Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب تحرير الكويت... معارك السياسة والرؤساء قبل الجند والجيوش

هكذا أفسد غزو الكويت الود بين الملك فهد وصدام حسين

قبل غزو الجيش العراقي دولة الكويت، كانت السعودية من خلال مشاركة العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز في القمة العربيَّة، التي عُقدت في العاصمة العراقيَّة بغداد، تنبَّأت بحدوث شيء ما، خصوصاً بعد الكلمة التي ألقاها الرئيس العراقي صدام حسين في هذه القمة، وهجومه العلني على الكويت، وكان قبلها بثلاثة أشهر وخلال افتتاح القمة الرابعة لمجلس التعاون العربي بالأردن، ألمح صدام حسين إلى أن "العراق له حقوق لدى الكويت، وأنه لن يقف مكتوف الأيدي".

وبدأت السعودية بقيادة الملك فهد في السعي إلى احتواء الموقف وتجنيب المنطقة خطر الحرب، إذ دعا العاهل السعودي إلى عَقْد مباحثات عراقيَّة كويتيَّة في مدينة جدة 31 يوليو (تموز) 1990، وفي الأول من أغسطس (آب) عُلّقت المناقشات دون أي اتفاق، وأُعلن إغلاق الحدود البريَّة بين البلدين حتى موعد غير محدد.

وبعدها بيوم واحد فقط، استيقظ العاهل السعودي الثانية فجراً على خبر غزو قوات صدام حسين دولة الكويت، ولم يكن مصدقاً للأمر حين أمسك بسماعة هاتفه، وهو يهمّ بالتواصل مع الرئيس العراقي، لكنّه لم يفلح.

ظلَّ العاهل السعودي يحاول التواصل معه، قبل أن يفكِّر فيما سيتخذه، وفي العاشرة صباحاً من اليوم نفسه كان صدام حسين يجيب، ليباغته الملك فهد قائلاً "ما هذا الذي أسمع؟"، ليرد صدام "لا تشغل بالك، سأرسل لك عزت الدوري (نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي) وسيشرح لك كل شيء".

وهو ما حدث في اليوم التالي، الجمعة 3 أغسطس (آب)، حين وصل مبعوث الرئيس العراقي إلى السعودية للقاء العاهل السعودي، مؤكداً إصرار الرئيس العراقي على الحرب وليؤكد قائلاً "السعودية لن يصيبها أي أذى من الجانب العراقي".

الأمر أغضب العاهل السعودي الذي قال "لا أناقشك عن أمن السعودية، أنا أحدثك عن وضع الكويت؟"، ليجيب مبعوث الرئيس العراقي "لقد تصحّح وضع الكويت، ولا يمكن لعقارب الساعة أن تعود". كانت هذه الرواية حسب نائب وزير الدفاع السعودي السابق الفريق ركن الأمير خالد بن سلطان، الذي شارك في قيادة العمليات المشتركة في حرب الخليج.

حشد القوات والتحالفات
بدأت السعوديَّة بحشد قواتها، وأجرى العاهل السعودي اتصالاته بالقوى العربيَّة والدوليَّة، لعقد قمة طارئة، وإصدار بيان يدين الاعتداء العراقي على الأراضي الكويتيَّة، وفي اليوم العاشر من أغسطس (آب) استمرَّ نطاق التحالف في الاتساع حتى وصل إلى أكثر من 30 دولة مشاركة.

وضمَّ التحالف حينها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وأستراليا وإيطاليا وغيرها من الدول العربيَّة والإسلاميَّة، ضمن قوات تحالف كبرى تقودها السعوديَّة بزعامة الملك فهد.

 

وفي يوم الـ17 من يناير (كانون الثاني) 1991 وجَّه الملك فهد كلمةً خلال اجتماعه بمجلس الوزراء، قال فيها "لقد شاءت إرادة الله أن يمعن حاكم العراق صدام حسين في إصراره على رفض كل القرارات العربيَّة والإسلاميَّة العادلة، وقرارات مجلس الأمن التي تمثل الشرعية الدوليَّة، وبالتالي عمل على إحباط كل الجهود المكثفة المتواصلة التي بذلها قادة العالم من أجل إنقاذ الموقف، وتجنّب المنطقة العربية ويلات الحرب، التي أبى صدام حسين إلا أن يثيرها برفضه القاطع سحب قواته من دولة الكويت التي غزاها فجر الخميس الثاني من أغسطس (آب) 1990، وحدث ما كان آنذاك من قتلٍ وتشريد وانتهاك للحرمات والأعراض ونهبٍ للثروات".

وأضاف العاهل السعودي، "العمليات العسكريَّة التي بدأت فجر اليوم لتحرير الكويت إنما تمثل نداء الحق والعدل والسلام، ولهذا كان لا بد من تخطيط الأمور وتنفيذ القرارات القاضية بتحرير الكويت، ونسأل الله أن يكتب النصر لجنده"، وكان هذا بمثابة الإعلان الرسمي لبدء عملية عاصفة الصحراء.

صديق الأمس عدو اليوم
صدام حسين صديق الأمس أصبح عدو اليوم بالنسبة إلى عاهل السعودية، الذي قال عنه بعد اتخاذه قراره التاريخي باستدعاء قوات أجنبية للسعودية "كنت أتلقى من صدام حسين مكالمة كل يوم أو يومين يشيد بمواقفي معه"، كان هذا في إشارة إلى وقوف العاهل السعودي مع الرئيس العراقي إبان حربه مع إيران، حين قدَّم له أعطيات ومنحاً وقروضاً بلغت 16 مليار دولار.

ويواصل العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز خلال مؤتمر صحافي عُقِدَ في أثناء الحرب في حديثه الموجَّه إلى صدام حسين في أغسطس (آب) عام 1990 "القرار يعود لك، إما الانسحاب، أو عليك تحمّل مسؤولية القتال".

اجتماع تشيني حسم الأمر
وكان ما يسمى بـ"القرار التاريخي" هو الاستعانة بالقوات الأميركية قد أخذ وقتاً من عاهل السعودية بعد سلسلة من المشاورات مع مستشاريه وعدد من رؤساء العالم العربي، وبعد لقاء تاريخي عُقِدَ في مدينة جدة الساحلية في السادس من أغسطس (آب) مع وزير الدفاع الأميركي ديك تشيني، وهو الاجتماع الذي أعطى صبغة رسميَّة، وإشارة إلى أن العاهل السعودي مضى في اتخاذ قراره باستدعاء قوات أجنبية لتحرير دولة الكويت، يقول السفير الكويتي لدى السعودية الشيخ علي الخالد الصباح لـ"اندبندنت عربية"، "عندما نستذكر الغزو بجميع أحداثه المؤلمة، تتراءى لنا الوقفة السريعة والواضحة والحازمة، وقفة قائد، وقفة الملك فهد رحمة الله عليه".

 

وتابع، "لن أخوض في القرارات التي الكل يعلم أن لولاها لاختلّ توازن الأمور في ذلك الوقت الحساس جداً، ولو أن الكلمات لن توفيه حقه، لكن سوف أتحدث عن تأثير كلماته ومواقفه في رفع معنويات الشعب الكويتي أجمع، فلقد أمدَّنا بالقوة والأمل والسند، وجعلنا نقول (الكويت راجعة) بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم وقفة الشقيقة الكبرى السعودية متمثلة بقرارات سريعة، وليس فيها رجعة أو تردد من الملك فهد".

هل يمكن الاعتماد على القوات الأميركية؟
ويمضي خالد بن سلطان قائلاً "لم يكن استدعاء القوات الأميركية شغلاً شاغلاً للملك فهد في الأربعة أيام الأولى من الغزو العراقي، بل كان السؤال هل يمكن الاعتماد عليهم بالفعل؟".

كان الجواب عن هذا قد تحدد بشكل رسمي بعد أيام من الغزو، وتحديداً بعد لقاء تشيني، حين حسم العاهل السعودي أمره مسبقاً بقرار الاستعانة رسمياً بالقوات الأميركية، وكان الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش أصدر أوامره إلى حاملتي طائرات بالتوجه إلى المنطقة قبل السادس من أغسطس، بينما كانت الفرقة 82 المحمولة جواً تستعد للتحرك نحو ساحة القتال.

لم يعارض الفكرة إلا من كانوا يساندون صدام
هذا القرار التاريخي قال عنه خامس ملوك السعودية فهد بن عبد العزيز "لقد اتخذنا هذه الخطوة الصحيحة، ولم نجد من يعارض الفكرة إلا من كانوا يساندون صدام".

