Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطين كسلاح للبقاء: كيف يواجه الغزيون الشتاء والحصار؟

منعت إسرائيل دخول الأسمنت إلى القطاع فلجأ الأهالي إلى طرق بناء بدائية لحماية ذويهم من الأمطار والبرد

وسط برك المياه بعد أن غمرت الأمطار الغزيرة مخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة، 25 نوفمبر 2025 (أ ف ب)

ملخص

في الواقع، يضطر سكان غزة للبحث عن أنماط غير تقليدية لبناء مساكن تحميهم من أمطار الشتاء وبرده القارس، فلجأوا إلى الطين الأحمر في محاولة منهم لمراوغة منع إدخال مواد البناء، وصنعوا مشهداً يعكس كيف تحولت سياسات الحصار إلى سبب يُعيد الحياة داخل القطاع غير الصالح للعيش.

تحت سماء رمادية مثقلة بالمطر يعجن رضوان الطين الأحمر والقش بيديه، يراقب الغيوم الملبدة ويرش القليل من الماء فوق الخليط ليصبح ليناً، يرسل نظره للحظات نحو الحجارة التي جمعها ليتأكد أنها كافية لبناء غرفة موقتة يعيش فيها مع أسرته بدل حياته في خيمة بالية داخل معسكر نزوح.

داخل ساحة صغيرة مكان منزله الذي دمره الجيش الإسرائيلي أثناء الحرب على غزة، يشرع رضوان في أعمال البناء، يصف الحجارة بطريقة متشابكة، ثم يغرف بيده المتسخة كتلة صغيرة من الطين الممزوج بالقش ويضعه بين الطوب، يبني جداراً يعلق عليه الآمال بأن يقيه الأمطار والبرد، وينقذه من ويلات العيش في خيمة.

محاولات للبقاء

بجهد يبني رضوان أول جدار في بيته من الطوب المخلوط بالطين الأحمر، يتصبب العرق من جبينه. من شدة الإرهاق يتوقف للحظة ينفض الطين عن كفيه، ويقول "لا أسمنت هنا، ولا حديد، فقط طين وأحجار وذكرى بيت كان قائماً يوماً ما".

لم يكن بناء بيت من الطين خياراً محبباً لدى رضوان، بل محاولة للبقاء ومواجهة المطر الذي يتسلل إلى خيمته، ووراء هذا القرار قصة من الألم عاشها، وحكاية من العمل الدؤوب استغرقت معه أياماً طويلة حتى شرع في أعمال التشييد.

قبل الحرب، كان لرضوان بيت مشيد من الحجارة والأسمنت وبه ذكريات حياته مع أطفاله، لكن بسبب القتال العسكري بين "حماس" وإسرائيل، تعرض بيته للقصف وتحول لكومة أنقاض وحجارة متناثرة.

 

نزح رضوان إلى معسكرات من الخيام، عاش فيها أياماً طويلة كانت مرة قاسية، يروي "صغيرة هي الخيمة، لا حمام فيها ولا مطبخ، قاسية جداً لا ترأف بالبشر، المطر يتسلل منها كأنه عدو، تغرق بسرعة ونغرق معها في أعمال لا طائل لنا بها، ننقذ الفراش من المياه ونواجه عواصف الرياح، تتمزق الخيمة بسرعة وتصبح بالية".

في الخيمة، مرض صغار رضوان وعاشوا كالمشردين، ناموا على أرض باردة وأكلوا طعاماً اختلط به الرمل، دخلوا حمامات عامة ملوثة تجلب الوباء، كافحوا القوارض والفئران وفشلوا، كل هذه العوامل دفعت الأب لبناء بيت من طين عله يغير حياة أسرته للأفضل قليلاً.

زار رضوان بيته المدمر، جلب مجرافاً يدوياً وأخذ ينظف مساحة صغيرة من الأرض المتناثر عليها الركام، وقرر أن يبني فوقها غرفة صغيرة من الطين الأحمر والقش، ووراء هذه الخطوة حكاية عرضته للموت مرات.

