ملخص
تحول المطاط من مادة استخدمها السكان الأصليون في الأميركتين إلى صناعة عالمية ضخمة، لكنه ارتبط تاريخياً باستغلال بشري واسع مثل فظائع ملك بلجيكا ليوبولد الثاني في الكونغو خلال حقبة الاستعمار.
عرف العالم المطاط منذ زمن بعيد من خلال السكان الأصليين في الأميركتين الذين استخدموا عصارة أشجار الهيفيا لصنع كرات مطاطية ومواد مقاومة للماء، وهي معلومات موثقة في موسوعة "بريتانيكا" التي تشير إلى أن المطاط الطبيعي كان جزءاً من ثقافة المايا والأزتيك قبل مئات السنين. واعتمد هؤلاء السكان على غلي العصارة وتشكيلها لأغراض لعب وحاجات يومية، قبل أن يعرفها الأوروبيون خلال القرون اللاحقة.
ومع بداية القرن الـ19، بدأ المخترعون في أوروبا والولايات المتحدة يبحثون عن طريقة لتحسين خصائص المطاط، خصوصاً أنه كان يذوب في الحرارة ويتصلب في البرد، مما حد من استخدامه الصناعي، وفي هذا السياق برز اسم تشارلز غوديير الذي كرّس حياته لهذا المجال.
قصة المطاط
تشير سجلات مكتب براءات الاختراع الأميركي إلى أن غوديير قام بعشرات التجارب بهدف تثبيت خصائص المطاط. وبعد أعوام من الفقر والديون، توصل في 1839 بالصدفة إلى اكتشاف "عملية الفلكنة" عندما سقطت قطعة من خليط المطاط والكبريت على موقد ساخن.
هذا الاكتشاف منح المطاط قدرة على الاحتمال والثبات، وسجل براءة اختراع عام 1844. وعلى رغم أن غوديير غيّر مسار الصناعة الحديثة، فإنه لم يستفِد منها مادياً بسبب تراكم الديون عليه ومات فقيراً. ومع انتشار الصناعات وارتفاع الطلب على وسائل النقل، تحوّل المطاط إلى مادة استراتيجية.
اختراع العجلات
عام 1889 نجح الاسكتلندي جون دنلوب في تطوير أول إطار مطاطي منفوخ بالهواء للدراجات، وفق ما تشير إليه سجلات المتحف الوطني الاسكتلندي، وأدى هذا الابتكار إلى زيادة الطلب العالمي على المطاط بصورة غير مسبوقة مع انتشار السيارات لاحقاً. وأسس دنلوب شركته التي أصبحت من أكبر شركات تصنيع الإطارات في العالم.
المطاط والاستعمار
لكن الوجه الآخر لصعود صناعة المطاط كان أكثر قتامة، خصوصاً في مناطق خاضعة للاستعمار، إذ أدت الحاجة المتزايدة للمطاط إلى ممارسات وحشية في الكونغو الحرة التي حكمها الملك البلجيكي ليوبولد الثاني.
وتؤكد مصادر تاريخية، من بينها الأرشيف الملكي البلجيكي، أن حقبة المطاط في الكونغو شهدت أعمال قتل وتعذيب وحرق قرى وقطع أيدي العمال الذين يفشلون في تحقيق حصص الإنتاج.
وتقدّر دراسات تاريخية بأن ما بين 10 و15 مليون إنسان قضوا نتيجة الأعمال القسرية والمجاعة والأمراض خلال حكم ليوبولد للمنطقة.
ولم تكُن الكونغو وحدها، فقد مارست قوى استعمارية أخرى ضغوطاً مشابهة على مزارعي المطاط في أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا، مما وثقته منظمات إنسانية خلال مراجعاتها لمرحلة الاقتصاد الاستعماري القائم على المواد الخام.
ومع بداية القرن الـ20، خصوصاً خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، ارتفعت أهمية المطاط بصورة كبيرة، إذ دخل في تصنيع المعدات العسكرية مثل الإطارات والخوذ والأحذية والأسلاك والعوازل.
وفي تلك الفترة ظهر المطاط الصناعي الذي طورته شركات أوروبية وأميركية لتعويض النقص في المطاط الطبيعي، مما تشير إليه تقارير "سميزسونيان إنستيتيوشن" Smithsonian Institution حول تاريخ الصناعات الحربية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واليوم يدخل المطاط في معظم تفاصيل الحياة اليومية من تفاصيل صغيرة في السيارات والأجهزة الكهربائية والطب والاتصالات والملابس ومعدات الرياضة، حتى باتت هذه المادة جزءاً لا يمكن فصله عن البنية الصناعية والاقتصادية العالمية.
مخاوف بيئية
لكن أمام هذا الانتشار الهائل، برزت خلال العقود الأخيرة مخاوف بيئية مرتبطة بتوسع مزارع أشجار المطاط على حساب الغابات الطبيعية، وتشير تقارير "غلوبال فورست ووتش" Global Forest Watch إلى أن التوسع الزراعي في تايلاند وماليزيا وإندونيسيا ولاوس تسبب في إزالة مساحات واسعة من الغابات المطيرة.
وفي دراسات نشرتها مجلة "نيتشر ساستينيبيليتي" Nature Sustainability، يؤكد باحثون أن الطلب العالمي على المطاط يسهم في فقدان التنوع الحيوي وارتفاع الانبعاثات الكربونية، إضافة إلى الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات الزراعية في الدول المنتجة.