وفي تلك الحقبة دارت أقاويل أن القوات الأميركية باقيّة في السعودية حتى بعد انتهاء الحرب، لكن العاهل السعودي بدد كل هذه الإشاعات التي دارت أثناء فترة حرب "تحرير الكويت"، قائلاً "هذه القوات أتت لظرفٍ معينٍ، وستغادر حال زواله".

 

ويقول مراقبون ودبلوماسيون "إن دعم السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي جاء بالإجماع منهم". وعمل الملك فهد على تقوية التحالف السعودي مع الولايات المتحدة الأميركية، واتفقوا على وجود قائد عربي استثنائي تجلَّت في شخصية الملك فهد بن عبد العزيز، باتخاذ قرار شجاع باستقبال هذا العدد الكبير من القوات العربيَّة والدوليَّة التي انطلقت من الأراضي السعوديَّة من أجل تحرير الكويت، وإعادتها إلى آل صباح.

فلتذهب السعودية والكويت معاً
العاهل السعودي الذي يعدّ أول من أطلق عليه لقب "خادم الحرمين الشريفين"، الذي تسلّم قيادة بلاده في 13 يوليو (حزيران) عام 1982، وشهدت المنطقة خلال فترة حكمه صراعات إقليميَّة ودوليَّة، منها ثورة الخميني في إيران والحرب العراقيَّة الإيرانيَّة (1988 – 1980)، التي وقف حينها بجانب الرئيس العراقي، قبل أن يجتاح الرئيس العراقي دولة الكويت ليقف بجانبها حين قال مقولته الشهيرة "إما أن تبقى الكويت أو تذهب السعودية والكويت معاً".

 

ويشير الشيخ علي الصباح إلى الكلمات التي أطلقها الملك فهد، رحمه الله، في تلك الفترة، التي لن ينساها التاريخ أو الكويتيون سواء من عاصروا تلك المرحلة أو لم يعاصروها، وذلك عندما قال "الكويت والسعودية بلدٌ واحدٌ، فإما نعيش سوا أو نموت سوا".

ويروي السفير الكويتي ما عاشه خلال تلك الفترة، قائلاً "أجد من خلال تجربتي الشخصيَّة خلال الغزو، أن من تجاربها يحتم عَلينا كشعبين كويتي وسعودي أن نلتف حول قيادتنا، وأن قوّتنا في تلاحمنا، وأن لا نترك ثغرة لأطماع خارجية"، مؤكداً أن "كثيراً من الأشقاء الخليجيين وقف مع دولة الكويت، لكن تصدرهم الملك فهد رحمه الله".

الملك فهد والقضايا العربيَّة
وعلى الصعيد العربي واصل الملك فهد نهج أسلافه الأربعة في الاهتمام بقضايا الأمة، واقترح عام 1981 حين كان وليَّا للعهد خطة من ثماني نقاط، تبنتها القمة العربيَّة لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وتبنى عام 1989 اتفاق الطائف الذي أنهى عقوداً من الحرب الأهليَّة في لبنان، وقادت بلاده جهوداً دبلوماسيَّة لإنهاء الحرب بين العراق وإيران، كما شاركت في قوات حفظ السلام في الصومال، وكان له دورٌ فاعلٌ في دعم أنجح تجربة تعاون بين الدول العربية، وهي مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وعانت السعودية مع شركائها في المجلس صعوبات اقتصاديَّة مع انهيار أسعار النفط في التسعينيات، وتعاظم تكاليف الوجود العسكري الأميركي في السعودية.

واستغل الملك فهد ثقل بلاده في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" للحفاظ على استقرار أسعار النفط بالسوق الدولية، وبرز دور السعودية في عهد الملك فهد كمركز ثقل للعالم العربي والإسلامي.

ورحل العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز في أغسطس (آب) أيضاً، وهو الشهر الذي يصادف الشهر الذي اتخذ فيه "قراره التاريخي" بعد 14 عاماً على تحرير الكويت، في 1 أغسطس (آب) عام 2005 في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالعاصمة الرياض.

هذا المقال نشر في 2 أغسطس (آب) 2019 وتعيد "اندبندنت عربية" نشره بمناسبة ذكرى الغزو العراقي للكويت.

المزيد من العالم العربي