Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 هاجس "خيمة صفوان" يحاصر إيران في مسقط

 ضابط عراقي سابق لـ"اندبندنت عربية": حادثة "تجرع السم" الشهيرة لا تزال تشكل عقدة الجانب الإيراني في أي مفاوضات

اجتماع "خيمة صفوان" الذي شهد انهاء حرب تحرير الكويت (اندبندنت عربية)

ملخص

  مفاوضات مسقط التي أقيمت جولتها الأولى أخيراً تجاوزت كونها جولة دبلوماسية في سياق مسلسل الصراع المزمن بين واشنطن وطهران، إلى ساحة تصفية حسابات تاريخية بين بغداد وطهران.
في حين يرى لواء سعودي متقاعد أن تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي دعا فيها القوات الإيرانية للعمل وكأنه لا توجد مفاوضات، تشير إلى وصول طهران لقناعة بأن "المفاوضات ربما لن تفضي إلى توافق يذكر". بينما يعتبر باحث إسرائيلي أن خيارات المرشد الإيراني باتت جميعها صعبة، فإما أن يذهب إلى حرب مكلفة أو يقدم تنازلات تؤدي إلى انهيار النظام.

خلف الأبواب المغلقة في سلطنة عُمان دارت رحى مفاوضات وُصفت بأنها "الأخطر" في تاريخ الصراع الأميركي الإيراني، وبينما تصاعدت أدخنة اللبان العربي طيب الرائحة من قاعات مسقط، انبعثت من رماد التاريخ ذاكرة "خيمة صفوان" عام 1991، لتفرض نفسها مرآة عاكسة للمشهد الراهن، وسط انقسام حاد حول ما إذا كانت إيران بصدد توقيع "وثيقة استسلام" نووية تحت غطاء "الواقعية السياسية" بهدف إنقاذ النظام، في وقت تضيق فيه الخيارات أمام طهران بين شبح الحرب الشاملة وتجرع "كأس السم" من جديد.

  مفاوضات مسقط التي أقيمت جولتها الأولى أخيراً تجاوزت كونها جولة دبلوماسية في سياق مسلسل الصراع المزمن بين واشنطن وطهران، إلى ساحة تصفية حسابات تاريخية بين بغداد وطهران، فقد سارع المحلل المقرب من دوائر صنع القرار في إيران، محمد صالح صدقيان، إلى نفي أي تشابه بين "ندية" المفاوض الإيراني في مسقط وما حدث في "خيمة صفوان" عام 1991.

وأكد في حسابه على "إكس" أن المفاوض الإيراني التزم ثوابته ولم يقع تحت تأثير الحشود العسكرية الأميركية ولا تحت تأثير قائد القيادة المركزية الأميركية الذي شارك في المفاوضات، بل "تسلم المطالب الأميركية بندية وأفضى الأمر إلى مناقشة المطالب قبل العودة للمفاوضات في الجولة المقبلة"، مشدداً على أن طهران لن تقرأ المطالب الأميركية "بعجرفة وتكبر بل بواقعية سياسية تجبر واشنطن على التأمل".

لكن لدى سؤال "اندبندنت عربية" صدقيان عما إذا كان يعني بذلك أن طهران ليست قريبة من التنازل لصالح المطالب الأميركية ومن ورائها الإسرائيلية، فضل التمسك بقوله السابق من دون إضافة.

هالتا الخيمة و"كأس السم"

إلا أن هذا الاستحضار قوبل بردود عراقية وخليجية حازمة أعادت فتح ملفات "الخيمة" التاريخية، إذ اعتبر ضابط الاستخبارات العراقي السابق، سالم الجميلي، أن هذه السردية تنطوي على "تزييف للحقائق التاريخية المعروفة"، موضحاً أن خيمة صفوان لم يشهد فيها توقيع أي اتفاق، ولا حتى محضر رسمي، إنما تم تسجيل الاجتماع الفني صوتياً لتثبيت وقف إطلاق النار فقط يوم الثالث من مارس (آذار) 1991.

 ويرى الجميلي أن لدى طهران "عقدة" تاريخية من صدام حسين لأنه هو من أجبر الخميني على تجرع كأس السم في نهاية حرب الأعوام الثمانية، وهو ما يفسر محاولاتهم المستمرة للهرب من أي مقارنة تضعهم في موقف "المستسلم" وتجريدهم من البرنامج النووي الذي أنفقوا عليه نحو 500 مليار دولار منذ عام 2000.

