Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تعيد توترات النيجر المواجهة بين فرنسا وروسيا إلى الواجهة؟

منذ تنفيذ الانقلاب قبل ما يقارب 3 أعوام دخلت البلاد طوراً سياسياً وأمنياً جديداً

في الأسابيع الأولى بعد الانقلاب سعت السلطة العسكرية إلى تثبيت شرعيتها عبر خطاب سيادي يركز على استعادة القرار الوطني (غيتي)

ملخص

لم تؤدِّ التحولات السياسية في النيجر بعد الانقلاب إلى تهدئة المشهد الأمني، بل إن الهجمات المسلحة استمرت بوتيرة لافتة حيث يتقاطع الصراع مع الجماعات المسلحة مع تنافس دولي على النفوذ. وتبدو النيجر مرشحة لأن تكون ساحة احتكاك بارد حيث يتقاطع فشل الأمن مع صراع النفوذ من دون أن يتحول إلى مواجهة مباشرة.

تشهد النيجر تصاعداً في الأخطار الأمنية وتدهور الوضع الميداني، فقد أضاف الانفجار وإطلاق النار الكثيف في 29 يناير (كانون الأول) الماضي، حلقة جديدة إلى سلسلة طويلة من الاضطرابات التي تعرفها البلاد منذ أعوام. وقع الانفجار في محيط قاعدة عسكرية قريبة من مطار نيامي الدولي، أحد أكثر المواقع السيادية تحصيناً في البلاد، في هجوم مسلح أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش النيجري، وفق ما أكدت مصادر أمنية ومحلية. ومع أن القوات الحكومية تمكنت من احتوائه بدعم من تعزيزات عسكرية، لكن ذلك أدى إلى اشتباكات عنيفة وإغلاق موقت للقاعدة الجوية المرتبطة بالمطار، وسط حال من الذعر بين السكان في الأحياء المجاورة. ولاحقاً، أعلن تنظيم "داعش" مسؤوليته عن العملية عبر رسالة دعائية، في تطور يُعد من أخطر الهجمات التي تستهدف منشأة حيوية منذ الانقلاب العسكري في 26 يوليو (تموز) عام 2023.

ويأتي هذا الهجوم في سياق أمني مضطرب تعيشه النيجر منذ فترة طويلة، حيث تواجه البلاد تصاعداً مستمراً في نشاط الجماعات المسلحة، لا سيما في المناطق الغربية والجنوبية المتاخمة لمالي وبوركينا فاسو ونيجيريا. وقد شهدت هذه المناطق، خلال الأعوام الأخيرة، هجمات متكررة استهدفت قواعد عسكرية وقوافل أمنية ومدنيين، مما جعل التهديد الأمني عنصراً ثابتاً في المشهد الوطني، يتجاوز كونه طارئاً ظرفياً.

في موازاة ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في اليوم ذاته، إصدار أوامر بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين في حالات الطوارئ وأفراد أسرهم من النيجر، في خطوة عكست تقييماً رسمياً بتدهور الوضع الميداني وارتفاع مستوى الأخطار، وأعادت تسليط الضوء على القلق الدولي المتزايد إزاء استقرار البلاد. وعقب الهجوم، وجّه المجلس العسكري الحاكم اتهامات مباشرة إلى فرنسا، إضافة إلى بنين وساحل العاج، متهماً إياها بالضلوع في دعم منفذي العملية، في حين أعلنت القيادة العسكرية شكرها لروسيا على ما وصفته بدعم أمني واستخباري. وتندرج هذه التصريحات ضمن مناخ سياسي وأمني مشحون، يتقاطع فيه التوتر الداخلي المزمن مع تحولات إقليمية ودولية متسارعة، تجعل من النيجر ساحة مفتوحة لتحديات أمنية ممتدة أكثر من كونها أزمة عابرة.

 

نقطة تحول

منذ تنفيذ الانقلاب قبل ما يقارب ثلاثة أعوام، دخلت النيجر طوراً سياسياً وأمنياً جديداً، عقب إطاحة وحدات من الحرس الرئاسي بالرئيس محمد بازوم، وإعلان الجنرال عبدالرحمن تشياني، قائد الحرس الرئاسي، رئيساً للمجلس الوطني لحماية الوطن. لم يكن الانقلاب حدثاً معزولاً عن سياقه، بل جاء تتويجاً لتراكمات داخلية شملت هشاشة اقتصادية، وضغوطاً اجتماعية، وتحديات أمنية مزمنة في فضاء إقليمي مضطرب.

في الأسابيع الأولى بعد الانقلاب، سعت السلطة العسكرية إلى تثبيت شرعيتها عبر خطاب سيادي يركز على استعادة القرار الوطني، وإعادة رسم علاقات النيجر الخارجية. هذا المسار قاد إلى مواجهة مفتوحة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس"، التي فرضت عقوبات اقتصادية ومالية، وهددت بتدخل عسكري، قبل أن تتراجع حدة التصعيد تدريجاً مع تعقّد المشهد الإقليمي. داخلياً، رافق ذلك إعادة هيكلة للمؤسسات الأمنية والعسكرية، في وقت كانت فيه البلاد تواجه نشاطاً متصاعداً للجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش".

على المستوى الدولي، مثّل الانقلاب نقطة تحول في ميزان النفوذ، فدخلت العلاقة مع فرنسا مرحلة قطيعة متسارعة، تُرجمت بإنهاء الوجود العسكري الفرنسي وسحب القوات بحلول ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، في خطوة أعادت تشكيل الخريطة الأمنية في الساحل. في المقابل، اتجهت نيامي إلى تعزيز تعاونها مع روسيا، سياسياً وأمنياً، ضمن مقاربة تسعى إلى تنويع الشركاء وإعادة تعريف منظومة الدعم الخارجي.

لم تؤدِّ التحولات السياسية إلى تهدئة المشهد الأمني، بل إن الهجمات المسلحة استمرت بوتيرة لافتة، حيث يتقاطع الصراع مع الجماعات المسلحة مع تنافس دولي على النفوذ. وبينما تسعى السلطة العسكرية إلى ترسيخ الاستقرار وبناء معادلة سيادية جديدة، تظل البلاد واقفة عند تقاطع هشّ بين طموح إعادة التأسيس وضغوط واقع أمني ممتد، يدفع المدنيون كلفته اليومية.

طابع مركب

يتخذ التنافس الفرنسي - الروسي على النيجر طابعاً مركباً، يتجاوز حدود النفوذ التقليدي إلى صراع هادئ على إعادة تعريف من يمتلك مفاتيح التأثير في قلب الساحل الأفريقي. هذا التنافس لم يولد مع الانقلاب، بل تعود جذوره إلى ما بعد عام 2014، حين عززت فرنسا حضورها العسكري في النيجر ضمن عمليتي "سيرفال" ثم "برخان"، مستندة إلى شراكة أمنية وثيقة مع السلطات المنتخبة آنذاك، ومكانة استراتيجية لنيامي بوصفها قاعدة ارتكاز في الحرب الإقليمية على الجماعات المتطرفة.

على الضفة الأخرى، بدأ الحضور الروسي يتشكل تدريجاً منذ أواخر العقد الماضي، عبر أدوات غير مباشرة شملت التعاون الأمني، والاتصالات السياسية، وخطاباً سيادياً وجد صدى لدى نخب عسكرية وشعبية تنظر بريبة إلى الإرث الفرنسي، ومع تصاعد الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو، انتقل هذا الحضور من الهامش إلى قلب المعادلة، ليبلغ ذروته في النيجر عقب إطاحة الرئيس محمد بازوم.

تستند فرنسا في هذا التنافس إلى مقومات تاريخية ومؤسسية، تشمل شبكة علاقات سياسية واقتصادية، واستثمارات في قطاعي الطاقة واليورانيوم، إضافة إلى خبرة أمنية متراكمة. في المقابل، تعتمد روسيا على مقاربة أكثر مرونة، تركز على الدعم العسكري والأمني السريع، وتقديم نفسها شريكاً لا يربط التعاون بشروط سياسية معلنة، مع استثمار واضح في خطاب مناهض للنفوذ الغربي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجلّت ملامح هذا التنافس بوضوح في الأشهر الأخيرة، فقد اتهم الجنرال تشياني فرنسا، إلى جانب بنين وساحل العاج، برعاية أو دعم جماعات مسلحة نفذت هجمات استهدفت منشآت حيوية، من بينها محيط مطار نيامي الدولي، وهو اتهام رفع مستوى التوتر إلى مرحلة غير مسبوقة. في الوقت ذاته، أشادت القيادة العسكرية بالدور الروسي في دعم القوات النيجرية خلال التصدي للهجمات، في إشارة سياسية تتجاوز البعد الأمني.

تتجسد المخرجات الحالية لهذا التنافس في قطيعة شبه كاملة بين نيامي وباريس، وانسحاب القوات الفرنسية بنهاية عام 2023، مقابل توطيد الشراكة مع موسكو، غير أن هذا التحول لم يفضِ إلى استقرار فوري، إذ لا تزال الجماعات المسلحة تستثمر هشاشة المرحلة الانتقالية.

وقود الصراع

يعكس تبني تنظيم "داعش" الهجمات المتصاعدة في النيجر ومالي تحولاً نوعياً في سلوكه من جماعة تسعى إلى إثبات الحضور عبر العنف الرمزي، إلى فاعل مسلح يعمل بمنطق السيطرة على الموارد. فالتنظيم، عبر تشديد قبضته على مناطق التعدين غير النظامي، يعيد إنتاج نفسه كقوة مالية - عسكرية، تدرك أن الاستدامة لا تُبنى بالعمليات وحدها، بل بالتحكم في شرايين الاقتصاد الهش للدول الطرفية. في حال النيجر، يحمل هذا التحول تداعيات مباشرة على الاقتصاد الوطني، فالنيجر تعتمد على قطاع التعدين، لا سيما اليورانيوم والذهب، بوصفه ركيزة أساسية للإيرادات وفرص العمل في مناطق تعاني أصلاً التهميش. تمدد التنظيم نحو هذه القطاعات يعني ضرباً مزدوجاً من تقويض قدرة الدولة على تحصيل العوائد، وخلق اقتصاد ظل تموله شبكات تهريب عابرة للحدود، ومع كل منجم يُفرض عليه الإتاوة أو يُغلق بفعل العنف، تتآكل ثقة المستثمرين، وتُستنزف موارد الدولة في مسارات أمنية بدل التنمية.

يتجاوز أثر هذا المسار حدود النيجر، فالجغرافيا المفتوحة للساحل تجعل من السيطرة على التعدين بوابة للتمدد الإقليمي. الذهب المستخرج في شمال مالي أو غرب النيجر لا يبقى في مكانه، بل يعبر نحو أسواق غير رسمية تمتد إلى بوركينا فاسو وتشاد ونيجيريا، حاملاً معه أخطاراً أمنية وتمويلاً دائماً للعنف. بهذا المعنى، يتحول التنظيم إلى تهديد بنيوي لموارد دول الجوار، لا عبر احتلال الأرض فقط، بل عبر إعادة توجيه ثرواتها خارج سلطة الدولة.

أما روسيا، فتجد نفسها في موقع معقد داخل هذه المعادلة. حضورها المتزايد في الساحل، من خلال شراكات أمنية ودعم للسلطات العسكرية، يضعها أمام اختبار مزدوج، دعم الاستقرار وحماية المنشآت الحيوية من جهة، وتفادي الانزلاق إلى مشهد تتشابك فيه الموارد مع النزاع المسلح من جهة أخرى. فروسيا، الساعية إلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد، تدرك أن تمدد تنظيم مسلح في قطاع التعدين يهدد أي ترتيبات اقتصادية أو أمنية مستقبلية، أما تبني "داعش" هذه الهجمات فيأتي في إطار محاولة إعادة رسم ميزان القوة عبر الاقتصاد، وتحويل الموارد الطبيعية إلى وقود لصراع مفتوح، ينذر بأن معركة الساحل المقبلة ستُخاض بقدر ما حول المناجم، بقدر ما ستُخاض حول العواصم.

حسابات معقدة

يعيد الانفجار الأمني في النيجر طرح سؤال المواجهة الفرنسية - الروسية في غرب أفريقيا بصيغة أكثر تعقيداً من استعادة خطوط صراع سابقة. فالمشهد الراهن يشير إلى انتقال التنافس من طور الحضور العسكري المباشر إلى طور أعمق، تُدار فيه المواجهة عبر الأمن، والموارد، وقدرة الشركاء المحليين على الصمود. ففرنسا، التي فقدت ركائز انتشارها التقليدية في الساحل بعد انسحابات متتالية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لم تغب عن المعادلة بقدر ما أعادت تموضعها سياسياً ودبلوماسياً، محافظة على أدوات تأثير غير صلبة، تشمل شبكات اقتصادية، ونفوذاً داخل أطر إقليمية، وحضوراً استخبارياً غير معلن.

في المقابل، يتحرك الحضور الروسي وفق منطق تثبيت المكاسب لا توسيع الجبهات، فموسكو، المنخرطة في دعم السلطات العسكرية الجديدة، تدرك أن انفلات الوضع الأمني يهدد بتحويل النفوذ المكتسب إلى عبء استنزافي، خصوصاً مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة حول المنشآت الحيوية وقطاعات التعدين. ومن ثم، يتركز سلوكها على تعزيز قدرات الشركاء المحليين، وربط الأمن بالسيطرة على الموارد، باعتبارها أساس الاستقرار طويل الأمد.

الانفجار الأمني، في هذا السياق، لا يعيد المواجهة بين باريس وموسكو إلى شكلها الصدامي الكلاسيكي، بل يدفعها نحو منافسة غير متناظرة. ففرنسا تراهن على هشاشة الترتيبات الجديدة، وعلى أن الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية ستحد من قدرة السلطة في نيامي على ضبط المجال الأمني، بينما تراهن روسيا على عامل الزمن، وعلى أن ترسيخ حضورها في لحظة الانكفاء الغربي سيمنحها موقعاً تفاوضياً متقدماً في مستقبل الساحل.

تبدو النيجر مرشحة لأن تكون ساحة احتكاك بارد، حيث يتقاطع فشل الأمن مع صراع النفوذ من دون أن يتحول إلى مواجهة مباشرة. فالجماعات المسلحة، وفي مقدمها تنظيم "داعش"، باتت لاعباً ضاغطاً يعقد حسابات الطرفين، ويجعل الصراع الحقيقي يدور حول من يملك القدرة على تحويل النفوذ إلى استقرار فعلي. وفي هذا الاختبار، لن يُقاس الحضور الدولي بحجم القواعد، بل بقدرته على منع انهيار الدولة من الداخل.

المزيد من تحلیل