Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخاوف من انتقال عدوى الانقسام في ليبيا إلى القضاء

حكم بإلغاء قوانين الانتخابات يشعل السجال القانوني وخبراء يوصون بتعليق الدائرة لدستورية موقتاً

أعضاء المحكمة الليبية العليا أثناء إحدى جلساتها (مواقع التواصل)

ملخص

أكد التجمع الوطني للأحزاب الليبية رفضه تقسيم القضاء الليبي أو الزج به في الصراعات السياسية، لما له من تداعيات على استقرار المجتمع والسلم الأهلي، مطالباً بالحفاظ على وحدة القضاء واستقلاله باعتباره الضامن الأساس للحقوق والحريات والحكم العادل بين الليبيين.

جاء الحكم بـ"إلغاء القوانين الانتخابية" ليشعل السجال السياسي والقانوني في ليبيا المنقسمة على نفسها أمنياً وتشريعياً وتنفيذياً، إذ تعد السلطة القضائية الناجي الوحيد إلى حد الآن من إعصار الانقسامات الذي عصف بالبلاد منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

وتعود مخاوف انقسام السلطة القضائية للحكم الصادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا والذي حكم بعدم دستورية القانون رقم (1) لعام 2020، الذي يؤكد إلغاء جميع القوانين والقرارات المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام بعد انتهاء ولايته (عام 2014)، إذ سبق وأصدر البرلمان الليبي قانوناً ينص على اعتبار جميع القوانين والقرارات المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام ملغاة بعد الثالث من أغسطس (آب) 2014.

تحذيرات

وأكدت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس أن الأحكام نهائية وملزمة لكل السلطات، وتقضي بإنهاء الآثار القانونية للتعديلات المطعون فيها ومن بينها التعديلات على تركيبة وتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وصلاحياته، وإجراءات نقل أعضاء الهيئات القضائية وآلية أداء اليمين القانونية.

ولم يخف "مسار المصالحة وحقوق الإنسان" خلال اجتماع أعمال الحوار المهيكل الذي ترعاه البعثة الأممية للدعم في ليبيا تخوفه من الانعكاسات التي ستلد من رحم الانقسام القضائي، وعلى رأسها صدقية العملية الانتخابية، إثر صدور الأحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطرابلس، والأحكام الصادرة في وقت سابق من هذا الشهر عن المحكمة الدستورية العليا في بنغازي، محذراً من تقويض الثقة في سيادة القانون والعملية السياسية في ليبيا، ومؤكداً أن وجود قضاء موحد ومستقل يعد شرطاً أساساً لإجراء انتخابات ذات صدقية، داعياً المشاركين في "مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان" إلى تحصين القضاء من التدخلات السياسية وما سموه بالاستقطاب، وداعين جميع الأطراف إلى تغليب الحوار على التصعيد، مؤكدين أن حماية استقلال القضاء ووحدته ليست مسؤولية وطنية مشتركة وحسبـ بل شرطاً أساساً للحفاظ على وحدة الدولة وضمان العدالة والاستقرار، وتهيئة بيئة حقيقية للمصالحة الوطنية.

وأكد رؤساء وأعضاء الهيئات القضائية في ليبيا عبر بيان لهم رفضهم تقسيم القضاء، منوهين بأن جميع الهيئات القضائية تتبع "المجلس الأعلى للقضاء" وفق التشكيلة الحالية، باعتباره الجهة الوحيدة المسؤولة عن شؤون أعضاء الهيئات القضائية، داعين إلى تعليق أية مخرجات تتعلق بالشأن الدستوري حتى يجري إقرار دستور دائم، ومطالبين بضرورة توحيد الصف لمنع انهيار السلطة القضائية. 

من جهته أكد "التجمع الوطني للأحزاب الليبية" رفضه تقسيم القضاء الليبي أو الزج به في الصراعات السياسية، لما له من تداعيات على استقرار المجتمع والسلم الأهلي، مطالباً بالحفاظ على وحدة القضاء واستقلاله باعتباره الضامن الأساس للحقوق والحريات والحكم العادل بين الليبيين.

خطورة الانقسام

وقال منسق مكتب الشباب في "حزب السلام والازدهار" أحمد السويحلي إن الخطورة تكمن في أن القضاء هو آخر سلطة يجب أن تبقى موحدة وتقف بمعزل عن التجاذبات السياسية، فبعد انقسام السلطتين التشريعية والتنفيذية ظل القضاء يمثل الحد الأدنى من وحدة الدولة وهيبتها، بحسب رأيه، مضيفاً أن المساس بهذه السلطة يعني عملياً ضرب الأساس الذي تقوم عليه فكرة الدولة، لأن القضاء هو الضامن لسيادة القانون والفاصل بين السلطات والحامي لحقوق المواطنين، وموضحاً بأن الانقسام يعني تحول القانون من مرجعية وطنية جامعة إلى أداة خاضعة لموازين القوة والنفوذ، مما سيؤدي إلى فقدان الثقة العامة في الدولة ومؤسساتها، ويفتح الباب أمام منطق العدالة الخاصة وسلطات الأمر الواقع.

وحذّر منسق مكتب الشباب في "حزب السلام والازدهار" خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" من خطورة استمرار الجمود السياسي، إذ إن الإبقاء على الوضع القائم أثبت أنه أكثر خطورة من أي تغيير، لأن هذا الجمود يسمح لعدوى الانقسام بالتمدد من سلطة إلى أخرى حتى تصل إلى جميع مؤسسات الدولة، مما يؤدي إلى تكريس واقع الانقسام كأمر طبيعي يصعب تجاوزه مع مرور الوقت. 

العملية الانتخابية

وعن تأثير انقسام القضاء في صدقية العملية الانتخابية، أكد السويحلي أن انقسام السلطة القضائية يضرب أسس العملية الانتخابية لأن الانتخابات لا تقوم فقط على تنظيم الاقتراع، بل على وجود قضاء موحد ومستقل يشرف على العملية الانتخابية، ويفصل في النزاعات ويضمن شرعية القوانين والنتائج، منوهاً بأنه في ظل قضاء منقسم تصبح القوانين الانتخابية محل تشكيك وتفقد الطعون الانتخابية معناها، ولا تعود هناك جهة موثوقة يمكن الاحتكام إليها، وهو ما يحول الانتخابات من أداة للحل إلى عامل إضافي للصراع. 

ولاحظ المتحدث ذاته أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حذرت من تأثير هذا الانقسام في العملية الانتخابية، مشدداً على أنه تحذير يعكس إدراكاً دولياً بأن استمرار الوضع القائم يبعد الاستحقاق الانتخابي بدلاً من تقريبه، فقد وصلت ليبيا إلى مرحلة بات من شبه المستحيل معها إجراء انتخابات ذات صدقية في ظل سلطات الأمر الواقع التي عملت على تقسيم كل ما كان موحداً داخل الدولة، قائلاً إن هذا الواقع يفرض تغيير المقاربات السياسية المتبعة، ومحمّلاً "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" مسؤولية سياسية وأخلاقية نتيجة استمرار تماهيها مع هذه السلطات بدلاً من الدفع نحو مسار يعالج جذور الأزمة لا أعراضها.

وفي الإطار أشار السويحلي إلى "أهمية اللجوء إلى آلية الاستفتاء العام على أي مسار تعتزم البعثة الدفع به، باعتبار أن الاستفتاء يعزز شرعية المسار وينقل القرار من غرف التوافقات المغلقة إلى الإرادة الشعبية المباشرة، ويمنح المواطن الليبي قوة حقيقية في تقرير مستقبله على حساب سلطات الأمر الواقع"، مبيناً أن ليبيا باتت بحاجة إلى الذهاب نحو جسم تأسيسي وطني يعيد توحيد المؤسسات ويُخرج سلطات الأمر الواقع من المشهد، ويمهّد لمسار بناء الدولة الحديثة وتهيئة بيئة دستورية ومؤسسية سليمة تُمكن من إجراء انتخابات وطنية.