هذا دفع صدقيان إلى التعليق مجدداً بأن "صدام سقط في خيمة صفوان ولم يسقط في 2003، وسلطان هاشم وقع على أوراق بيضاء حتى تملأ بعد ذلك من قبل الأميركيين"، وهو ما رفضه الجميلي جملة وتفصيلاً، موضحاً في تعليق خص به "اندبندنت عربية" أن حادثة "تجرع السم الشهيرة لا تزال عقدة تظلل المفاوضات الإيرانية مع أي طرف" باعتبارهم ينظرون خطأ فادحاً يطاردهم لا ينبغي أن يتكرر، حتى وإن كان الجانب المقابل قوة كبرى مثل واشنطن.

ولاحظ الأكاديمي الإسرائيلي راز زيميت حضور "تجرع السم" مجدداً لدى الإيرانيين، في غمرة المفاوضات الصعبة مع الجانب الأميركي، إذ ينظر المرشد الإيراني علي خامنئي "إلى موافقة الخميني على وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988 على أنها خطوة أنقذت النظام، بينما يعتبر هو (خامنئي) اليوم التخلي عن المكونات الرئيسية لمفهوم الردع الإيراني، ولا سيما منظومة الصواريخ، يبدو خطوة قد تكون أكثر تدميراً على المدى الطويل من الصراع العسكري"، وفقاً لموقع "ينت" الناطق بالعبرية، الذي يؤكد أن التساؤل يعود إلى الواجهة مجدداً "حول ما إذا كان خامنئي سيُضطر قريباً إلى اتخاذ قرار بشأن استعداده هو الآخر لـ"شرب الكأس المسمومة"، بعد أن أظهر الزعيم الإيراني بالفعل قدرته على الموافقة على حلول وسط تكتيكية، كما فعل عندما وافق على تقليص البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات الغربية عن بلاده"، في عهد أوباما.

في غضون ذلك يخلص زيميت إلى أن المرشد في هذا الصدد بين خيارين كلاهما صعب، إذ قد يدفع رفضه تقديم تنازلات واسعة، خصوصاً في ملف الصواريخ، بلاده "نحو مواجهة عسكرية خطيرة مع الولايات المتحدة"، كما أن تقديمه تنازلات كبيرة قد يضعف النظام من الداخل ويهدد استمراريته. وهنا "تكمن معضلته في الاختيار بين مخاطر التصعيد العسكري القريب أو تنازلات قد تسرّع تآكل النظام على المدى البعيد، فيما يبقى مصير أي تسويات محتملة مرهوناً بمدى قبول إدارة ترامب بها".

 

 

هذا السجال أعاد "اندبندنت عربية" إلى تقليب صفحات مذكرات الأمير خالد بن سلطان، القائد العسكري الذي كان يقف على الطرف الآخر من النظام العراقي في صفوان، إذ أشار في مذكراته إلى أن تلك المفاوضات كانت "ترتيبات سلام غامضة وملتبسة"، وأنها تستحق تحليلاً أعمق مما حظيت به، بخاصة أنها أدت في النهاية إلى بقاء النظام العراقي على رغم تدمير قدراته العسكرية الميدانية، وهو ما يتردد أن ترمب يسعى إلى تجاوزه اليوم بفرض شروط تضمن "تفكيك القدرة" لا مجرد "وقف إطلاق النار" مع الجانب الإيراني.

ويرى الكاتب العُماني خلفان الطوقي أن المخاوف الإيرانية من التصعيد العسكري ترتبط أساساً باحتمال تعرضها لضربة تستهدف مواقعها الاستراتيجية، خصوصاً المنشآت العسكرية الحساسة. ويشير إلى أن هذه الهواجس تعود إلى تجربة عام 2025 بعد خمس جولات تفاوضية في مسقط عبر الوساطة العُمانية، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة عسكرية استمرت 12 يوماً. ويقول الطوقي القريب من موقع انعقاد المباحثات إن "إيران تخشى أن تقوم بمفاوضات دبلوماسية وفي النهاية لا تحقق أي فائدة على أرض الواقع ويتم اللجوء إلى المسار العسكري"، لافتاً إلى أن طهران تخشى أيضاً "تعنت الولايات المتحدة في آرائها وعدم تقديم تنازلات"، وهو ما قد يقود إلى تصعيد يضع جميع الأطراف، بما في ذلك الوسطاء، في موقف حرج.

