ملخص
سجل نمو في الطلب على المهارات الاجتماعية والعاطفية بنسبة 26 في المئة في الولايات المتحدة و22 في المئة في أوروبا حتى عام 2030، تلك المهارات المتجذرة في الذكاء الاجتماعي والعاطفي، مثل حل النزاعات، التي تعتمد على التعاطف والفهم ضمن السياق، سيكون من الصعب على الآلات محاكاتها.
في يناير (كانون الثاني) 2025 نشر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره السنوي لمستقبل الوظائف، في هذه الأثناء كانت هبة تجلس وراء مكتبها تطالع المواقع الإلكترونية وتتأمل شاشة حاسوبها بقلق متزايد، أثار دهشتها الرقم الذي تصدر التقرير، حيث 40 في المئة من المهارات الأساسية للعاملين ستصبح قديمة بحلول 2030، وبينما تقرأ عن أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي تكتب الأكواد بكفاءة مذهلة، بدأ القلق يتسرب إلى قلب مهندسة البرمجيات ذات الـ30 ربيعاً التي أنفقت جل عمرها في صقل مهاراتها التقنية، وتساءلت في نفسها "ماذا سيتبقى لي إذاً"؟.
هو قلق يمكن أن يعتري ملايين المحترفين حول العالم الذين يواجهون ذات التساؤل الوجودي، ما الذي يجعل الإنسان لا غنى عنه، في عالم تهيمن عليه الآلات الذكية؟ لكن الإجابة أبسط بكثير مما يمكن أن يفكر به العقل البشري.
بصمة الإنسان
الذي يجعلنا لا مثيل لنا، هو المهارات التي لا مثيل لها، تلك التي لا تقدر بثمن لأنها بصمة متفردة صقلتها تجارب مختلفة لكل منا ومخزون من المعارف والتجارب لا تتطابق حتى بين التوائم، هي المهارات القابلة للنقل، مهارات غير مرتبطة بزمان أو مكان أو ظرف، تنتقل معنا من وظيفة إلى أخرى، بل ومن عصر تكنولوجي إلى آخر، هي منا أينما ذهبنا ونحن معها مكتفون ذاتياً، إذ لا تحتاج إلى أية أدوات خارجية.
هي المهارات المتمحورة حول الإنسان، التي تذكر الإنسان بأصالة ما لديه، ولا يمكن للآلات مهما بلغت ذكاء أن تصل إليها، وهي حجر العقد في الحياة المهنية، على رغم أن توظيفها لا يقتصر على المهنة، بل يمتد ليكسب المرء ذكاء في التعامل مع المستجدات والظروف الحياتية وتحويل كل مهمة إلى تحد ممتع.
مهارات إنسانية
قدم تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي استطلع ما يزيد على ألف مؤسسة توظف أكثر من 14 مليون عامل، آخذاً بالاعتبار صعود الذكاء الاصطناعي والآثار المترتبة عليه، صورة جديدة تكشف عن تحول جذري في سوق العمل، وأخطر ما في هذا التحول ليس حجمه بل طبيعته، ربما هي المرة الأولى، التي تحتل فيها المهارات الإنسانية (التفكير التحليلي وحل المشكلات، والإبداع والابتكار، والمرونة والقدرة على التكيف، والقيادة والتأثير الاجتماعي، والإشراف البيئي والامتثال لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، والذكاء العاطفي والتعاطف) سبعة من أصل 10 مراكز في قائمة المهارات الأسرع نمواً في الطلب، لتتراجع المهارات التقنية، التي كانت تتصدر هذه القوائم لعقود، إلى مراتب ثانوية.
وفي الصورة الكبيرة، لا يمكننا اعتبار هذه النتيجة مجرد رقم إحصائي، بل الأجدى النظر إليها كإنذار باكر لواقع جديد، يقول لك إن المهارات التقنية المتخصصة مهما بلغت أهميتها، تصبح في عالم يتسارع بوتيرة غير مسبوقة أصولاً سريعة التقادم، وإن المهارات القابلة للنقل هي رأسمالك الحقيقي.
