ملخص
على رغم كوارث الحرب لا يزال أمجد متعلقاً بحلم بناء أسرة وتجاوز كل المحن والصدمات التي واجهها عقب الحرب، قائلاً "لا أنكر الخوف من المجهول، ولكن لدي أحلاماً كثيرة ما زلت أرغب في تحقيقها هناك".
بمشاعر حنين وشوق للعودة إلى الوطن ممتزجة بالخوف من مصير مجهول، استقبلت النازحة الفلسطينية أم يحيى، كما تلقب بين أقرانها، نبأ فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر في الاتجاهين بعد إغلاق دام قرابة عام ونصف العام، قائلة "على رغم ما خلفته الحرب من شهداء وجرحى وما تركته في نفوسنا، فإن حلم العودة إلى بلدتي بمدينة غزة لم يفارق ذهني، وما زلت أتمنى اللحظة التي أعود فيها لأكمل ما تبقى من عمري برفقة زوجي وأفراد عائلتي".
أقدمت أم يحيى على التسجيل في الرابط الذي خصصته السفارة الفلسطينية لدى القاهرة أمام الراغبين في العودة، انتظاراً للحظة التي يحين فيها إدراج اسمها ضمن قوائم العائدين مجدداً. تقول "شعرت أنها فرصتي الوحيدة، مشاعر الحنين تغلبت على نزعة الخوف بداخلي وأصبحت أتشوق لرؤية زوجي وأفراد عائلتي لأستعيد معهم الذكريات كافة التي لا تزال محفورة في ذهني".
تعود النازحة الفلسطينية بذاكرتها للوراء، قائلة "ما زال مشهد دمار منزلي وهربي برفقة أبنائي الأربعة، بينهم رضيعة، ورفض زوجي الرحيل والتمسك بالبقاء خوفاً على حياة والدته المريضة وحتى لا يوصم بين أبناء بلدته بعدم الشهامة أو الجبن، عالقاً في ذاكرتى"، مشيرة إلى أنها توجهت إلى مصر خلال مارس (آذار) 2025، لإنقاذ أبنائها من ويلات الحرب والمصير المظلم الذي خلفته وآثارها المدمرة.
وتضيف لـ"اندبندنت عربية"، "لم أشعر بالغربة في مصر، بل أحسست بأني في وطني الثاني، بعدما وجدت دعماً ومساعدة من كثير من الأسر والعائلات على الصعيدين المادي والمعنوي، وساعدتني بعض النازحات الفلسطينيات باستضافتي بمنازلهن وتكفلن برعايتي وأبنائي من دون مقابل طوال فترة إقامتي".
لم تلق نصائح الزوج المتكررة بالتراجع عن قرار العودة خلال الوقت الراهن، متذرعاً بتهالك البنية التحتية وصعوبة الأجواء المعيشية وانعدام المرافق وتردي الأوضاع، آذاناً صاغية من أم يحيى، وضربت بها عرض الحائط، مصرة على استكمال طريقها نحو العودة مهما كانت الظروف والصعوبات التي ستواجهها، ومتمنية أن تقضي شهر رمضان المقبل برفقة زوجها وأسرتها في مدينتها.
قبل الحرب، كان المعبر الحدودي مع مصر المنفذ الوحيد المباشر لمعظم الفلسطينيين في غزة للوصول إلى العالم الخارجى، فضلاً عن كونه نقطة دخول رئيسة للمساعدات إلى القطاع، وأغلق منذ مايو (أيار) 2024.
زواج بين الحطام
كذلك تنفس النازح الفلسطيني العشريني أمجد علي (اسم مستعار) الصعداء، فرحاً بعودته مجدداً إلى وطنه من أجل الاطمئنان على والدته وأشقائه والبقاء برفقتهم، علاوة على استكمال إجراءات زواجه التي توقفت عقب اندلاع الحرب واضطراره للفرار من بلدته بحي النصيرات إلى مصر خلال مايو 2024. يقول "تمنيت تلك اللحظة كثيراً، وشعرت أن الفرصة سنحت لكي أكون برفقة عائلتي وفي وطني مرة أخرى".
لم يفوت الشاب الذي كان يعمل موظفاً بشركة برمجة في مصر قبل إغلاقها فرصته، وقام بالتسجيل في قائمة الراغبين بالعودة حتى حصل على الموافقة ولكن من دون أن يتحدد الموعد الرسمي للسفر، وبدأ في تجهيز أمتعته ومستلزماته للعودة، قائلاً "على رغم صعوبة الأوضاع والدمار الهائل الذي خلفته الحرب فإن العيش في بلدي ووسط أسرتي من أسعد لحظات حياتي".
يقول أمجد "قبل اندلاع الحرب توجهت رفقة عائلتي لخطبة فتاة، ومع اشتداد المعارك والمواجهات توقفت مراسم وإجراءات الزواج كافة، وتعرض منزلي للهدم وأصبحت عائلتي تسكن داخل خيمة، لذلك لم يكن أمامي خيار سوى العودة للبحث عن أية وسيلة للحصول على تعويض مناسب مقابل منزلي الذي دمر واستكمال إجراءات زواجي، والبحث عن مكان لإيوائي وأسرتي وزوجتي حتى لو كنا سنقيم في خيمة أو بالعراء".
وأشار إلى أنه على رغم كوارث الحرب لا يزال متعلقاً بحلم بناء أسرة وتجاوز كل المحن والصدمات التي واجهها عقب الحرب، قائلاً "لا أنكر الخوف من المجهول، ولكن لدي أحلاماً كثيرة ما زلت أرغب في تحقيقها هناك".
وكانت إعادة فتح المعبر الحدودي من المتطلبات الأساس للمرحلة الأولى في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب، ولكن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تعرض لتحديات عديدة جراء جولات من العنف.
حلم مؤجل
على النقيض، عبر النازح الفلسطيني ناهض أبو عجوة (60 سنة) عن تمسكه بالبقاء في مصر وعدم الرغبة في العودة حالياً، واصفاً الفكرة بـ"غير المجدية، فالظروف المعيشية والإنسانية في غزة ليست مهيأة أو مناسبة، وغالب أبناء مدينتي يعيشون في الخيام والعراء تحت أجواء شديدة البرودة بعد هدم بيوتهم، ويعتمدون كلياً على المساعدات والمعونات التي تقدم إليهم من المنظمات الإغاثية".
بصوت متأثر وتنهيدة ثقيلة يقول أبو عجوة لـ"اندبندنت عربية"، "منزلي دُمر أثناء الحرب، واستُشهدت زوجتي ونجلي وتعرض اثنان من أبنائي لإصابات خطرة جراء الاشتباكات، حتى تمكنت المنظمات الإغاثية من نقلهم للعلاج بالخارج، فلم يعد أحد ينتظرني في بلدتي سوى الأطلال والذكريات الأليمة".
وبلهجة لا تخلو من الحسرة والألم، يقول النازح الفلسطيني الذي فر من ويلات الحرب ووصل إلى مصر خلال مايو 2024، "ذاكرتي أصبحت مليئة بذكريات مريرة أصعبها حين تسلمت جثامين أسرتي أشلاء متفحمة".
يرى أبو عجوة، الذي يعمل خياط ستائر بمدينة شرم الشيخ السياحية على البحر الأحمر، أن فكرة العودة خلال اللحظة الراهنة مخالفة للمنطق، لأنه "وفقاً للمعلومات المتاحة فالمعبر لا يسمح إلا بمغادرة 50 شخصاً يومياً، أى بمعدل 18 ألفاً خلال العام، فلو سجلت للعودة حالياً سيحل دوري بعد 10 أعوام".
يقول النازح الفلسطيني إنه لاقى ترحيباً وحفاوة كبيرة من المصريين، إذ تمكن من الحصول على دعم معيشي وفرصة عمل وتكوين صداقات عديدة، مضيفاً "مصر عائلتي الكبرى بعدما فقدت أسرتي في الحرب. ولكن مسألة العودة إلى الوطن ضرورة حتمية لا جدال فيها، وستأتي حينما تنصلح الأمور وتعود الحياة إلى طبيعتها".
في مطلع فبراير (شباط) الجاري، أفاد مصدر خاص نقلاً عن قناة "القاهرة الإخبارية" ونقلته صحف ووسائل إعلام محلية، أن عدد المغادرين من مصر إلى قطاع غزة 50 شخصاً، وعدد القادمين من القطاع 50، خلال أول أيام تشغيل معبر رفح من الجانبين.
وقدر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال أبريل (نيسان) 2024، أن مصر تستضيف أكثر من 9 ملايين شخص من دول الإقليم وأفريقيا بسبب ظروف عدم الاستقرار داخل هذه البلدان، موضحاً أن الكلفة المباشرة لاستقبال هذا العدد أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وتتحملها مصر على رغم الأزمة الاقتصادية التي تواجهها، مضيفاً أن هناك "ما بين 1.3 و1.4 مليون نازح فلسطيني منتشرين وموزعين على الحدود بين مصر ومعبر رفح".
تحويشة العمر
حال النازح الفلسطيني براء أبو عمرة لا تختلف كثيراً عن ناهض، إذ قرر أيضاً التمهل حالياً وعدم العودة إلى بلدته في غزة، والتي ما زال يقطنها أفراد عائلته حيث تمسكوا بالبقاء ورفضوا الرحيل عقب اندلاع الحرب. يقول "غزة ستظل في روحي وقلبي وعقلي، ولكن للأسف أرى أن الوضع المعيشي فيها حالياً صعب، فالحصول على المياه والوجبات يحتاج الوقوف في طوابير طويلة، وكذلك دخول دورات المياه أحياناً، وحطام البيوت يملأ الشوارع والميادين، وغالب أبناء الوطن يعيشون في العراء أو الخيام، علاوة على غلاء المعيشة الذي طاول كل شيء". مردفاً "أتشوق للحظة التي أعود فيها إلى وطني وأكون برفقة أسرتي. ولكنني أنتظر اللحظة المناسبة لذلك حتى لا أخسر كل شيء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف أبو عمرة (27 سنة)، ويدرس ماجستير محاسبة في مصر، أن أسرته داخل غزة طلبت منه عدم العودة حالياً بسبب صعوبة العيش خلال تلك المرحلة، وطالبته بالاستمرار في دراسته والحصول على شهادة الدكتوراه ثم العودة بعد ذلك. يقول "استجبت لنصائح أسرتي حتى لا أصبح عبئاً عليهم، ولكي أنجح في مستقبلي وأعود يوماً ما لأساعد الوطن بكل ما أملك من علم وقدرات ومهارات".
ويشير إلى أنه وصل إلى مصر بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب ومقتل عدد من أفراد عائلته، ويقطن حالياً بمدينة الزقازيق في محافظة الشرقية، موضحاً أنه ينفق من "تحويشة العمر" في الإنفاق على معيشته ودراسته لحين العثور على فرصة عمل توفر له عائداً مناسباً.
مبادرات ودعم
كثفت شيماء فاروق (28 سنة)، صاحبة مبادرة "ديارنا" التي انطلقت عقب اندلاع الحرب لدعم النازحين الفلسطينيين في مصر، كامل طاقتها لدعم الراغبين في العودة إلى غزة أو العائدين منها أو الجرحى والمصابين الذين يحتاجون رعاية طبية عاجلة، مشيرة إلى أن المبادرة تقدم الدعم والمساعدة لهؤلاء النازحين بجهود ذاتية.
وأضافت صاحبة مبادرة "ديارنا" لـ"اندبندنت عربية" أن كثيراً من النازحين العائدين إلى وطنهم مجدداً أكدوا لها أن السلطات المصرية ساعدتهم في كثير من الإجراءات، وخففت عنهم أية قيود وسهلت أمامهم كثيراً من العقبات.
وفق شيماء، استطاعت المبادرة خلال الآونة الماضية تقديم الدعم والمساعدة لعدد من النازحين في تركيب أطراف صناعية لمصابي الحرب وتوفير أثاث بالمنازل، وتركيب سماعات طبية للمتضررين الذين فقدوا السمع نتيجة الصواريخ والطلقات النارية أثناء تصاعد الاشتباكات، إضافة إلى تأهيل نفسي وحفلات للأطفال، وعمل معارض ملابس وتوفير ملابس مجانية وتوزيع أغطية ومأكولات للأسر، وتوفير فرص عمل للشباب، وتقديم ألبان صناعية وحفاضات للأطفال، والمساعدة في عمليات الولادة وزيارات المستشفيات، وتوفير أدوات بسيطة لعمل مشروعات لصناعة الخبز الفلسطيني والمأكولات للسيدات المعيلات في مصر".
وتوضح أن المبادرة تستعد حالياً لاستقبال الدفعات القادمة من غزة بعد فتح المعبر ومعرفة حاجاتهم من توفير مسكن أو ملابس أو علاج، لافتة إلى أن المبادرة تقوم بجمع البيانات والمعلومات الكافية عنهم لتوفير تلك الحاجات والمستلزمات وتسهيل العقبات أمامهم.
وأعلن السفير الفلسطيني لدى القاهرة دياب اللوح ضمن مقابلة مصورة مع "رويترز" خلال مايو 2024، أن نحو 100 ألف فلسطيني خرجوا من غزة منذ بدء الحرب على القطاع.
وأخيراً، تفقد نائب رئيس مجلس الوزراء المصري ووزير الصحة والسكان خالد عبدالغفار معبر رفح البري في محافظة شمال سيناء، تنفيذاً لتوجيهات رئاسية بمتابعة استقبال وعلاج المرضى والمصابين من الفلسطينيين القادمين والعائدين إلى قطاع غزة، وآليات استيعاب الوافدين وتسكين ذويهم، وضمان استدامة الخدمات الطبية داخل التجمعات السكنية للمرافقين.