شاهد من الخيمة

بالعودة إلى مذكرات "مقاتل من الصحراء"، يروي المؤلف أن المفاوضات في الخيمة التي تجدد السجال حولها كانت بالمقاييس العسكرية التي يراها حينها "فاشلة"، لدرجة أنه عنون الفصل الذي تضمن وقائع المحادثات بـ"الفشل في صفوان"، وهي خيمة داخل حدود العراق الجنوبية، عقدت فيها الترتيبات النهائية لوقف حرب الخليج الثانية، التي انتهت بتحرير الكويت من غزو صدام حسين، في مارس 1991.

وقال "لم تكن نهاية حرب الخليج، من وجهة نظري، تتناسب مع الأسلوب الذي بدأت به، فبقدر ما كانت العمليات العسكرية حاسمة وبارعة، كانت ترتيبات السلام غامضة وملتبسة. ولعل هذه الترتيبات هي المسؤولة، إلى حد ما، عن بقاء صدام في سدة الحكم بعد انتهاء الصراع، فبعد أربعة أعوام من غزو الكويت - وقت كتابة هذه السطور - لا يزال الرئيس العراقي يذيق شعبه سوء العذاب، كما يقف حجر عثرة، بوجوده على رأس السلطة في بغداد، أمام 'بناء صرح أمني متماسك' لمنطقة الخليج، ليس هذا فحسب، بل عقبة في إعادة العلاقات إلى طبيعتها بين الدول العربية".

ويشرح الأمير في مذكراته أسباب اعتقاده بأن "خاتمة حرب الخليج غير مرضية"، بأنها في الأساس تعود إلى غياب الاتفاق بين أعضاء التحالف، أو حتى المناقشة الصريحة، حول كيفية إنهائها، مضيفاً "يكمن جزء من هذه المشكلة، في تقديري، في مباحثات صفوان، أي في ذلك الاجتماع الذي عُقد على عجل وجاءت نتائجه غير حاسمة، حين اجتمعت وشوارتزكوف، إلى اثنين من القادة العسكريين العراقيين برتبة فريق، في مهبط للطائرات على بعد نحو خمسة كيلومترات شمال الحدود الكويتية، وأعتقد أن تلك المباحثات لها من الأهمية ما يجعلها تستحق تحليلاً أعمق ومعالجة أشمل، أكثر مما حظيت به حتى الآن".

لماذا كانت نهاية مريبة؟

ويشير في الصفحة 503 من كتابه الذي دون تفاصيل تلك المرحلة بإيجابياتها وسلبياتها، إلى أن مباحثات صفوان استغرقت ساعتين، من الحادية عشرة والنصف صباحاً إلى الواحدة والنصف بعد الظهر، وزاد "عندما صافحت الفريق سلطان قلت له أتمنى أن تعود علاقاتنا، بصفتنا عرباً، إلى ما كانت عليه قبل الصراع، ولكن ما إن خرجنا من الخيمة واحداً بعد الآخر إلى ضوء الشمس حتى شعرت بشيء من الإحباط لضحالة ما تحقق، إذ لم يوقع العراقيون أية وثيقة ناهيك عن وثيقة استسلام، ولم يتم التوصل إلى شيء ذي بال، باستثناء ما ظفر به العراقيون من السماح لهم بحرية تحليق طائراتهم العمودية المسلحة".

ورأى أن النهاية "كانت خاتمة مريبة غريبة للحرب كانت حاسمة قاطعة في ميدان القتال. وبدا الأمر وكأنك تشاهد فيلماً سينمائياً مملوءاً بالحركة والأحداث المثيرة، يشد انتباهك، فتملي نفسك بنهاية قوية مؤثرة تتناسب ومستوى الأحداث فإذا به ينتهي نهاية مثبطة ضعيفة لا تقنع أحداً. كانت صفوان خطأ فادحاً في كل المقاييس".

وقد تكون بين الأسباب التي جعلت صفحات الحرب تطوى بتلك النهاية غير المشوقة التي يصف الكاتب، حذر القيادة السعودية من استغلال الجانب الأميركي استدعاءه لطرد الجيش العراقي من الكويت إلى إذلال دولة وشعب عربي، تربطه بالرياض قواسم ودماء مشتركة، وهي أهداف ألمح المؤلف إلى بروزها في عدد من المواقف والتعليمات، مثل رفض عقد اتفاق إنهاء الحرب في بارجة أميركية، وكذلك في التعامل مع 60 ألف أسير عراقي لدى السعودية بأخلاق الضيافة العربية، من دون إبراز انكسارهم أمام الإعلام، وتوظيفهم في المجهود الحربي.

سيف "الـ 12 يوماً"

إذا ما تجاوزنا التاريخ إلى المشهد في عام 2026 فإنه في تقدير المراقبين يتجاوز حدود المناورة الدبلوماسية التقليدية، فالمفاوضات تجري تحت وطأة "واقع عسكري" فرضته الولايات المتحدة بعد أن شاركت في يونيو (حزيران) 2025 بقصف منشآت نووية إيرانية ضمن حملة استمرت 12 يوماً. الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عزز الحشود البحرية على الحدود الإيرانية، لم يترك مجالاً للغموض، إذ طالب طهران صراحة بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، مؤكداً أن الجولة المقبلة قد تُعقد مطلع الأسبوع المقبل بقوله: "نحن وواشنطن نعتقد أنه ينبغي عقدها قريباً"، في حين يصر عراقجي على أن "أي حوار يستلزم الامتناع عن إطلاق التهديدات أو الضغوط".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي محاولة لامتصاص هذا الضغط، لوّح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريحاته إلى قناة "الجزيرة" باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة في حال تعرض بلاده لهجوم، لكنه حرص على طمأنة الدول المضيفة بقوله: "لن نهاجم الدول المجاورة، بل سنستهدف القواعد الأميركية المتمركزة فيها... هناك فرق شاسع بين الأمرين". هذه المناورة تهدف إلى تحييد العواصم الخليجية، خصوصاً بعد الهجوم الصاروخي الإيراني السابق على قاعدة أميركية في قطر، التي تربطها علاقات جيدة بالطرفين، وهو ما يضع الدوحة والمنامة والرياض وأبوظبي في وضع جيوسياسي دقيق بين التزاماتها الدفاعية مع واشنطن ورغبتها في تجنب الحريق الإقليمي.

الوساطة الخليجية

في هذا المناخ المشحون، تبرز عواصم خليجية مثل الرياض ومسقط والدوحة كأطراف وساطة لمحاولة جسر الهوة بين "عجرفة" القوة الأميركية و"كبرياء" الثورة الإيرانية، وتؤدي مسقط دور "المستضيف الصامت" الذي يوفر البيئة التقنية لمشاركة قادة عسكريين أميركيين (CENTCOM) في المفاوضات السياسية، وهو مؤشر يراه المراقبون دليلاً على أن الملف لم يعد دبلوماسياً بحتاً، أما الدوحة التي استقبلت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، فتبذل بالتنسيق مع الرياض جهوداً مكثفة لضمان عدم تحول أراضيها إلى ساحة لتصفيات الحسابات، بخاصة بعد تلميحات عراقجي بأن العواقب قد تكون مماثلة لهجوم قطر السابق إذا وقع عدوان أميركي جديد.

 وتعمل الوساطة الخليجية على صياغة "مخرج آمن" يسمح لطهران بالتنازل عن تخصيب اليورانيوم تحت أي مسمى ينهي شبح الصراع في الإقليم، فهي وإن كانت ضد استهداف إيران كدولة وتفجير الاستقرار في المنطقة فإنها أيضاً تلتقي مع واشطن في ضمان عدم تحول البرنامج النووي الإيراني إلى عسكري، ووضع حد لنشاطها المزعزع للاستقرار ودعم الميليشيات في دول عربية مثل العراق واليمن ولبنان.

في ظل تباين المواقف تتصاعد المخاوف في المنطقة من احتمال انزلاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى صراع مفتوح، في ظل حشود عسكرية غير مسبوقة وخطاب سياسي متوتر، بينما تؤدي المعلومات والبروباغندا دوراً محورياً في تشكيل مسار الأزمة وتقديرات الأطراف المعنية.

معلومات مضللة تحرف مسار القادة

وفي هذا السياق، استعاد محرر شؤون الدفاع في "تلغراف" البريطانية كون كوغلين أخيراً قول رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل إن "الكذبة قد تجوب نصف العالم قبل أن تغادر الحقيقة منزلها"، وهو توصيف يبدو أكثر دقة اليوم في عصر المنصات الرقمية وانتشار الأخبار بسرعة غير مسبوقة، ولا سيما في غمرة الأحداث الكبرى.

وفي قراءة لآليات اتخاذ القرار خلال الأزمة الراهنة بين إيران وأميركا، يشير السفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني في سياق منتدى الإعلام السعودي الذي نظم أخيراً في الرياض، إلى أن القيادات السياسية تعتمد على شبكة واسعة من مصادر المعلومات، تمتد من أجهزة الاستخبارات إلى التقارير الإعلامية المفتوحة. ويوضح أن القادة "يستمعون إلى مصادر عدة، من بينها أجهزة الاستخبارات والتقارير الإعلامية، لكن بعض هذه المعلومات قد يكون مضللاً أو مبالغاً فيه"، محذراً من أن ضغوط اللحظات الحرجة قد تدفع صناع القرار أحياناً إلى تبني تقديرات غير مكتملة.

ويرى راتني أن التعامل مع ملفات شديدة الحساسية، مثل النوايا العسكرية الإيرانية أو تطورات برنامجها النووي، يتطلب فهماً للسياق الاستراتيجي الأوسع، وليس الاكتفاء بتلقي المعلومات بصورتها المجردة، ويستشهد بالحرب الروسية – الأوكرانية، قائلاً إن "نشر جزء من المعلومات الاستخباراتية للعلن ساعد في الحد من تأثير المعلومات المضللة"، إذ أتاح ذلك قدراً أكبر من الوضوح أمام الرأي العام وصناع القرار معاً.

في المقابل، يصف راتني في حلقة نقاش حضرتها "اندبندنت عربية" المشهد الحالي المرتبط بإيران بأنه أكثر غموضاً، في ظل محدودية المعلومات المتاحة حول ما يجري داخل البلاد، واعتماد متزايد على التسريبات الإعلامية والتصريحات السياسية المتغيرة. ويزيد هذا المشهد من صعوبة بناء تقديرات دقيقة لمسار التصعيد، خصوصاً مع تقلب الخطاب السياسي الأميركي وتبدل رسائله بصورة متسارعة.

وفي ظل هذه البيئة المعلوماتية المعقدة، تبدو المنطقة أمام معادلة دقيقة، إذ لا تقتصر الأخطار على التحركات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى احتمالات سوء تقدير النوايا أو القراءة الخاطئة للمعطيات، وهو ما قد يدفع الأزمة إلى مسارات أكثر تصعيداً في لحظة شديدة الحساسية إقليمياً ودولياً.

على رغم خطاب "الندية" المتكرر في طهران، تشير تفاصيل "خلاصة مباحثات مسقط 2026" المسربة إلى أن طهران باتت قاب قوسين أو أدنى من الرضوخ لشروط "تصفير" حلمها النووي، وهو ما تقول إنه مستحيل، حتى وإن استدعى الحرب.

الحرب أهون من "اتفاق غير متوازن"؟

 يحذر الطوقي من أن أي مواجهة عسكرية قد تفرض ضغوطاً كبيرة على إيران إقليمياً ودولياً، موضحاً أن "أي تصعيد عسكري قد يحرج أطرافاً أخرى في دول مجلس التعاون، لأن بعض هذه الدول لديها قواعد أميركية"، كما أن طهران تدرك محدودية الدعم الخارجي المحتمل، إذ يرى أن "إيران قد لا تجد الدعم الكافي من الصين أو روسيا، نظراً للمصالح المشتركة التي تربطهما بدول الخليج". ويضيف أن ازدواجية النهج الأميركي، عبر الجمع بين التفاوض والتهديد العسكري، تمثل عاملاً مقلقاً لطهران، معتبراً أن "استمرار لغة التهديد بالتوازي مع المسار الدبلوماسي يهدد المفاوضات وقد يدفعها إلى الانهيار".

وتتمحور الصفقة حول ترحيل 700 كغم من اليورانيوم المخصب فوق 20 في المئة إلى روسيا، وخفض نسب التخصيب لما تبقى داخل إيران ليصل لنسبة 3.67 في المئة فقط للأغراض المدنية. وتصر واشنطن على عودة المفتشين الدوليين في أبريل (نيسان) المقبل لتقييم الأضرار ومراقبة كل المنشآت، مع تحويل الخليط المتبقي إلى وقود مفاعلات صلب لضمان عدم استخدامه عسكرياً مستقبلاً.