قرب الخط الأصفر

يوجد الطين الأحمر داخل المناطق الشرقية لغزة، وهي ما زالت خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وعلى رغم ذلك خاطر رضوان بحياته وتوجه نحو الخط الأصفر، عبأ أكياس من الطين وبينما كان يفعل أطلق عليه الجنود النار، كاد يقتل ولكنه لم يتراجع، غامر بحياته لأجل غرفة بدائية يعيش فيها.

على كتفه حمل الطين ونقله حيث ركام بيته، وبعدها بدأ مرحلة جمع الحجارة السليمة من منزله، كانت مهمة شاقة متعبة وتستغرق وقتاً، إذ بعد استخراجها تحتاج إلى تنظيف من الأسمنت العالق بها، ثم شرع في إعداد خليط الطين، ولاحقاً خلطه ببعض القش والتبن من أجل أن يتماسك ويصبح مؤهلاً للبناء.

بصوتٍ متعبٍ يقول رضوان "البناء بالطين رمز للإصرار على الحياة، إنه دليل على الصمود في غزة إن كانت إسرائيل تفهم معنى ذلك، إنه مادة بديلة عن الأسمنت نواجه من خلاله الحصار ومنع مستلزمات الإعمار، صحيح أنه حل موقت ولكنه بديل يواجه الحصار وتدمير المنازل، إنه خيار عملي في ظل الظروف المعقدة، ويوفر حماية أفضل من الخيام المهترئة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الواقع، يضطر سكان غزة للبحث عن أنماط غير تقليدية لبناء مساكن تحميهم من أمطار الشتاء وبرده القارس، لجأوا إلى الطين الأحمر في محاولة منهم لمراوغة منع إدخال مواد البناء، وصنعوا مشهداً يعكس كيف تحولت سياسات الحصار إلى سبب يعيد الحياة في القطاع غير الصالح للعيش.

داخل حوض بلاستيكي مهترئ يخلط رزق الطين بالماء، ويجلب حجارة جمعها بصبر من بين ركام بيته الذي سقطت جدرانه بسبب القصف الإسرائيلي، ويبدأ في بناء جدران منزله المدمر جزئياً، يقول "أحاول حماية صغاري من مياه الأمطار التي تسلل من كل اتجاه، وتغزو الغرف المكشوفة وتحول الأرض إلى مستنقع بارد".

على بعد أمتار من خليط الطين والقش، ينام صغار رزق على فراش مبلل. يضيف "في الليل لا ننام، نضع أوعية لنحجز المطر، الشتاء في غزة صار عدواً، والطين الأحمر أضحى سلاحاً أحاول به إنقاذ صغاري من المطر، بعدما جربت الشوادر والنايلون والخشب في مواجهة زخات الشتاء القوية".

يضحك رزق بمرارة، ثم يتابع "لم أتخيل يوماً إن أبني بيتي بيدي، كأننا رجعنا بالزمن 100 عام إلى الوراء، هذا الطين كنا نستخدمه لتزيين الحدائق، أما اليوم لنحمي أولادنا من الغرق". يقطع حديثه ليعاود وضع الطين بين الحجارة، ويوضح أنه يعرف أن الجدار قد يسقط ولكن ما بيده حيلة، فالأسمنت ممنوع ومواد الإعمار لا تدخل.

قبل بناء غزة

ضاعف فصل الشتاء معاناة الغزيين الذين خرجوا من حرب ساحقة تسببت في تدمير 150 ألف وحدة سكنية بالكامل، إضافة إلى 200 ألف وحدة سكنية تعرضت للتدمير الجزئي، فضلاً عن 80 ألف وحدة سكنية أصبحت غير صالحة للسكن.

ومع كل منخفض جوي تسقط البيوت المتصدعة فوق رؤوس ساكنيها، أما النازحون الذين يعيشون داخل خيام فيغرقون وتتفاقم معاناتهم، لذلك بحثوا عن أنماط غير تقليدية لبناء مساكن تقيهم الأنواء وبخاصة في ظل غياب مواد الإعمار.

ومنذ بداية الحرب، تفرض إسرائيل قيوداً مشددة على دخول الأسمنت والحديد ومواد البناء الأساس بذريعة الاستخدام المزدوج، ومع دخول المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار استبشر الغزيون بإعادة بناء مدينتهم، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال "لا، المرحلة التالية ليست إعادة البناء بل نزع السلاح، لن ندخل ذرة من الأسمنت قبل أن أرى كومة بنادق من 60 ألف قطعة كلاشينكوف".

 

هذا التصريح بدد آمال الغزيين في الإعمار، وحينها وجدوا أنفسهم أمام الطين الأحمر الذي يعد استخدامه في أعمال البناء غير آمن. وحالياً انتشرت بيوت الطين القديمة في غزة وجسدت مرارة الحياة في القطاع خلال القرن الـ21، وأعادت إلى الذاكرة بدايات التهجير للفلسطينيين عام 1948 وحينها شيدوا بيوتهم بطريقة بدائية من الطين الأحمر.

قبل الحرب كانت البيوت الطينية نادرة داخل قطاع غزة، ويُنظر إليها كإرث تاريخي يعود إلى الأجداد، ولم يتوقع الغزيون العودة إلى هذا النوع من العمارة الذي يعد أحد أقدم أنماط البناء على الإطلاق.

أحجار سودتها النيران

لم يكن بناء بيت الطين سهلاً كاسمه، وبخاصة على ريهام التي تحاول بنفسها كسيدة إعادة ترميم بيتها الذي تحول إلى مساحة مفتوحة تتوسطها بقايا أعمدة متصدعة وأحجار سودتها النيران.

بين أنقاض منزلها تجلس الأم الأربعينية على الحجارة المتصدعة تفتت كرات الطين وترشها بالماء، تقول "بيوت الأجداد بُنيت على هذه الشاكلة، إذ فن العمارة أقل". تحمل معولاً بيدها وتبدأ خلط القش والماء والطين معاً لتعيد للمكان بعضاً من حياته.

حافية القدمين تعمل ريهام وقد غطى الطين يديها وملابسها، تضيف "لا نملك الأسمنت لنبدأ من جديد، نستخدم الطين الأحمر لتثبيت الحجارة، أنا لا أجيد حرفة البناء ولكني أحاول أن أفعل لحماية صغاري من المطر والرياح والبرد".

تتوقف ريهام لتلتقط أنفاسها، تؤكد أن الحرب أعادت غزة إلى العصر الحجري، لكن العيش في غرفة من الحجر والطين أفضل بكثير من العيش في خيمة، تعرف السيدة أن هذا البناء موقت، لكنها تعتبره رمزاً للإصرار على الحياة وسط الدمار.

من جانبها، تقول مهندسة البناء علا زيارة إن "لجوء السكان إلى استخدام الطين الأحمر كبديل عن الأسمنت يعد حلاً اضطرارياً فرضته ظروف الحصار ومنع مواد الإعمار، لكنه يبقى حلاً موقتاً لا يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل".

وتضيف "من حيث المبدأ، الطين يملك قدرة تماسك أولية، وبخاصة إذا جفَّ في طقس معتدل، ويمكنه أن يصمد لفترة قصيرة أمام الرياح، ولكن لا قدرة للطين الأحمر على مواجهة المنخفضات الجوية، وطالما حذرنا من المبالغة في الاعتماد عليه".

توضح زيارة أن الطين بطبيعته مادة تمتص الماء، ومع الأمطار الغزيرة أو تكرار المنخفضات يبدأ بفقدان تماسكه ويتشقق وقد ينهار الجدار، مشيرة إلى أن استخدام الطين يعكس حجم الأزمة أكثر مما يقدم حلاً هندسياً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير