ملخص
ركزت الوكالات على ارتفاع كميات النفط العائم، وهو النفط الموجود في السفن المتوقفة مدة تتجاوز السبعة أيام، قرب الموانئ الهندية، وعزت ذلك لتخوف المصافي الهندية من العقوبات، لكن الحقيقة أن بعض هذه المصافي كان تقوم بعمليات صيانة، وبعد امتلاء خزاناتها اضطرت السفن إلى الانتظار، ومع انتهاء عمليات الصيانة بعد خمسة أيام جرى تفريغ كل هذه الحمولات.
المتتبع لوسائل الإعلام الغربية، وبخاصة "رويترز" و "بلومبيرغ"، يلاحظ بسهولة تحيزهما لتأييد أفكار معينة، فكلاهما تحاولان إظهار نجاح العقوبات على روسيا وتروجان لفكرة فشل "أوبك+" في إدارة السوق مع وجود فائض ضخم في أسواق النفط، وتتنبآن بانخفاض الأسعار، ويلجأ صحافيو هاتين المنظمتين إلى تجيير أي خبر ليخدم هذه الأهداف.
رفضت شركات التكرير الهندية تسلم 14 شحنة "خام سوكول" الروسي وتوقفت هذه السفن في عرض البحر، وإثر ذلك نشرت "بلومبيرغ" تقريراً فحواه أن العقوبات التي فرضتها "مجموعة السبع" والاتحاد الأوروبي تؤتي أؤكلها، بدليل أن الهند ترفض شراء النفط الروسي، لكن الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، ففي وقت توقفت المصافي الهندية عن شراء "خام سوكول" من الشرق، زادت بصورة كبيرة وارداتها من "خام أورال" من الغرب، والذي يأتي عبر البحر الأحمر، فلماذا تجاهلت "بلومبيرغ" هذه الحقيقة؟
إن توقف شركات النفط الهندية عن شراء "نفط سوكول" الروسي لا علاقة له بالعقوبات المفروضة على النفط الروسي، فقد وقّعت هذه الشركات عقوداً لتوريد هذا الخام عام 2020 بأسعار لا تقل عن حدّ معين، لكن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا والعقوبات التي فرضتها "مجموعة السبع" والاتحاد الأوروبي على النفط الروسي، انخفضت أسعاره بصورة كبيرة مقارنة بالأسعار العالمية، وأصبحت أقل من السعر الأدنى المذكور في العقد، فطالبت المصافي الهندية الشركات الروسية بتغيير العقد وخفض الأسعار، لكن الشركات الروسية رفضت وطالبت الشركات الهندية بالالتزام بالعقد، وعندها رفضت المصافي الهندية تسلم 14 شحنة، وعوضت عنها بشراء "خام أورال" الروسي الذي كان يباع بأسعار أقل، وهنا قلبت "بلومبيرغ" القصة رأساً على عقب وقالت إنها بسبب العقوبات.
وبعد نحو شهر نشرت "بلومبيرغ" خبراً يقول إن الصين تشتري كميات كبيرة من النفط الروسي، واستنتجت أن هذا دليل على تعافي الاقتصاد الصيني، ووقتها انتقدتُ "بلومبيرغ" وقلتُ إن الشركات الصينية اشترت "نفط سوكول" الذي لم تشتره الهند والعالق في البحر على متن 14 ناقلة، بعد أن قررت الشركة الروسية بيعه بسعر مخفض بسبب الكُلف العالية للسفن، وذكرتُ أن الشركات ستقوم بتخزينه وأنه ليس هناك انتعاش اقتصادي في الصين، وبالفعل فهذا ما حصل، فلماذا أخطأت "بلومبيرغ" مرة أخرى؟ لأن تشويه سمعة الصين بأنها تتجاهل العقوبات جزء من الـ "بروباغاندا" التي تروج لها.
أخيراً نشرت وكالة "رويترز" خبراً تقول فيه إن المصافي الصينية تشتري النفط الإيراني تعويضاً عن النفط الفنزويلي الذي خسرته بعد التدخل العسكري الأميركي والقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونسبت المعلومات إلى مصدر مجهول، وهنا تحاول "رويترز" إبراز نجاح إدارة ترمب بتدخلها في فنزويلا، وكيف أنه أثر في الدولة المارقة، الصين، لكن خبر "رويترز" فيه مشكلتان، الأولى أن نوع النفط الإيراني الذي تستورده الصين يختلف تماماً عن النفط الذي تنتجه فنزويلا، والثانية أن النفط الإيراني المشار إليه موجود أصلاً في الصين والسفن تنتظر تفريغها.
وركزت هذه الوكالات على فكرة أن النفط الفنزويلي الذي تبيعه حكومة ترمب يباع في الأسواق بسعر أعلى مما كانت تشتريه الصين من فنزويلا بـ 30 في المئة، ومن ثم فإن ما فعله ترمب مفيد لفنزويلا وشعبها، لكن الحقيقة أن إدارة ترمب بعد أن سيطرت على نحو 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي باعته لبيوت التجارة العالمية بالسعر نفسه الذي كانت فنزويلا تبيعه للصين، وهذه البيوت تبيعه لآخرين بسعر أعلى بـ 30 في المئة، مما يعني أن هذه البيوت هي التي تحقق أرباحاً بمقدار 30 في المئة، وأعلنت الحكومة الأميركية أنها وضعت في حساب فنزويلا 500 مليون دولار من مبيعات النفط، لكن هناك مشكلتان لم تذكرها وسائل الإعلام، الأولى أن العائد على بيع 50 مليون برميل تقدر بنحو 2.5 مليار دولار، فأين ذهب الملياران؟ ولماذا لم تتساءل وسائل الإعلام أين ذهبت هذه الأموال؟ والثانية أن الـ 500 مليون دولار في حساب الحكومة الفنزويلية، لكنها لا تستطيع التصرف بها إلا بموافقة ترمب.
ركزت الوكالات على ارتفاع كميات النفط العائم، وهو النفط الموجود في السفن المتوقفة مدة تتجاوز السبعة أيام قرب الموانئ الهندية، وعزت ذلك إلى تخوف المصافي الهندية من العقوبات، لكن الحقيقة أن بعض هذه المصافي كان تقوم بعمليات صيانة، وبعد امتلاء خزاناتها اضطرت السفن إلى الانتظار، ومع انتهاء عمليات الصيانة بعد خمسة أيام جرى تفريغ كل هذه الحمولات، وذكرت "رويترز" أن الحكومة الهندية سيطرت على ثلاث حاملات نفط إيرانية، وجرى ربط ذلك بالاتفاق الجديد بين الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الهندي مودي، وذهب كثير من المعلقين إلى أن ما تقوم به الهند هو نتيجة الاتفاق التجاري الجديد، لكن الحقيقة غير ذلك إطلاقاً، وهذه السفن الصغيرة تقوم بتهريب المنتجات النفطية من إيران إلى الهند لأن سعرها في الهند أضعاف سعرها في إيران، ومن ثم فهي عمليات غير قانونية من وجهة نظر إيران والهند معاً، وإحدى السفن فارغة بينما السفينتان الأخريان محملتان بكميات قليلة من المنتجات النفطية.
وبالنسبة إلى الهند فإن عمليات التهريب هذه تؤدي إلى خفض الطلب على المنتجات النفطية التي تنتجها المصافي الهندية، ووقف عمليات التهريب يجبر من يستخدم المنتجات المهربة على شراء المنتجات النفطية المحلية من السوق ثم يدفع الضرائب عليها، والضرائب على المنتجات النفطية في الهند من الأعلى في العالم، وبعبارة أخرى فهناك محاولات من وسائل الإعلام المذكورة لإقناع الناس بأن الحظر يؤتي أُكُله، وأن الحكومة الهندية متعاونة، لكن الواقع غير ذلك، فقد ركزت هذه الوكالات على الانخفاض الكبير في إيرادات الحكومة الروسية من مبيعات النفط والغاز، وعزت ذلك للعقوبات المفروضة، ولو نظرنا إلى التفاصيل فسنجد أن معظم الانخفاض يعود لانخفاض أسعار النفط وضرب المسيّرات الأوكرانية للمصافي الروسية وليس للعقوبات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ركزت وسائل الإعلام على وجود فائض ضخم في أسواق النفط وعلى الزيادة الكبيرة في كمية النفط المحملة على السفن أو ما يمكن ترجمته بـ "النفط على الماء" أو "النفط في البحار"، وقالت إن هذه الزيادة ستودي إلى زيادة تاريخية في المخزون، ومن ثم فإن أسعار النفط ستنخفض بصورة كبيرة، وعزت الزيادة هذه لقيام "مجموعة الثمانية" في "أوبك+" بزيادة الإنتاج، لكن وسائل الإعلام هذه تجاهلت حقائق عدة وأهمها:
أولاً: بدء تصدير النفط الكندي من غرب كندا للمرة الأولى، وهذا يعني وجو كميات نفط إضافية في البحر لم تكن موجودة سابقاً، وكندا لا علاقة لها بـ "أوبك+".
ثانياً: عودة تصدير النفط العراقي من الشمال عبر "أنبوب جيهان" التركي بعد قرابة ثلاثة أعوام من التوقف، ومن ثم فهذه زيادة تتعلق باتفاق الحكومة المركزية مع حكومة كردستان والشركات النفطية، ولا علاقة لها بـ "مجموعة الثمانية" في "أوبك+".
ثالثاً: تحويل كميات كبيرة من النفط البرازيلي من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين، ففي الوقت ذاته انخفضت صادرات البرازيل، والمسافة إلى الصين ثلاثة أضعاف المسافة إلى الولايات المتحدة وضعفي المسافة إلى أوروبا، وهنا انخفض المعروض بينما زادت كميات النفط المنقولة على السفن مما أدى إلى نقص المعروض لا زيادته.
رابعاً: معظم الزيادة في صادرات "مجموعة الثمانية" المنقولة بحراً ذهبت لملء المخزون الذي انخفض بصورة كبيرة في "سيدي كرير" في مصر وأوروبا والهند.
خامساً: المشكلات في البحر الأحمر أجبرت السفن على الدوران حول أفريقيا فزادت المسافة، وهذا يعني زيادة كمية النفط المحمول على السفن.
وخلاصة القول إن هناك أخطاء عامة ترتكبها وسائل الإعلام، لكن ما ذكرته أعلاه هو جزء من إعلام موجه ومعادٍ لدول "أوبك+"، هدفه في النهاية إبقاء أسعار النفط منخفضة.