إن قبول إيران بهذه البنود يعني عملياً أن مشروعها الاستراتيجي قد "ذهب هباءً"، كما يقول الضابط العراقي الجميلي، لتعود عقارب الساعة النووية إلى ما قبل عام 2000، في مشهد يعيد للأذهان كيف جُرد العراق من أسلحته بعد "خيمة صفوان" عبر لجان التفتيش الدولية، قبل أن يتم إسقاط النظام بعد ذلك، ببضعة أعوام.

 فهل ستكون "خيمة مسقط" هي النسخة الجديدة من صفوان، أم أن لحائك السجاد طرائقه الخاصة في النجاة من الفخ الذي وقع فيه صدام حسين، من حيث ظن أنه الرابح الأكبر؟

على مستوى التحديات والفرص، يشير الباحث العماني الطوقي إلى أن فشل المسار الدبلوماسي قد يضع واشنطن نفسها أمام ضغوط داخلية إذا استمرار الحشد العسكري دون تحقيق نتائج سياسية، مرجحاً أن تلجأ الولايات المتحدة إلى تحرك محدود "لحفظ ماء الوجه"، مع التحذير من أن أي تصعيد أوسع "لا أحد يستطيع أن يتوقع عواقبه".

بينما أي "اتفاق متوازن" بين واشنطن وطهران يمكن أن ينعكس إيجاباً على استقرار الخليج برمته، بما في ذلك "الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر".

لواء سعودي: إسرائيل ترى مرحلة ضعف لا تفوت!

في خضم الجدل المحموم حول "خيمة صفوان" ومآلات مسقط، يضع المحلل العسكري السعودي اللواء أحمد الميموني الصراع في إطاره الإقليمي الأوسع، محذراً في حديث مع "اندبندنت عربية" من محاولات إسرائيلية للدفع نحو "الانقضاض على النظام الإيراني في لحظة ضعفه". ويرى أن دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، تسعى جاهدة لمنع الانزلاق إلى رغبات إسرائيل في إشعال حرب لن تقف آثارها عند حدود إيران، بل ستطول المنطقة والعالم بأسره، وستجهض كافة المساعي الرامية لتعافي الإقليم من "المشاريع الصفرية المتطرفة".

ويشرح اللواء الميموني التردد الأميركي في تنفيذ ضربات عسكرية واسعة، بأن واشنطن قد ترغب في تنفيذ ضربات ضد أهداف محدودة للوفاء بوعودها للشعب الإيراني، لكنها تخشى في الوقت ذاته من عدم السيطرة على "حدود التصعيد". فإيران "اليائسة"، بحسب الميموني، قد ترمي بثقلها كاملاً لتفادي مخاطر سقوط النظام أو إعادة تقسيم البلاد، خاصة إذا تزامن الهجوم مع احتجاجات داخلية متصاعدة تتخندق ضد إخفاقات النظام وتهميش الشريحة الأكبر من الشعب.

ويضيف الميموني بعداً إنسانياً وأمنياً لهذا المأزق، لافتاً إلى أن "جرح أهالي الضحايا" الذين سقطوا في المظاهرات الأخيرة أصبح وقوداً لغضب الشارع الذي لم يعد يتقبل تهم "التخريب والعمالة".

رهانات إيران على الصين

وفي قراءته لنتائج مسقط، يرى الميموني أن تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، التي دعا فيها القوات الإيرانية للعمل وكأنه لا توجد مفاوضات، تشير إلى وصول طهران لقناعة بأن "المفاوضات ربما لن تفضي إلى توافق يذكر".

ويحذر اللواء السعودي من التقليل من قدرات إيران الدفاعية الحالية، مشيراً إلى احتمال حصولها على "مساعدات فنية من الصين وروسيا" لتعزيز دفاعاتها، مما يجعل التكهن بمآلات الأوضاع مغايراً للتوقعات الأمريكية بعملية سريعة شبيهة بالتدخل في فنزويلا. ومع ذلك، يختتم الميموني تحليله بالتأكيد على أن إيران أصبحت "آيلة للسقوط" ذاتياً، حتى دون تدخل عسكري، نتيجة عجز الحكومة عن أداء مهامها في ظل العقوبات وتصاعد غضب الشارع.

 

المزيد من تحقيقات ومطولات