Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نباتية الذكاء الاصطناعي"… توجه ناشئ فهل يجد من يتبناه؟

مشكلات بعض الناس مع الأدوات التوليدية توازي مخاوف النباتيين من النظام الغذائي

يشبه هذا التوجه مواقف الامتناع النباتي التي تنطلق عادة من اعتبارات أخلاقية أو بيئية أو صحية (غيتي)

ملخص

يرصد التقرير تصاعد توجه يعرف بـ"نباتية الذكاء الاصطناعي"، يتبناه أفراد يرفضون استخدام الأدوات التوليدية بدوافع أخلاقية وبيئية ومعرفية، في ظل القلق من استنزاف الموارد واستغلال الإبداع البشري وتراجع التفكير النقدي.

عمر، مصمم "غرافيكس" يعمل في مجال الإبداع البصري، ينتمي إلى شريحة آخذة في الاتساع من المستخدمين الذين اختاروا الامتناع عن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أعمالهم، وهو موقف يضعه ضمن فئة باتت تعرف بـ"نباتيي الذكاء الاصطناعي".

ويطلق هذا التوصيف على أشخاص يقررون، عن قناعة، تقليص أو إيقاف اعتمادهم على أنظمة ذكاء اصطناعي مدرّبة على بيانات ضخمة لإنتاج النصوص والصور والموسيقى والترجمة.

وفي جوهره، يشبه هذا التوجه مواقف الامتناع النباتي التي تنطلق عادة من اعتبارات أخلاقية أو بيئية أو صحية، غير أن التحدي هنا يبدو أكثر تعقيداً.

فالذكاء الاصطناعي لم يعُد أداة منفصلة يمكن عزلها بسهولة، بل أصبح جزءاً من البنية التحتية للحياة الرقمية، مما يجعل الامتناع الكامل عنه أقرب إلى حمية رقمية صارمة يصعب الالتزام بها بصورة كاملة.

وفي هذا السياق، رصدت قناة "يورو نيوز" الأوروبية ضمن تقرير لها تصاعد ما سمته "نباتية الذكاء الاصطناعي"، مسلطة الضوء على جيل شاب يرفض الاعتماد على أدوات مثل "تشات جي بي تي"  ChatGPT، معتبرة أن هذه التقنيات تقوم على ممارسات غير أخلاقية، سواء من ناحية الاستهلاك المكثف للموارد، أو تدريب النماذج على أعمال إبداعية من دون موافقة أصحابها، فضلاً عن تأثيراتها المحتملة في القدرات الذهنية والتفكير النقدي.

ونقلت "يورونيوز" شهادات لشبان وشابات قرروا الامتناع عن الذكاء الاصطناعي، من بينهم فنانة شابة رأت أن منافسة الأعمال البشرية مع أخرى مولدة آلياً تمثل "إهانة للإبداع"، ووصفت الاستمرار في الاعتماد على هذه الأدوات بأنه "خيانة أخلاقية" لأعوام من التعلم والعمل الذاتي.

"نباتيو الذكاء الاصطناعي"

هذا التوجه تناولته صحيفة "ذا غارديان" البريطانية في مقالة للكاتبة أروى مهداوي، طرحت خلالها ظاهرة ما يعرف بـ"النباتيين رقمياً" أو بمسميات ( AI Vegans) أو (Digital Veganism)، وهم الرافضون لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وظهر المصطلح كاتجاه نقاشي بين عامي 2023 و2024، بالتزامن مع الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدوات توليد الصور والصوت.

 

وتشير مهداوي إلى أن هذا التوجه ينبع من دوافع بيئية وأخلاقية وصحية، في ظل تصاعد القلق من الأثر المعرفي والبيئي للتكنولوجيا الحديثة، وتناقش كيف بات الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات حول تأثيره في قدرات التفكير النقدي، فضلاً عن كلفته البيئية العالية واستغلاله لجهود المبدعين، معتبرة أن الامتناع عن استخدام هذه التقنيات، ولو جزئياً، أصبح لدى بعض الأفراد نوعاً من أنواع الوعي الرقمي في مواجهة "الاستهلاك التكنولوجي المفرط".

الدوافع الثلاثة الكبرى للمقاطعة

بحسب تقرير نشرته منصة "ذا كونفرسيشن" الأكاديمية، تناول الباحث في كلية الحوسبة بمعهد جورجيا للتكنولوجيا ديفيد جوينر ظاهرة ما يعرف بـ"نباتية الذكاء الاصطناعي"، مشبهاً امتناع بعض الأفراد عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بالتوجه النباتي في النظام الغذائي، من ناحية الدوافع الأخلاقية والبيئية والشخصية.