التوصيات 

واعتبر المترشح لرئاسة ليبيا ورئيس "حزب النداء" أكرم الفكحال أن ما يحدث ليس حدثاً معزولاً بل هو نتيجة مباشرة لمسار طويل من تسييس مؤسسات الدولة وترك الانقسام يتمدد من دون علاج جذري، والخطر هنا مضاعف، وفق قوله، لأن القضاء هو الضمان الأخير لوحدة الدولة ونزاهة العملية الانتخابية، وملاذ المواطن حين تفشل السياسة، وقال في تصريحات خاصة إن "إنقاذ السلطة القضائية من التفتت يتطلب حزمة متكاملة من التوصيات، تبدأ بتحييد القضاء تحييداً كاملاً عن الصراع السياسي، إذ لا يمكن الحديث عن قضاء موحد في ظل تدخل الأجسام السياسية أو اصطفافها مع طرف ضد آخر، في حين أن المطلوب التزام وطني صريح تشريعياً وتنفيذياً، بعدم التدخل في شؤون القضاء، واحترام استقلاله شكلاً ومضموناً، لا كشعار بل كممارسة".

وطالب الفكحال بتوحيد المؤسسة القضائية على أسس دستورية وقانونية لا توافقية هشة، فأي حلول ترقيعية أو تفاهمات موقتة ستعيد الأزمة عند أول اختبار، وفق قوله، مؤكداً أن "التوحيد الحقيقي يجب أن يستند إلى نصوص قانونية واضحة وإلى إعادة تفعيل الهياكل القضائية العليا وفق معايير الكفاءة والنزاهة، بعيداً من منطق المحاصصة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوصى المترشح الرئاسي بحماية القضاة مادياً وأمنياً ومعنوياً، فلا قضاء مستقل وقضاته يتعرضون للتهديد أو الابتزاز أو الضغوط، مطالباً الدولة بضمان ظروف عمل آمنة لأن استقلال القاضي يبدأ من شعوره بالأمان، مبيناً أن تحذير "البعثة الأممية للدعم في ليبيا" من تأثير انقسام القضاء على العملية الانتخابية في محله، مضيفاً أن "الحل لا يكون بتدويل القضاء أو فرض مسارات خارجية، فالمطلوب فقط من البعثة دعم أممي تقني وفني يحترم السيادة الليبية ويعزز المسار الوطني، لا أن يحل محله".

وربط الفكحال صدقية أية عملية انتخابية مقبلة بقضاء موحد مستقل وقادر على الفصل في الطعون، فأية انتخابات تُجرى في ظل قضاء منقسم ستكون وصفة لأزمة جديدة لا لحل لها، منوهاً بأن معركة توحيد القضاء ليست معركة القضاة وحدهم بل هي معركة دولة بأكملها، ومن دون سلطة قضائية موحدة ومستقلة ستظل ليبيا دولة مؤجلة مهما تغيّرت الحكومات أو أُجريت الانتخابات.

توقيت دقيق 

وفيما لم يصدر إلى حد الآن أي تعليق رسمي من رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح حول أحكام الدائرة الدستورية بـ "المحكمة العليا" في طرابلس، أكدت "نقابة المحامين" أنه يجب اللجوء إلى تعليق الدائرة الدستورية في المحكمة العليا تجنباً لتعميق الخلافات، معتبرة أن صدور الحكم في هذا التوقيت غير موفق لأنه سيؤدي إلى حال من الانقسام القضائي، وداعية إلى احتواء الأزمة لحماية القضاء.

وقال المتخصص في القانون الدستوري بجامعة طرابلس والنائب الثاني لرئيس المؤتمر الوطني العام سابقاً، صالح المخزوم، إنه "في ظل ما تشهده ليبيا من انقسام سياسي حاد وتمترس لقوى أمر واقع غرب البلاد وشرقها، كان من الأسلم تأجيل إنشاء محكمة دستورية عليا مستقلة إلى ما بعد إقرار الدستور الدائم، حتى لا تتحول هذه المؤسسة الحساسة إلى ساحة صراع أو أداة لتصفية الخلافات السياسية، بدلاً من أن تكون ضمانة دستورية جامعة"، مضيفاً أنه يؤيد ما ذهبت إليه "نقابة المحامين" في بيانها الأخير المتمثل في وقف العمل بالقضاء الدستوري موقتاً إلى حين صدور الدستور الدائم للبلاد، بما يعيد ترتيب العلاقة بين السياسة والقضاء ويحمي ما بقي من هيبة القضاء، ويمنع الزج به في صراعات تهدد وحدة الدولة واستقرارها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير