"معركة الخفجي"... هكذا امتحن خطأ أميركي كفاءة "المقاتل السعودي" وصبر الملك فهد

أول مسؤول سعودي يستقبل أمير الكويت المطارد يروي لـ"إندبندنت عربية" قصة الحادثة التي هزَّت العالم

كانت معركة الخفجي قصيرة لكنها شرسة إذ دارت أنشطتها متزامنة إلى حدّ ما في مواقع مختلفة وبأساليب متعددة (وكيبيديا)

شهدت الدول العربيَّة مناوشات فيما بينها وحروباً على مر تاريخها السياسي القريب منذ عهد الاستعمار، إلا أن الاجتياح الذي شهدته دولة الكويت الصغيرة جنوبي الخليج العربي من جانب جارتها الكبرى العراق عام 1990 كان فريداً من نوعه، لأسباب عدة.

لكن الإمارة الصغيرة حجماً، ليست كذلك من حيث القوة المعنويَّة والتاريخ والحلفاء، وهي التي تأوي إلى ركن شديد من النفط والمال وجارتها السعودية التي قال ملكها آنذاك فهد بن عبد العزيز لأمير الكويت جابر الصباح "إما أن نبقى سوياً أو نذهب سويا"، يعني الكويت والسعودية.

بيد أن رئيس العراق آنذاك صدام حسين على طريقة جيله من الزعماء القوميين العرب، قرر على طريقته أن يدفع السعودية إلى تغيير حساباتها تلك مع الكويت، فقدّر أن قوات الحلفاء التي حشدها السعوديون لطرده من جارته الصغرى، يمكنها أن تعيد حساباتها إذا ما هو أقدم على مغامرة أخرى تُنسيها الكويت بالإغارة على السعودية الغنية منطقتها الشرقية بالنفط ومصانعه ومعامل تكريره، فقرر أن يربك مجاميع القوات بتوجيه جزء من مجهوده العسكري نحو مدينة الخفجي السعودية الواقعة على الحدود الكويتية، تمهيداً لاجتياح نحو ثلث إنتاج النفط العالمي في ذلك الوقت القابع تحت الأراضي السعودية، بما يمكن أن يعيد حسابات الدول الآتية لطرده إلى نقطة الصفر، خصوصاً إذا تمكَّن كما يحلم من السيطرة على مدن الجبيل والدمام والخبر وسواحلها الاستراتيجية.

وإذا لم يحصل صدام على كل الذي أراد من إقدامه على غزو مدينة الخفجي السعودية، فإنه على الأقل يربح الصدى الإعلامي، ويجد وقوداً لآلته الإعلاميَّة كي تقول للعرب في الأردن واليمن والجزائر وفلسطين إن أبا عدي كما عهدوه فارسٌ مقدامٌ لا تنقضي عجائبه، ولا يمكن التنبؤ بما يفعل، وهذا ما حدث بالفعل، إذ منح جمهوره فرصةً ذهبيةً للتغني بأمجاده، قبل أن يفسد عليهم رجل الرياض القوي آنذاك خالد بن سلطان سكرة اللحظة بتطهيره المدينة السعودية من العراقيين في 72 ساعة، كانت الأثقل على السعوديين في أيام الحرب قاطبة، إذ لم تطأ قدم معتدٍ قط أرض السعودية قبل ذلك التاريخ.

وفي منظور بن سلطان الذي قاد جزءاً من التحالف، فإن المعركة مثَّلت نقطة فاصلة في تاريخ الغزو برمته، ليس بوصفها الوحيدة التي استحلَّت فيها القوت العراقيَّة حرمة حدود بلاده بقوات بريَّة وجنود وعتاد عسكري، لكن أيضاً لأنها جاءت في بداية الغزو، وامتحنت كفاءة المقاتل السعودي والخليجي، وهو الذي لم يخض من قبل معارك مثل نظرائه العرب المشاركين في قوات تحرير الكويت.

أعداد الجنود ليست كل شيء
وأكد ضمن مذكراته عن الحرب "مقاتل من الصحراء"، أنه بفضل الخفجي أدرك أن  الانتصار في أي معركة لا يتحقق بالسلاح والمعدات والإمدادات وعدد الرجال فحسب، بل إن ثمة عاملاً حاسماً، وإن لم يكن مادياً كالعوامل السابقة، إلا أن دوره يفوقها جميعاً، ذلك هو "الروح المعنوية"، التي تختلج في صدر كل جندي، فهي تمنحه إحساس الثقة بالنصر، أو تبث فيه الإحساس بالإحباط والهزيمة، وهذا ما يدركه كل قائد عسكري. وقد وردت في رواية ليو تولستوي leo Tolstoy "الحرب والسلام"، عبارة مشهورة يقول فيها: "تكمن قوة كل جيش في روحه المعنويَّة".