ويوضح التقرير أن هذا الرفض لا يمكن اعتباره مرحلة موقتة في مسار تبني التكنولوجيا، كما تفترض النماذج التقليدية، إذ تظهر دراسات حديثة أن عدداً من الرافضين ينتمون إلى فئات تُعد عادة من المتبنين الأوائل مثل طلاب الجامعات.

ويربط جوينر هذه الظاهرة بما يعرف بـ"النفور من الخوارزميات"، إذ يميل الأفراد إلى تفضيل القرارات البشرية على الآلية، حتى عندما تثبت الأخيرة كفاءة أعلى.

ويشير التقرير إلى أن دوافع هذا التوجه تتقاطع مع ثلاثة أسباب رئيسة تقف خلف انتشار النباتية التقليدية، تشمل المخاوف الأخلاقية المرتبطة باستخدام الأعمال الإبداعية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي من دون موافقة، والقلق من الأثر البيئي المتزايد لاستهلاك الطاقة والمياه، إضافة إلى مخاوف تتعلق بالرفاه الشخصي والتأثير المحتمل للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التفكير النقدي والاستقلال المعرفي.

وأوردت دراسة صادرة عن مركز أبحاث "مايكروسوفت" أن الاعتماد العالي على الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يترافق مع تراجع في التفكير النقدي، بينما أظهر استطلاع لجامعة كامبريدج عام 2025 أن بعض الطلاب يتجنبون استخدامه خشية أن يقلل من اجتهادهم أو اعتمادهم على الذات، أو تؤدي الواجب عنهم قبل أن يفهموه.

الذكاء الاصطناعي يعلق على نفسه

وسألت "اندبندنت عربية"، "تشات جي بي تي" عن رأيه، فأجاب "هم يذكّروننا بألا ننجر وراء التقنية بلا وعي، وهذا شيء أحترمه… لكن الامتناع الكامل عن الذكاء الاصطناعي قد يفوت فرصاً كبيرة للتطوير والمعرفة".

وأشار إلى أن "وجود فئة ناقدة مثل ’نباتيي الذكاء الاصطناعي‘ قد يكون مفيداً لي على المدى الطويل لأنه يجبر المطورين على جعل النماذج أكثر أماناً وشفافية وأخلاقية… بالتالي يضمن استمراري بطريقة مقبولة اجتماعياً".

بين القبول والرفض

في سياق متصل، ناقشت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنامي القلق من تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وصعوبة التمييز بين ما ينتجه البشر وما تنتجه الآلة.

وتساءلت الكاتبة سارة أوكونور عما إذا كنا بحاجة إلى علامات تشير إلى أن المحتوى "صنعه البشر"، في ظل صعوبة التحقق من تدخل الذكاء الاصطناعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتلفت إلى أن بعض المؤلفين يبثون عملية الكتابة مباشرة لتفادي الاتهام باستخدام الذكاء الاصطناعي، فيما يفرض قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي وسم أنواع معينة من المحتوى المُنشأ آلياً.

وفي صناعة ألعاب الفيديو، بدأت منصات رقمية بإلزام المطورين الإفصاح عن استخدامهم لأدوات الذكاء الاصطناعي، مع تسجيل ارتفاع كبير في عدد الألعاب التي تعلن ذلك.

لكن هذا المنحى يواجه اعتراضات من مطورين يرون أن استخدام الذكاء الاصطناعي بات جزءاً شائعاً من عملية التطوير، وأن تصنيفه قد يكون غير عملي أو غير قابل للتحقق، فيما يخشى آخرون من فقدان وظائف أو من تدريب النماذج على محتوى بشري من دون إذن.

وفي موازاة ذلك، فكما أفرزت النباتية صناعة متخصصة تلبي حاجات أتباعها، بدأت بعض الشركات الناشئة الترويج لمنتجات أو خدمات "خالية من الذكاء الاصطناعي"، مستهدفة فئة "النباتيين الرقميين" الذين يبحثون عن تجربة إنسانية خالصة.

والمفارقة اللافتة أن بعض المدافعين عن حقوق الحيوانات، وهم من أشد المنتقدين لاستنزاف الموارد، يستخدمون بدورهم هذه التقنيات ضمن حملاتهم الإعلامية، مما يعكس تعقيد العلاقة مع التكنولوجيا في عالم يصعب الانفصال عنه بالكامل، حتى عند محاولة مقاطعته.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات