقاً حملها الأجداد، وتنمو أخرى أصر عليها الأحفاد، وتصارع فئة ثالثة للبقاء خوفاً من الاندثار.

طقوس مندثرة

"اندثر تماماً ما كنا ننتظره بفارغ الصبر من عام لعام. كان أطفال الشارع – صبياناً وبناتاً- الذي أسكن فيه في حي المنيل يتجمعون بعد صلاة العشاء، وكلٌّ يحمل فانوسه المصنوع من الصفيح. وفي داخل كل فانوس شمعة، ونظل نغني "وحوي ياوحوي إيوحا" ونلهو. وكان بعض الجيران يعطينا مليمين أو ثلاثة (القرش عشرة مليمات والجنيه المصري مئة قرش) لنشتري حلوى رمضان أو شموعاً جديدة".

تكمل السيدة آمال عبد العزيز (79 عاماً) ذكرياتها مع مظاهر رمضان المندثرة، "هذه الملاليم كانت تسمى "العادة"، ووردت في الأغنية الشهيرة "وحوي يا وحوي إياحا" التي ما زالت تبث يومياً في كل القنوات الإذاعية والتلفزيونية على مدار اليوم طيلة شهر رمضان".

الطريف أن الأغنية الرمضانية المصرية الأشهر كتبها الشاعر حسين حلمي المانسترلي، المولود في عام 1892 وله قصر باسمه في منيل الروضة على مقربة من بيت السيدة آمال. وكتب المانسترلي – وكان يعمل في وزارة المعارف (الثقافة)- كلمات أغاني ومونولوجات شعبية عدة. ورغم عدم وجود رواية مؤكدة حول معنى كلمة "وحوي" و"إيوحا"، فإن أغلب المراجع تؤكد أنها كلمة فرعونية وتعني "رحل" وكلمة "إيوحا" أصلها "أيوح" أو "أياح"، وتعني القمر أو الهلال. ويبدو أن الأغنية كانت قديماً تحية للقمر، ثم تحولت مع العصر الفاطمي إلى أغنية مرتبطة برمضان ومظاهره الاحتفالية.

تقول عبد العزيز إن أحفادها لم ينزلوا الشارع ولو مرة بالفوانيس. وعلى الرغم أنها كانت تصر على شراء فانوس لكل منهم مع مجيء كل رمضان وقتما كانوا أطفالاً، "فإنهم كانوا يضعونه على مكاتبهم، وقلما شعر أحدهم بمعناه أو قيمته".

قيمة الفانوس ومعناه يتحدث عنهما أستاذ الطب، والسياسي البارز الدكتور محمد أبو الغار في كتابه "على هامش الرحلة" (الصادر عن دار الشروق) متذكراً رمضان القاهرة وقتما كان طفلاً. "رمضان القاهرة وأنا طفل عند جدتي في السيدة زينب حين كان الأطفال يغنون في الشوارع بالفوانيس، ويمرون على الشقق في البيوت يقرعون الأبواب وهم يغنون "إدونا العادة"، وهو ما يعني قروشاً بسيطة كهدية ليشتروا بها الحلوى احتفالاً برمضان".

فانوس رمضان

رمضان وفانوسه مازالا يحظيان بمكانتهما، وإن تغيرت ماهية الفانوس. ربما تغيرت قيمة الفوانيس الصفيح أو الصاج ذات الشمعة، لكنها لم تتبخر في الهواء. محال الفوانيس المنتشرة في شتى أرجاء مصر تؤكد أن الفانوس حي يرزق.

يقول محمود مصطفى، 40 عاماً، صاحب محل فوانيس ضخم في حي الموسكي أن "الفوانيس ستبقى ليوم القيامة. صحيح أن الأطفال لم يعودوا يتجمعون في الشوارع للعب بالفوانيس، ربما لأن الأهل يخافون عليهم من السيارات غيرها من المخاطر، لكن غالبية الأطفال يشترون فوانيس رمضان كل عام، وبعضهم يلهو في بيته أو بيت أصدقائه بفانوس العام الماضي".

تغير آخر يطرأ على فوانيس رمضان وظل يتطور على مدار نصف القرن الماضي. يقول مصطفى أن الفانوس الصفيح حالياً يقتصر على الفوانيس الضخمة التي يشتريها أصحاب الفيلات والعمارات والفنادق لتزيين الواجهات بها ابتهاجا بشهر رمضان. "أما فوانيس الأطفال فأصبحت تصنع من الخشب أو البلاستيك، ولم يعد هناك وجود، إلا فيما ندر للشمعة".

أما الفانوس نفسه فتلون بألوان العصر. ففي سنوات سابقة ظهر فانوس "اللمبي" (الممثل محمد سعد)، و"التوك توك" (مركبة ذات ثلاث دواليب تستخدم في الأحياء الشعبية)، و"بوجي وطمطم" (شخصيتان كرتونيتان)، ومحمد صلاح نجم الكرة المصري العالمي وغيرها.

الطريف أن فوانيس رمضان ألقت بنفسها في أحضان السياسة والاستقطاب. فالسنوات القليلة الماضية شهدت صعود فانوس رئيس مصر الأسبق المسجون حالياً محمد مرسي، ثم سقوطه لصالح فانوس الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي لا سيما في رمضان عام 2014. كما كان فانوس اللاعب المصري المحسوب حالياً على جماعة الإخوان المسلمين، والمقيم حاليًا في قطر محمد أبوتريكة ضمن الفوانيس الأكثر مبيعاً على مدى سنوات طويلة قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، ثم اختفى تماماً في السنوات الأخيرة.

تسييس الشهر المعظم

السنوات الأخيرة شهدت محاولات عدة لتسييس رمضان. شد وجذب، ومحاولات استلاب واحتكار بدت في أجرأ صورها في رمضان عام 2013 والذي تزامن واعتصام أتباع جماعة الإخوان المسلمين في ميداني رابعة العدوية سابقاً (المستشار هشام بركات حالياً) في القاهرة والنهضة في الجيزة، والذين حاولوا بإيعاز من قيادات الجماعة تحويل رمضان ولياليه وعباداته من فرض ومناسبة لجميع المسلمين إلى مشهد درامي واستراتيجية تكتييكة للجماعة في محاولة للعودة إلى صدارة المشهد السياسي.

تسييس رمضان من مستجدات السنوات القليلة الماضية، وهي سنوات بزوغ نجم الإسلام السياسي. هذا النجم ساعد في تقوية أواصره وتدعيم قواعده مساعدات مادية ومنح غذائية حرصت جماعة الإخوان وأبناء عمومتها من جماعات الإسلام السياسي الشبيهة على الإفراط فيها في شهر رمضان حيث غذاء الفقراء في مقابل الولاء والأصوات الانتخابية وقت اللزوم.

كرتونة رمضان

لكن تظل "كرتونة رمضان" سمة رمضانية حديثة لم تعد موجودة بشكلها الحالي في رمضان في عصور ولت ودبرت. يقول أحمد مراد، 80 عاماً، موظف متقاعد، إن المساعدات الغذائية والصدقات المقدمة للفقراء سمة رمضانية بامتياز.

وأضاف: "زمان كان الأوفر حظاً يشترون احتياجاتهم الغذائية من البقال بكميات أكثر لمشاركتها مع الأقل حظاً. هذه السلع قد تكون أرزاً ودقيق وسمنا وزيتا وفولا وعدسا، وقد تكون لحماً ودجاجاً. وكانت أيضاً طهي كميات أكبر من أطباق الإفطار لإرسالها إلى الفقراء قبل مدفع الإفطار بقليل. لم نكن وقتها نعرف شيئاً اسمه كرتونة رمضان التي أصبحت مظهراً من مظاهر رمضان في السنوات الأخيرة".

كرتونة رمضان هي الأخرى – منذ خروجها إلى النور- وهي خاضعة للتسييس، سواء من قبل حزب الأغلبية أو الأحزاب المعارضة أو الحالمين بالسلطة أو المتاجرين بها، وتبقى هكذا إلى يومنا هذا.

هذه الأيام الرمضانية وبغض النظر عن الأيديولوجيات السياسية والتوجهات الفكرية تشير إلى استمرار علبة الفول المدمس على موائد المصريين سواء "الناس اللي فوق" أو أولئك "اللي تحت"، أو المؤيدين للنظام أو المعارضين له. الجميع يقف على قلب طبق فول واحد في رمضان، أو بالأحرى طبقين.

في الأول، يكون الفول المدمس البطل الأوحد على مائدة السحور. وفي الثاني يأخذ مكان البطل المساعد على مائدة الإفطار. ويتأرجح سيد الأطعمة المصرية بين "البيتي" المندثر والسوقي المنتعش في صراع واضح بين الأصالة والمعاصرة.

الدماسة الكهربائية

تقول داليا أبو العينين، 40 عاماً،  "إنها من جيل الوسط الذي عاصر "قدرة" الفول المدمس البيتي على عين الموقد الصغيرة على مدى ساعات طويلة، تمتد من بعد السحور إلى موعد الإفطار في اليوم التالي". تقول: "كم من مرة ثرت على أمي وطالبتها بالتوقف عن هذا التعب غير المبرر والطهي غير المسبب طالما أن محال الفول والفلافل منتشرة في كل صوب. وحين تزوجت وأنجبت أبنائي ظللت معتمدة على الفول المدمس الذين نشتريه من المحال في رمضان. لكن هبة الأصالة دفعتني وعدداً من صديقاتي إلى العودة إلى التدميس المنزلي، ولكن عبر دماسة كهربائية لا تستغرق ساعات طويلة كما كانت تفعل أمي".

