ملخص
حجب روسيا عن شبكة "ستارلينك" خفّض فعالية ضرباتها المسيّرة بنسبة تصل إلى 40 في المئة ومكّن أوكرانيا من استعادة مواقع ميدانية، في حرب باتت فيها الاتصالات الفضائية عاملاً حاسماً في ترجيح الكفة. الاعتماد المتزايد على المسيّرات حوّل الجبهات إلى مساحات استهداف واسعة وأعاد صياغة العقيدة العسكرية، كاشفاً هشاشة الجيوش الحديثة أمام تفوق تقني يمكن تعطيله بقرار واحد.
تراجعت حملة الطائرات الروسية المسيّرة على أوكرانيا بنسبة تصل إلى 40 في المئة، مما أتاح لأوكرانيا استعادة أراض، بعد أن منع إيلون ماسك روسيا من الوصول إلى شبكة "ستارلينك" الفضائية التابعة له، وفقاً لأحد الجنرالات الأوكرانيين العاملين على الخطوط الأمامية.
قائد الفيلق الثالث في الجيش الأوكراني، البريغادير جنرال أندري بيليتسكي، قال إن تأثير قيام شركة "سبيس إكس" بإيقاف خدمة "ستارلينك" في المناطق الأوكرانية التي باتت تحت سيطرة القوات الروسية الغازية كان هائلاً،
ويضيف في حديثه إلى "اندبندنت" أنه "بعد حجب 'ستارلينك' عن الروس، انخفض مستوى كفاءتهم مقارنة بنا بصورة حادة، لأن 'ستارلينك' تكاد تكون غير قابلة للاستبدال كنظام اتصالات قتالي".
ويتابع أنه "لا يمكن استبدال 'ستارلينك' إلا بـ 'ستارلينك' آخر، ولذلك فإن تأثير حجبها في المسار الحالي للحرب هائل، وخلال الأسبوعين الماضيين شهدت فعالية الضربات الروسية تدهوراً ملاحظاً بنسبة تراوحت ما بين 20 و40 في المئة".
بيليتسكي، مؤسس لواء آزوف ولاحقاً اللواء الهجومي المنفصل الثالث، هو مؤرخ سابق وناشط يميني ومحارب مخضرم يقاتل منذ الغزو الروسي عام 2014، ويتولى حالياً قيادة نحو 12 في المئة من خط الجبهة الممتد على طول 1300 كيلومتر، وتتمركز قواته ضمن ألوية عدة في بعض أكثر قطاعات الجبهة عنفاً، حيث غيرت حرب المسيّرات طبيعة القتال وحولته إلى "منطقة الاستهداف المميتة" بعرض 15 كيلومتراً، تهيمن عليها الطائرات المسيّرة، يختبئ فيها الجنود ويتحركون بسرعة وسط أرض مدمرة بالكامل.
وخلال الأسابيع الأخيرة استعادت أوكرانيا أراض حول بوكروفسك شمال ليمان ضمن منطقة عملياته، وكذلك جنوباً قرب هوليايبول، منذ حُرم الروس من الوصول إلى "ستارلينك"، وتشكل وحدات "ستارلينك" الصغيرة، بحجم جهاز كمبيوتر محمول، العمود الفقري للاتصالات لدى الجانبين، وكذلك تُثبت على طائرات مسيّرة أكبر حجماً وعلى صواريخ "شاهد" الروسية، وتُستخدم في جميع الاتصالات العسكرية على الأرض.