إلى الأتمتة
وفي السياق، أصدرت "ماكنزي" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 دراسة بعنوان "الوكلاء والروبوتات ونحن: شراكات المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي"، لكن النتائج جاءت أكثر دراماتيكية، إذ خلصت الدراسة، التي حللت سوق العمل الأميركي بتفصيل غير مسبوق، إلى أن 57 في المئة من ساعات العمل الحالية يمكن أتمتتها بالتكنولوجيا المتوفرة اليوم (ليس في المستقبل البعيد)، وصنفت المهن ذات الاحتمالات الأقل للأتمتة، بأنها مهن تتمحور حول الإنسان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما سجل نمو في الطلب على المهارات الاجتماعية والعاطفية بنسبة 26 في المئة في الولايات المتحدة و22 في المئة في أوروبا حتى عام 2030، تلك المهارات المتجذرة في الذكاء الاجتماعي والعاطفي، مثل حل النزاعات، التي تعتمد على التعاطف والفهم ضمن السياق، سيكون من الصعب على الآلات محاكاتها.
ومهارة كهذه لم تكن تحظى بهذا القدر من الاهتمام قبل دخولنا عالم ما بعد الجائحة، إذ تزايدت التوترات في أماكن العمل وتضاعفت الضغوط الاقتصادية والنزعات السياسية والانقسامات بين الأجيال، لتصبح القدرة على إدارة الخلافات بهدوء واحترافية من أثمن المهارات.
قيمة مضاعفة
مع تسارع وتيرة تبني الأتمتة، تصبح بعض المهارات التي لا يمكن أتمتتها بالكامل اليوم أكثر أهمية في المستقبل، بينما تظهر أشكال عمل ومهارات جديدة كلياً، إذ يمنح امتلاك المهارات القابلة للنقل، مرونة وظيفية تسمح بالتنقل بسلاسة بين قطاعات ومجالات مختلفة، وتساعد في التطور والترقي السريع لمناصب قيادية وإدارية، وتمنح قيمة مضافة للمنافسة في سوق العمل، في دلالة واضحة على القدرة على التعلم والتكيف والنجاح، والأهم من هذا كله أنها تضفي حصانة تحمي مسارنا الوظيفي في ظل التغيرات التكنولوجية السريعة حتى مع تغير المهمات التقنية.
ويضاعف عصر الذكاء الاصطناعي من قيمة هذه المهارات، إذ في حين أنه يسهم في أتمتة المهمات الروتينية، يحررنا للتركيز على المهارات الإنسانية العليا، التي يتوجب علينا استخدمها لتوجيه الذكاء الاصطناعي وتقييم نتائجه بحكمة.
كما أنه يغير طريقة تطوير هذه المهارات وتعزيزها، إذ يقدم أدوات جديدة للتعلم تسرع وتيرة اكتساب المعرفة، لذا من الحكمة استخدم الذكاء الاصطناعي كشريك في التعلم لا كبديل عن التعلم، مع الحرص أولاً على اكتساب مهارة صياغة الأسئلة الصحيحة والتوجيهات الدقيقة.
وفي النهاية، تأتي الاستفادة القصوى من تغيير زاوية النظر إلى العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي، والعمل معاً ضمن شراكة ذكية، يكمل كل منا الآخر، هو يزودنا بالسرعة والتحليل للبيانات الضخمة، ونحن نمده بالأفكار المبدعة وشيئاً من الالتزام بالأخلاق، وبينما تحلل الخوارزميات البيانات بسرعة خارقة وتدير الأدوات الرقمية المشاريع بدقة متناهية، نستثمر نحن في قدرتنا على فهم الاحتياجات غير المعلنة لأعضاء الفريق وحل النزاعات وتحفيز الآخرين في أوقات الأزمات، فالمستقبل باختصار للشخص الذي يعرف نقاط قوته البشرية، ويستثمرها بذكاء في تعاون استراتيجي مع الآلة.