ويحكى عن تولستوي، في روايته الشهيرة، كيف نجح نابليون napoleon في الاستيلاء على موسكو، عام 1812، بجيشه الإمبراطوري الضخم الذي كان قوامه 600 ألف جندي. لكن بعد انقلاب الموازين، فرَّت فلول ذلك الجيش العظيم، عبر قفار روسيا التي تغطيها الثلوج، منسحبة إلى بلادها. كتب تولستوي يقول "إن نجاح أي عمل عسكري لا يعتمد على القائد الذي يدير دفة المعركة، بل على الجنود الذين تخرج صيحة النصر أو الهزيمة من حناجرهم، فإذا صادفت صيحات الاستبشار بالنصر قائداً شجاعاً مقداماً، أصبح الفرق في عدد الجنود غير ذي بال، فيبلي 5000 رجل بلاء 30 ألفاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكر أن التحالف ضد صدام حسين كان واثقاً بالنصر، فالتفوّق في العدد والعدة والإمكانات والتكنولوجيا كفيل بتحقيق الانتصار، إلا أن الأمر لم يخلُ من بعض المخاوف والشكوك، ما أثر الحملة الجويَّة في قدرة العراق على مواصلة القتال؟ هل سيستخدم صدام الأسلحة الكيماوية؟ هل سيكون بمقدرته جر التحالف إلى حرب بريَّة في الوقت الذي يختاره؟ هل سيكون في قدرته تكبيد التحالف خسائر جسيمة تحول هزيمة العراق العسكريَّة إلى نصر سياسي، كما فعل الرئيس عبد الناصر في حرب السويس عام 1956؟ لم يكن في وسع أحد أن يعطي إجابات شافيَّة عن تلك التساؤلات. (انعكس خوف التحالف من تكبد خسائر عالية، بل وتوقعه إياها، في تجهيز 18 ألف سرير علاجي).

أزالت معركة الخفجي بعض الغموض، وقدَّمت الإجابات عن بعض التساؤلات السابقة. وإن نجحت المعركة في إلقاء الضوء على الوضع الحقيقي للجيش العراقي، إلا أن دورها الأهم وتتلخص أثرها في الروح المعنوية لقواتنا والقوات العراقيَّة على حد سواء. من وجهة نظر قائد القوات العربيَّة المشاركة في عملية عاصفة الصحراء.

وكانت القوات بقيادته تطلق صيحات النصر، بينما قوات صدام تطلق صيحات الهلع والذعر والهزيمة. أضحى كل واحد من رجالنا، بعد معركة الخفجي واثقاً أن النصر حليفه. وعلى العكس من ذلك كان كل رجل على الجانب الآخر موقناً بالهزيمة.

وفي كل صراعٍ، يأتي منعطف يبدو للمرء فيه أن الموازين انقلبت، ومعركة الخفجي كانت ذلك المنعطف.

أمير الكويت في الخفجي
ومع أن السعوديين كانوا متفاجئين في الناحية العسكريَّة من تجاسر قوات صدام على اقتحام مدينتهم الخفجي برياً، إلا أنهم منذ أن استقبلوا أمير الكويت وهم لا يتوقعون ممن غدر بجارهم أن يحفظ لهم الود، وهم الذين كانوا صرحاء في أن "محو الكويت لن يمر دون عقاب".

وروى محافظ الخفجي أيام الغزو خالد العطيشان لـ"إندبندنت عربية" اللحظات الأولى لبدء المدينة استعدادها لكل الاحتمالات، ففي "تمام الساعة الخامسة والنصف صباحاً، جاء لمنزلي أحد أفراد الأمن، ومعه مسؤول في منفذ الخفجي، وعندما التقيتهما قالا لي إن القوات العراقيَّة اقتحمت الكويت، وإن الشيخ جابر في المنفذ حالياً، فذهبت على الفور للقائه، وكان يجلس في مكتب خاص بالأمن، واتصل حينها بالملك فهد وبعدد من المسؤولين والوزراء بالكويت، وحاولنا إقناعه بالدخول إلى مدينة الخفجي كونها أكثر أماناً وبعيدة عن المنفذ السعودي المقابل لمنفذ النويصيب الذي كان يسيطر عليه الجيش العراقي، إضافة إلى وجود أمارة هناك، وبها الضيافة الخاصة، واقتنع الشيخ جابر الساعة الـ9 صباحاً بالقدوم إلى الضيافة، وفي الساعة الـ12 ظهراً وصل أمير المنطقة الشرقية حينها الأمير محمد بن فهد إلى مدينة الخفجي، واصطحب الشيخ جابر  إلى مدينة الدمام".

 

ويضيف العطيشان "مواقف أهالي الخفجي كانت مشرفة جداً، إذ قاموا بأدوار بطوليَّة ولم يغادر أحد منهم قبل بداية عملية عاصفة الصحراء، بل استقبلوا المواطنين الكويتيين في منازلهم، كما نُصِبَ عددٌ من الخيام لهم، وتجهيز أكثر من 35 مدرسة لاحتواء ما يقارب 20 ألف كويتي، إضافة إلى توفير جميع المستلزمات والخدمات التي يحتاجونها حسب توجيهات القيادة السعوديَّة".

ويستذكر العطيشان دور الملك فهد الذي وصفه بـ"البطولي" في تلك الحرب، واتخاذه قرارات مصيرية، ورفضه الاحتلال العراقي، "إذ وقف شامخاً حتى أقنع العالم بإنشاء تحالف عسكري لتحرير الكويت، من الأراضي السعودية".

جاء وقت صقور الجو
أمَّا اللواء ركن طيار محمد القبيبان، فاعتبر دخول القوات العراقيَّة مدينة الخفجي بمثابة قياس لجاهزية القوات السعوديَّة، التي أظهرت احترافيَّة ضباط وأفراد الحرس الوطني، الذين كان لهم الدور الكبير في هذه المعركة بمعاونة باقي القطاعات الأخرى.

وقال "العمليَّة كانت مباغتة وغير متوقعة، الأمر الذي أدى إلى اشتباك بين القوات المشتركة وقوات النظام العراقي، ما أدى إلى خسائر فادحة، جعلتهم يتراجعون خلال أيام قليلة، وهنا تغيّرت مفاهيم ضباط الجيش العراقي، وأعادوا النظر في الخطأ الجسيم باقتحامهم مدينة الخفجي، لكن في المجمل كانت المعركة بكل المقاييس للجانب السعودي رغم بعض الخسائر، كونها حرباً مضادة".

ويضيف، "أظهرت حرب الخليج جوانب التفوّق العسكري السعودي في نقاط أهمها البنية التحتيّة والاستراتيجيَّة لجميع القواعد العسكريَّة، التي استقبلت أكثر من 500 ألف جندي أميركي، كما أظهرت مدى قدرة أفراد الجيش في التعاون والتعامل مع القوات الأجنبية".

ورغم مرارة الحرب فإن الجميل فيها، بحسبه، تكوين صداقات بين أفراد القوات المشتركة التي ضمت أكثر من 30 دولة، التي لا تزال العلاقة معهم مستمرة حتى الآن.

وعن مستوى التدريب أشار القبيبان إلى أن "مستوى استثمار الدولة في الضابط السعودي ظهر خلال هذه الحرب، الذي أكد قدرته وجاهزيته في جميع الأوقات، ومن هذه النجاحات قصة العميد طيار عايض الشمراني الذي أسقط طائرتين عراقيتين في سبع ثوانٍ، الأمر الذي أكسب الجيش السعودي احترام الجيوش التي تعاملت معه في أثناء الغزو".

ولفت إلى أن "الحرب كذلك أظهرت للسعوديين قوة العلاقات السياسيَّة والاستراتيجيَّة لبلادهم ليس فقط مع  الولايات المتحدة، إنما مع جميع الدول المشاركة في عاصفة الصحراء".

ودعا اللواء المتقاعد القبيبان إلى ملاحظة "أن السعوديين على المستويين العسكري والسياسي سجلوا درجة عالية من الانضباط والترفع عن نزعة الانتقام، فعلى الرغم من التفوّق العسكري على الجانب العراقي فإنهم لم يعاملوه بالمثل، ولم يستغلوا الحشد العسكري العالمي في تدمير وإنهاء الدولة العراقيَّة، إنما اكتفوا بطرده من الكويت".

كما أشار إلى أن "قادة التحالف أظهروا حنكةً في التعامل مع الجانب الأميركي، وكانوا نداً، ولم يبدوا أثناء المعارك أو في القواعد العسكريَّة كما لو أنهم تابعون للأميركيين، إنما حافظوا على استقلاليتهم". وكان دور الأمير خالد بن سلطان في هذا الجانب يقول القبيبان "مؤثراً في لجم الغطرسة الأميركية".

ما حكَّ جلدك مثل ظفرك
وإذا ما عدنا إلى اللحظات الحاسمة التي سبقت اندلاع النيران لطرد العراقيين من الأرض السعوديَّة، فإن قائد المعركة الأمير خالد بن سلطان روى أن الهجوم في الأساس كان نتيجة خطأ أميركي، إذ تأخروا كثيراً في إسناد حلفائهم على الأرض بالطيران. وذلك أن السعوديين أبقوا على عدد من القوات الخليجيَّة والسنغاليَّة والمغربيَّة على تخوم المدينة الاستراتيجيَّة، وكانوا يرصدون التحركات العراقيَّة، لكن حين طلبت من الأميركيين الذين يقودون القوات الجويَّة للتحالف كله تباطؤوا في الاستجابة لأسباب ليست واضحة حتى الآن، وهناك عادت إلى قائد المعركة حكمة المثل العربي القديم "ما حكَّ جلدك مثل ظفرك"، فحرَّك قدرات بلاده الذاتيَّة.

وجاءت التحضيرات للمعركة على النحو التالي، إذ قال "مقاتل من الصحراء"، "كان أول واجباتي بعد أن استمعت إلى تقرير اللواء سلطان المطيري، حلّ المعضلة الشائكة للإسناد الجوي. اتصلتُ بقائد القوات الجويَّة السعوديَّة، الفريق أحمد البحري، في مركز العمليات بالرياض، وأبلغته أني أريد إجراءً فورياً الآن، فأعطى سماعة الهاتف للفريق هورنر الذي كان يجلس إلى جانبه، فقلت له أريد إسناداً جوياً، وكذلك ضربات جويَّة بطائرات b-52 لتدمير التجمعات العراقيَّة ومنْع وصول أي تعزيزات أخرى إلى الخفجي، ولو استدعى الأمر تحويل المجهود الجوي للحملة الجوية على الأهداف الاستراتيجية داخل العراق. كما شدَّدت عليه أن يقلِّل عدد الغارات الجويَّة على الأهداف الاستراتيجيَّة، ويكثِّفها على منطقة الخفجي.

ولا أدري، حتى اليوم، ما دار بين الفريق هورنر وقيادة مشاة البحرية الأميركية، لأنني شعرت من إجابته أنه لم يكن مسيطراً سيطرة كاملة على جناح الطيران لمشاة البحرية.

وانقضت ساعة كأنها دهرٌ، ولم تنفذ أي طلعة جويَّة. فاتصلت بالعميد أحمد السديري رئيس هيئة العمليات الجوية. كان الدم يغلي في عروقي، إذ وصلني تقريرٌ يفيد بأن رتلاً عراقياً مدرعاً طوله 15 كيلومتراً يتقدّم نحونا.

صحت قائلاً (انسَ موضوع القوات الجوية المتحالفة. إذا لم تتدخل القوات الجويَّة الأميركيَّة أو طيران مشاة البحرية فوراً، فسأسحب كل الطائرات السعوديَّة من المجهود الحربي للتحالف، وأرسلها إليّ فوراً. أريد طائرات التورنيدو وطائرات F-5 وكل ما لديك).

كان ذلك بمثابة إنذار، لم يلبث أن آتى ثماره. فلم تمضِ دقائق حتى قام هورنر بتحويل جزءٍ كبيرٍ من القوة الجويَّة للتحالف من أماكن مختلفة إلى طرق الاقتراب إلى مدينة الخفجي. وبدأ سيْلٌ من طائرات التحالف يقصف القوات العراقيَّة المتقدّمة، باستخدام الأسلحة الدقيقة التصويب والقنابل العنقوديَّة. وفي غارة واحدة لثلاث طائرات B-52 دُمِرت 80 آلية عراقية، فتصاعدت منها نيران أضاءت كبد السماء. وظلت طائرات التحالف تقصف التجمعات العراقيَّة ليلة 30 - 31 يناير (كانون الثاني) مستفيدة من قدْرتها على القتال الليلي.

ونجحت في دحر فِرقتين عراقيتين من الفيلق الثالث اكتُشِفَتا، وهما تتجمعان داخل الكويت، وتستعدان للهجوم على الخفجي، استغلالاً للنجاح الذي حقَّقَته بعض وحدات اللواء 15 مشاة آلية. كما اشتركت مدافع البحرية بالخليج في تلك المهمة".

أخطاء لا بد منها
أثبتت الطائرات الأميركية من نوع طائرات C – 130 فعالية كبرى ضد التجمعات المعادية، إذ إنها مسلحة بمدفعي هاوتزر عيار 105 مم على جانبيها. لكن هذا النوع من الطائرات كان عُرضةً للإصابة من أسلحة الدفاع الجوي الأرضيَّة الموجهة بصرياً، ومن ثَم اقتصرت مهامها على الطلعات الليلية فقط. وقبيل فجر الـ31 يناير (كانون الثاني)، تلقّى أحد طياري C – 130 إنذاراً من مركز الإنذار المبكر (أواكس) بالعودة إلى قاعدته فوراً، لأن ضوء النهار بدأ ينتشر. فأجاب قائلاً "لا أستطيع. أمامي أهداف كثيرة"، وبعد دقائق أُسقطت طائرته بصاروخ مضاد للطائرات محمول على الكتف موجَّه بالأشعة تحت الحمراء، وقُتِلَ أربعة عشر رجلاً كانوا في الطائرة، ولم تُسْتَعَدْ جثثهم إلاّ بعد انتهاء الحرب.

 

تمكّن بعض الدبابات وعربات نقل الجند المدرعة العراقيَّة من اجتياز حائط النيران، لكن عبور الفِرقتين العراقيتين الحدود في شكل منظَّم كان من شأنه، من دون شك، أن يجعل العراقيين متفوّقين على قواتنا في العدد بما يمكِّنهم من إيقاع قدر كبير من الخسائر في صفوفنا، وربما أدّى ذلك إلى اندلاع الحرب البريَّة الشاملة قلَّ أوانها، وهذا ما كان صدّام يصبو إليه.

كانت لتلك الهجمات الجويَّة على الأنساق الثانية والاحتياطيات العراقيَّة فعالية لا شك فيها، لكنها ما كانت لتؤدِّي إلى طرد العراقيين الذين دخلوا إلى الخفجي! تلك كانت مهمتنا نحن. فمهمتي العاجلة في ريش المنجور، إذ كان يساعدني باقتدار اللواء سلطان المطيري، تتخلص في تحليل الموقف الراهن بتطوراته السريعة، ووضع خطة للهجوم المضاد، وتخصيص القوات التي سيُوكّل إليها تنفيذ مهمة استرداد الخفجي. وكان ذلك تحدِّياً بالغ الصعوبة.

أول خبرة حربيَّة
إن استرجاع تلك الأحداث في هدوء، بعد أن مرَّت وفَتَرَ تأثيرها يجردها من القلق والاضطراب والضغوط النفسيَّة التي صاحبتها. ولا يَسَع أي قائد عسكري إلا أن يؤكد أنه في وقت الحرب لا يمكن للمرء أن يعرف بالتحديد، زماناً ومكاناً، ما يفعله جنوده هو، ناهيك بجنود عدوه. فمهْما بلغت كفاءة القيادة والسيطرة والاتصالات لا بد من وجود ثغرات في المعلومات المتوافرة لدى القائد. فإصدار الأوامر سهلٌ، لكن الصعبَ هو التأكد من سرعة إطاعتها ودقة تنفيذها. كانت تلك هي المرة الأولى التي تُخْتَبر فيها القوات السعودية في معركة حقيقية بهذا الحجم.

كان التحالف يَزْخَر بعدد من القادة ذوي الخبرة الواسعة، بينهم شوارتسكوف ودي لابليير وروكجوفر، إضافة إلى القادة المصريين والسوريين الذين عَرَكَتْهم حروبهم مع إسرائيل وكذلك القائد المغربي الذي اكتسب خبرته في القتال ضد البوليساريو في الصحراء الغربية.

كنت على يقين أن أدائي سيكون موضع ملاحظة هؤلاء القادة جميعاً، يؤكد القائد السعودي، الذي أقرّ بأن أكثر ما يشغله، هو "كيف أُطمئن قيادتي العليا بأنني قابضٌ على زمام الأمور. كان خادم الحرمين الشريفين القائد الأعلى للقوات المسلحة السعودية، يرغب في أن يرى نتائج سريعة وحاسمة، وله كل الحق في ذلك. كان يرغب في طرْد قوات المعتدي في الحال. ولا يريد لصدّام أن يستقر في الخفجي لحظةً واحدةً، كي لا يظهر للعالم أن في وسعه غزو السعودية والإفلات دون عقاب. لذلك اتصل الملك بي مرات عدة آمراً باتخاذ الإجراءات الفوريَّة. وتلقَّيت تعليمات بهذا المعنى من الأمير سلطان أيضاً. كانت تلك أول قيادة لي في حرب حقيقية، وكانت الأزمة بالغة الأهمية. لكنني شعرت بالارتياح عندما علمتُ بأن الأمير سلطان قال بالحرف الواحد: (إن الأمر الآن في يد خالد، ولا بد أن نتركه يؤدِّي مهمته دون تدخل)".

ظلت تعليمات الملك تتردد في مسامعي. كان يرغب في أن أسترد الخفجي بأقصى سرعة ممكنة، وأن أحسم الأمر مهما كان الثمن. هانت عليَّ حياتي في تلك اللحظة. فاستوى عندي النجاة والموت. لم يكن الملك يحاول أن يُمْلِي عليّ مساراً معيناً لمعالجة الأزمة. لكن بدا لي أنه كان في غاية الحرص على استرداد قطعة عزيزة من ترابنا الوطني.

قبل الاشتباك
رجوته مُلِحّاً أن لاّ يهتم بالأمر. كنت واثقاً من نتائج المعركة المقبلة. لكنني كنت، في الوقت نفسه، حريصاً على حقن الدماء. وحاولت أن أوضح رغبتي في إنجاز المهمة بأقل قدْر ممكن من الخسائر في الأرواح. كنت متأكداً من أن الاشتباك في المعركة بالسلاح الأبيض داخل المدينة في أثناء الليل سيقضي على قواتي التي لم تكُن مدرَّبة تدريباً جيداً على القتال في المناطق المبنية. كنت أريد أن أَتَرَيَّث وأبدأ الهجوم مع أول خيط من النهار. ولم يكن في وسعي أن أُظهِر للملك نتائج فورية. والحمد لله أنني لم أُعزل في تلك الليلة!

وفي تلك الأثناء، أخذت محطات الإذاعة في بغداد وعَمّان وصنعاء تصف الغارة العراقيَّة، وكأنها نصرٌ مبينٌ. ويقال إن صداماً زار قواته الأماميّة في الكويت، وادّعى أنه هو الذي أدار المعركة بنفسه. كنت أعلنت في وقت سابق، قبل أسابيع قليلة، في أثناء التجهيز للحملة الجويَّة، في كلمة لي خلال إحدى جولاتي التفقُّدية، أنه إذا لم ينسحب صدّام من الكويت فسوف نُلَقِّنُه "درساً لن ينساه". وكان عليَّ أن أُثبِت أنني لست ممن يقولون ما لا يفعلون.

خطط السعوديون في البداية للهجوم مع شروق شمس يوم الـ31 من يناير (كانون الثاني) 1991م، لكنهم عَلِموا أن الجنود العراقيين يستيقظون مبكرين، ويمارسون أعمالهم لساعة أو نحوها، تعقبها فترة راحة في الثامنة. لذا قرروا أن يبدأ الهجوم الثامنة صباحاً.

وهكذا ترك قائد القوات العربيَّة والإسلاميَّة بن سلطان مهمة قيادة ميدان المعركة لرجله الذي أثنى عليه كثيراً اللواء سلطان بن عادي المطيري، قائلا له (الآن أترك الأمر لك ولن أتدخل، وإذا احتجْتَ إلى مساعدتي فستجدني إلى جانبك).

كانت معركة الخفجي قصيرة، لكنها شرسة كل الشراسة. فقد دارت أنشطتها متزامنة إلى حدّ ما في مواقع مختلفة وبأساليب مختلفة. بدأ الهجوم بعد الثامنة صباحاً بقليل، يوم الـ31 من يناير (كانون الثاني) على محورين. المحور الأيمن، نفّذته الكتيبة الثامنة مشاة آلية من لواء الحرس الوطني مدعمة بسرية مشاة آلية قطَرية. والمحور الأيسر نفّذته الكتيبة السابعة مشاة آلية من لواء الحرس الوطني مدعمة بسرية دبابات قطَرية وفصيل صواريخ مضادة للدبابات Hot. كان الهدف من الهجوم التوغل إلى عمق المدينة وتدمير التجمّعات العراقيَّة الرئيسيَّة فيها، بينما تتحرك في الوقت نفسه كتيبة مشاة بحرية سعودية على الطريق الساحلية بهدف منْع أي تحركات عراقيَّة في اتجاه الجنوب.

وحين اقتربت العربات المدرعة للحرس الوطني من مدخل المدينة، تصدّى لها العراقيون بكثافة نيرانيَّة من الدبابات والصواريخ. وكانت القوات العراقيَّة متحصِّنة، إذ اختبأت إلى جوار الأبنية أو في الخنادق المحصَّنة. كما تصدى القنَّاصة كذلك لكل محاولات التقدم. وفي أول اشتباك عنيف كانت خسائر وحدات الحرس الوطني قليلة جداً، شهيداً واحداً وأربعة جرحى. وفي العاشرة أعيد تجميع تلك الوحدات، وتحصَّنت في الطرف الجنوبي للخفجي.

السيادة الجويَّة لا تقدر بثمن
كان السؤال المهم الذي واجه القوات الخليجية، وهي تستعد لاستئناف القتال هو "هل يمكن للقوات العراقيَّة المحاصرة الحصول على تعزيزات؟".

أوْلى السعوديون اهتمامهم، إذ تلقوا تعليمات بأن لواءً مدرعاً (رصد أكثر من 100 دبابة وناقلة جند مدرعة) يتحرَّك بسرعة عالية من الكويت في اتجاه الحدود ومدينة الخفجي. كان اللواء العراقي في تشكيل قتالي يمتد إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات، ولم تكن تجري أي محاولة جادة من الجو لإيقافه. "كانت تلك اللحظة من أحرج اللحظات بالنسبة إلينا. كنّا ندرك أن قواتنا المهاجِمة ستصبح في خطر مُحدِق إذا وصل ذلك الرتل العراقي المدرع إلى المدينة، إذ كان من شأن ذلك أن يرجّح كفة القوات العراقيَّة، لذا كان لا بد من إيقاف هذا اللواء. فصدرت الأوامر إلى كتيبة الدبابات من اللواء الثامن الآلي، التي أسندت إليها مهمة قطع طريق التعزيزات إلى الخفجي، بالاشتباك مع العدو. وأبلت تلك القوات بلاءً حسناً. فبعد معركة استغرقت ثلاثين دقيقة، أبلغ قائد الكتيبة أنه نجح في تدمير 12 آلية عراقيَّة، وأن العراقيين بدؤوا الانسحاب ليقوموا بعملية إعادة تجميع خلف الحدود. لكن طائرات التحالف كانت لهم بالمرصاد في هذه المرة، فتكبَّد العراقيون خسائر جسيمة، ما أجبر بقية قواتهم على التقهقر السريع"، يقول القائد السعودي.

بعد أن أجهضت محاولة التعزيز العراقيَّة الضخمة، تقدمت إلى المدينة الكتيبتان السابعة والثامنة مشاة آلية التابعتان للحرس الوطني، تساندهما سريتان قطريتان، إحداهما سرية دبابات والأخرى سرية مشاة آلية مدعمة بفصيل صواريخ للدبابات، فانهالت عليها نيران القنَّاصة العراقيين إلى جانب نيران الدبابات والرشاشات الثقيلة، كما عرقلت تقدمها أيضاً نيران المدفعيَّة العراقيَّة، التي كانت تطلَق من شمال المدينة. خاضت قواتنا، ذاك الصباح كله، عدداً من الاشتباكات مع العراقيين من شارعٍ إلى شارعٍ، ومن بيتٍ إلى بيتٍ، تأخذ الأسرى وتكبّد العراقيين المدافعين خسائر فادحة.

وقرب الظهر، عندما استدعت قوات الحرس الوطني سيارات الإسعاف لكي تخلي الشهداء والجرحى في صفوفها، شنّت الدبابات العراقيَّة هجوماً مضاداً عنيفاً، فدمَّرت سيارتي إسعاف، وأمطرت قافلة الإغاثة بوابل من نيران الرشاشات.

وفي الساعة (13:30)، شقَّت القوات المهاجمة طريقها إلى الجانب الآخر من مدينة الخفجي، وانهارت المقاومة العراقيَّة أو تكاد. واستمر العراقيون في أثناء انسحابهم في توجيه نيران مدافعهم وراجمات صواريخهم إلى المدينة. وحاول بعض العراقيين الفرار في اتجاه الشمال على إحدى الطرق الساحلية الوعرة بعد أن أَيقنوا الهزيمة، لكنهم لم يَسلموا من الهجمات الجويَّة، وفقدوا 12 دبابة أخرى في محاولة الفرار تلك. كما أن بعض الآليات تركت سليمة بعد أن غادرتها أطقمها.

لم تكن القوات العراقيَّة على الأرض تتمتع بأي مساندة جويَّة، فغدت بذلك عرضة لهجمات التحالف الجويَّة، أمّا المدافع السوفييتية الصنع المضادة للطائرات من عيار 57 مم التي كانت بحوزة العراقيين، فلم تُسْتخدم بشكل فعَّال.

شجاعة عراقيَّة لا تنكر
وخلاصة القول، إنّ المعركة كانت شرسة حقاً، وخاضها العراقيون بشجاعة، وأبدَوا مقاومة عنيدة إلى أن انهارت معنوياتهم. وذكر اللواء سلطان في تقريره الذي رفعه إليَّ أن 32 جندياً عراقياً قتلوا وجُرِح 35، وأُسِرَ 463 آخرون. وكانت خسائر الجانب العراقي في المعدات تدمير 11 دبابة T-55، إضافة إلى 51 ناقلة جند مدرعة، كما تم الاستيلاء على 19 عربة مدرعة أخرى.

أمّا الخسائر بالجانب السعودي، في نهاية اليوم، فكانت استشهاد 18 وجرح 32 آخرين، إضافة إلى فَقْد 11 عادوا جميعهم بعد ذلك من دون أن يلحق بهم أي أذى. أمّا الخسائر بالمعدات، فكانت ثلاث دبابات وراجمة صواريخ واحدة وسيارتي إسعاف. وهكذا انتهت المعركة وكتب الله للخليجيين النصر المبين.

بعد أن تلقّى الملك فهد نبأ دحر العراقيين وجَّه رجاله على الأرض فيما يروي خالد بن سلطان قائلا "لا تنس أن هؤلاء الأسرى أُجبروا على قتالنا، فَقبل أن تشرع في استجوابهم تأكد أنهم استراحوا واغتسلوا وأُلبسوا ملابس نظيفة، وقدّم إليهم الطعام، ولا تستجوبهم قبل ذلك". وهو ما يقول إنه نفذه بكل دقة.

المقاتل القصيبي
من خارج ميدان القتال العسكري، كان الوزير السعودي غازي القصيبي يقوم بدور قتالي مماثل على الجبهة الثقافيَّة، إذ قسَّمت حرب الخليج العرب ما بين مؤيدين تحرير الكويت، وآخرين انحازوا إلى سياسة الأمر الواقع التي فرضها صدام.

لذلك كانت زاوية "عين العاصفة" التي يكتبها القصيبي في الزميلة "الشرق الأوسط" بمثابة كتيبة أخرى على الأرض، خصوصاً أن الحرب الثقافيَّة استمرت طويلاً قبل بدء المعارك العسكريَّة، وأخذ السجال فيها أبعاداً قومية ودينيَّة وإقليميَّة.

وإذ اعتبرت معركة الخفجي بالنسبة إلى العسكريين أول النصر في حرب تحرير الكويت، فالنصر الأول بالنسبة إلى غازي كان نجاح بلاده في إقناع العالم بتشكيل التحالف ضد صدام، بعد المقاومة الشرسة التي وجدها القرار على المستوى السياسي.

لكن الكاتب السعودي رأى أن المعركة حتى وإن انتهت في منظورها، ينبغي أن تستمر دروسها إلى ما لا نهاية. وقال "إذا كانت العاصفة هدأت بعودة الكويت التي تمت، وبسقوط محتلها الذي سيتم قريباً، بعونه تعالى، فلا ينبغي لنا أن ننسى ما كان خلال العاصفة، من وقف معنا، ومن وقف ضدنا، أبداً أبداً، والسبب بسيط هو أن أولئك الذين لا يتعلمون من التاريخ، يحكم عليهم بأن يكرروه".

المزيد من العالم العربي