وافرت "سبيس إكس" محطات مجانية لأوكرانيا خلال المراحل الأولى من عملية الدفاع ضد الغزو الروسي، لكن على رغم أن روسيا كانت من أوائل المتبنين للتقنية عبر القطاع الخاص، فإن وزارة الدفاع الأوكرانية تعتقد الآن أن موسكو فقدت تقريباً كل محطة كانت تستخدمها في عملياتها هناك، ويرى بيليتسكي أن الضرر الذي لحق بقدرات روسيا قد يكون طويل الأمد، قائلاً "إنها فرصة عظيمة لأوكرانيا، وأعتقد، وهذا رأي شخصي، أنهم خلال شهر أو شهرين سيستعيدون جزءاً من كفاءتهم بمساعدة وسائل أخرى، مثل اتصالات الأقمار الاصطناعية الروسية وغيرها، لكنهم لن يتمكنوا أبداً من استعادة مستوى الكفاءة الذي كانوا يتمتعون به مع 'ستارلينك' بالكامل في المستقبل المنظور، ولا أعتقد أننا نتحدث حتى عن أفق زمني من ثلاثة أو خمسة أعوام"، فهل كانت تلك ضربة استراتيجية كبيرة للروس بمجرد إجراء تقني بسيط؟ ويجيب أنه بالفعل يتمتع الأميركيون اليوم بتفوق مطلق على أي جيش في العالم، ويتمثل ذلك في "ستارلينك"، ويقول إنه إذا فقدت أوكرانيا أيضاً اتصالها بـ "ستارلينك" فـ "سنكون على المستوى نفسه الذي كان عليه الروس قبل ثلاثة أسابيع".
لكن قصة محطات الأقمار الاصطناعية تكشف عن مدى هشاشة الجيوش الحديثة بسبب اعتمادها على أنظمة فردية، وفي حرب تتطور تقنياً بوتيرة متسارعة يمكن للتحولات اليومية في استخدام طائرات مسيّرة رخيصة نسبياً وقليلة التعقيد التقني أن تُربك حتى أغلى المعدات التقليدية لدى الجيوش، ويحذر مشغلو الطائرات المسيّرة الأوكرانيون، الذين هزموا قوات الـ "ناتو" في تمرين عسكري العام الماضي شارك فيه آلاف الجنود، من أن الأسلحة الروسية من دون طاقم تشكل خطراً كبيراً على الغرب.
وخلال التمرين تمكنت وحدة صغيرة من 10 مشغلين أوكرانيين من تدمير 17 مركبة مدرعة وإلحاق أضرار بـ30 أخرى وشل قدرة فرقة مهاجمة، بل وحتى إيصال مساعدات إنسانية، فمشغلو الطائرات المسيّرة كانوا قد خرجوا للتو من الجبهة الحقيقية، وبالنسبة إليهم كان دحر قوات الـ "ناتو" أمراً في غاية السهولة.
ويقول أحد الطيارين، ميكولا (الاسم الحركي "نك") من اللواء (412) "نيميسيس"، إنه تفاجأ بأن قوات الـ "ناتو" لم تبدُ وكأنها درست الحرب في أوكرانيا والتي تطورت إلى صراع مسيّرات تلاشت فيه الهجمات المدرعة الواسعة، مضيفاً أن "الهجمات الضخمة بالمركبات المدرعة لم تعد مجدية، لأن منطقة الاستهداف المميتة تتسع باستمرار، ووجود أعداد كبيرة من أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة في السماء، نصفها يحدد الأهداف والنصف الآخر يهاجمها، يعني أن الزمن الفاصل بين الرصد والتدمير أصبح قصيراً للغاية".
وقال ضباط كبار إن مناورة "عملية القنفذ" عام 2025 هدفت إلى كشف مدى الحاجة إلى تغيير تكتيكات الـ "ناتو"، فيما يقول أحد الجنرالات، وهو قائد سابق في الـ "ناتو"، "كانت مناورة بقيادة وتنظيم الـ 'ناتو' أُقيمت لتمكيننا من الاستفادة من خبرات جيش متمرس في حرب المسيّرات حتى نتعلم بسرعة ونتكيف، ولذلك كانت نجاحاً لا كارثة صادمة لنا، فالـ 'ناتو' يدرك أنه بحاجة إلى تطوير قدراته في مجال الطائرات المسيّرة بسرعة".
وتتعلم روسيا أيضاً في الوقت الفعلي في ساحة المعركة، مما يضع ضغطاً على عقيدة الـ "ناتو"الدفاعية، إذ إن سرعة تطور التكنولوجيا أصبحت أسرع من قدرة الجيوش على شراء الأسلحة وتكييف عقيدتها العسكرية، وباتت بعض مهمات المروحيات والطائرات المقاتلة القاذفة تُنفذ اليوم بواسطة المسيّرات الأقل كلفة بكثير.
ويحذر ميكولا من أن "الأمر يتغير كل شهر، فكل شهر نكتشف شيئاً جديداً ونبدأ باستخدامه بفعالية، وبعد شهر يجدون وسيلة للتصدي لهذه التقنية، وطوال الوقت تتسع منطقة الاستهداف المميتة ويزداد عدد الطائرات المسيّرة".
وهو يقاتل حالياً قرب بوكروفسك، مسرح أعنف الهجمات الروسية، وهناك تمتد "منطقة الاستهداف المميتة " حتى عمق 20 كيلومتراً، حيث يختبئ البشر طلباً للبقاء تحت سماء مكتظة بالطائرات المسيّرة، وقد أصبحت عمليات الإجلاء الطبي شبه مستحيلة مما يفرض استخدام مركبات أرضية مسيّرة يجري التحكم فيها عن بعد، ويجري تزويد المشاة المختبئين في الملاجئ بالإمدادات جواً بواسطة مسيّرات قاذفة ثقيلة تُسقط نحو 10 كيلوغرامات من الماء والطعام والبطاريات والذخيرة، وهي الحد الأدنى من مستلزمات البقاء.
وقد تُحدث التحولات التكنولوجية المفاجئة أثراً فورياً، والمفتاح هو مدى سرعة استبدال نظام بآخر، وقد بدأت أوكرانيا بالفعل في إنشاء أنظمة اتصالات احتياطية تحسباً لانقطاع "ستارلينك"، وبالتعاون مع حلفائها الأوروبيين تنشئ أوكرانيا أيضاً بدائل للبث الاستخباراتي عبر الأقمار الاصطناعية، وسط مخاوف من أن الولايات المتحدة قد تقطعه إذا انهار ما يُعرف بمحادثات السلام مع روسيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقرب الخطوط الأمامية في الجبهة الشرقية يتحصن مشغلو المسيّرات في ورش عمل يقومون فيها يومياً بتعديل معداتهم وإصلاحها وتحديثها، وترسل شركات أوروبية مصنعة للأسلحة كثيراً من معداتها لاختبارها هناك، ويقول المشغلون إن أياً منها لا يضاهي المنتجات الأوكرانية الأرخص ثمناً والأكثر وفرة، ويعزون ذلك إلى أن الدافع في أوروبا هو الربح لا الدفاع الوطني.
ويقول رجل يُدعى يوجين "قد نتعرض لضربات صاروخية روسية في أية لحظة، أو لمسيّرات بعيدة المدى أو متوسطة المدى أو لقنابل جوية، ونحن قريبون جداً من خط الجبهة"، وقد جرى "شراؤه" من وحدة أخرى في مقابل شاحنة صغيرة، كما لو كان لاعب كرة قدم، لأنه مهندس طائرات مسيّرة من الطراز الأول.
وعن أهمية القرب من خط المواجهة يقول "نعم، لأننا لا نملك عدداً كبيراً من المسيّرات، ولذلك علينا إصلاحها بسرعة وتكييفها وتعديلها، والبقاء على اتصال دائم مع الوحدات التي تخوض القتال.، فنحن نذهب إليهم بأنفسنا ونحاول باستمرار فهم كيفية استخدامنا للمسيّرات وما الذي نحتاجه، والآن سيأتي تغيير الفصول مما سيجلب مجموعة كاملة من الصعوبات الجديدة".
© The Independent