الحنين إلى الأصالة الذي تفجره الأجواء الرمضانية في مصر في السنوات الأخيرة يعبر عن نفسه كذلك بميل يبدو واضحاً بين الأجيال الشابة لقضاء الأمسيات الرمضانية في مناطق شعبية سياحية. فبين الحسين والسيدة زينب والقلعة وغيرها من الأحياء التي تشتهر بأجواء مصرية أصيلة، بالإضافة إلى توفر مقاهي ومطاعم لا سيما في شهر رمضان، يقبل الشباب والشابات من مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية على تناول الإفطار أو السحور أو قضاء الأمسيات الرمضانية هناك. وتأتي تلك العودة بعد نحو ثلاثة عقود من هيمنة صرعة الخيام الرمضانية في الفنادق الفاخرة والنوادي الاجتماعية والرياضية.

كرة القدم... سيدة المشهد الرمضاني

رياضياً، تبقى كرة القدم سيدة الموقف الرمضاني الشبابي في القاعدة الشعبية العريضة التي لم تندثر تحت هجمة "برمييرليغ" الإنجليزي أو تنقرض أمام طوفان "لاليغا" الإسباني أو حتى تتقهقر أو تتأثر أمام صرعة نوادي تعليم وممارسة كرة القدم لأبناء الأثرياء والنصف أثرياء. وعلى الرغم اندثار "الكرة الشراب" (التي كانت تصنع من الجوارب القديمة)، فإن شوارع عديدة في أرجاء المحروسة تشهد فعاليات الدورات الرمضانية لكرة القدم التي يتم تنظيمها في الشوارع والأحياء، لاسيما الشعبية. الجديد فيها إن بعضها يتم تصويره وبثه عبر "يوتيوب" لعل مكتشف النجوم الكروية يبحث هنا أو مدرب فرق الكبار يوجد هناك.

دورات رمضانية

دورات كرة الشارع الرمضانية تؤخذ مأخذ الجد التام من قبل فرق الشارع والشوارع المجاورة. ويتم تنظيمها تنظيماً محكماً وعمل جداول لها ومواقيت، منها ما تدور رحاه قبل الإفطار، ومنها ما يتم لعبه بعد صلاة العشاء. وهي دورات كاملة متكاملة يلعب الشارع فيها دور البطولة من الألف إلى الياء، بدءاً بالملعب ألا وهو الشارع، مروراً بالحكام ألا وهم الأكبر سناً من السكان من خبراء الساحرة المستديرة، وانتهاء بالفرق وهم شباب ومراهقون وأطفال الشارع والشوارع المحيطة الذين يكونون فرقاً حقيقية.

الطريف أن محافظ بور سعيد اللواء عادل الغضبان قرر إعادة تنظيم دورات كرة القدم الرمضانية في شوارع بور سعيد، بالتنسيق مع إدارات الأحياء لتوفير قدر أكبر من الخدمات لهذه المباريات التي تحظى بنسب مشاهدة عالية.

المسحراتي والفلكلور

العمارات السكنية العالية والأحياء التي باتت مترامية الأطراف وإيقاع الحياة المجنون في زمن ما بعد المسحراتي قضت عليه تماماً في المدن المصرية الكبرى. المسحراتي – تلك المهنة الرمضانية التي كانت متوارثة بين عائلات بسيطة الحال في أرجاء مصر- تحول من مهنة يقوم صاحبها بدور إلى إما كيان فلكلوري أو شخصية درامية. ومع استحالة وصول صوت المسحراتي وهو يجوب الشوارع منادياً السكان بأسمائهم "إصحى يانايم وحد الدائم. رمضان كريم" إلى سكان الطابق الـ15 والـ20 ليستيقظوا لتناول طعام السحور، أصبح ظهوره بين الوقت والآخر مثيراً للعجب وبعض الصدقات.

لكنه أيضاً تحول إلى فقرة ضمن فقرات المطاعم والفنادق الكبرى في ليالي رمضان لإضفاء أجواء لطيفة على الساهرين والساهرات. ويبقى الثنائي الراحل فؤاد حداد وسيد مكاوي بحلقات "المسحراتي" الغنائية في أذهان ملايين المصريين والعرب في شهر رمضان المبارك. بقاء "المسحراتي" بكلماته بالغة الثراء ولحنه عميق الإبداع وصوت مكاوي بالغ الطرب يعلن أن المعاصرة لا تلغي الأصالة والمسحراتي، وإن قضى عليه العمران يبقى حياً في الآذان والوجدان وعبر أثير الشاشات وتطبيقات الهواتف المحمولة.

تطبيقات الهواتف المحمولة التي لا أول لها أو آخر تصطبغ في كل رمضان بألوانه الرمضانية المميزة. فبين رنة مكالمة تسمع المتصل "وحوي يا وحوي" بصوت فرقة "الثلاثي المرح" (ملوك الأغنيات الخفيفة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي) وتصدح في فضاء المتصل به بدقات المسحراتي على طبلته، وتطبيق يؤذن وقت الصلاة ويصيح وقت السحور ويهلل وقت الإفطار يمضي المصريون قدمًا في صيام شهر رمضان للعام الـ1440 هجرياً مبقيين على عادات رمضانية أصيلة وإن تلونت بأطياف عنكبوتية حديثة، ومتجاهلين أخرى لم تعد قادرة على الصمود في وجه الحداثة، ومتأرجحين بين هذه وتلك لحين إشعار آخر.

المزيد من ثقافة