Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لكل قبر كاتب حكاية أليمة أو غامضة!

هل روايته تساعدنا في اكتشاف وإضاءة جزء خفي أو مظلم من تاريخ النخب الإبداعية والفكرية؟

عميد الروائيين الجزائريين محمد ديب الذي ينام في مقبرة بلدية "لا سيل سان كلو" بضواحي باريس (ويكيميديا)

ملخص

لو حاولنا قراءة حكاية قبر كل كاتب أو مفكر أو فنان من نخبنا المؤثرة، أكانوا هم من اختاروه أو اختير لهم أو أجبروا عليه، لأدركنا دلالة قبر الكاتب في إضاءة كثير من فصول محنة المبدع، في مقاومته وفي هشاشته.

قبر الكاتب، الكاتب الحقيقي، ليس كومة من تراب الأرض الأحمر أو من تراب النسيان البارد. كل قبر كاتب سجل ورمز لمسار قلم، في محنته أو جرأته، في قوته وضعفه، في التزامه أو تردده، وفي قراءة أخرى، إن صورة قبر الكاتب هي رؤية العالم كما يتصورها الراقد فيه، العالم والذات بكل تعقيداتهما وتناقضاتهما، إن قبر الكاتب ليس حفرة ترقد فيها جثة رد عليها طن من التراب الأحمر أو الأبيض أو الرمل، ورخامة منقوش عليها بعض كلمات وتواريخ.

تقدم لنا صورة قبر الكاتب رسالة فصيحة عن جزء خفي أو مستتر عن سيرة الكاتب، وذلك من خلال رمزية المكان الذي يوجد فيه القبر: البلد والمدينة والمجتمع، اختيار هذا المكان يخفي حكاية لم يتمكن الكاتب من كتابتها، أو فصل مفصلي لم ينهه من فصول الحكاية التي ليست خاتمتها القبر.

نقرأ رمزية صورة قبر الكاتب من خلال مكانه (جغرافيته)، وأيضاً من كلمات منقوشة أو مكتوبة على رخامة شاهدته، وكأننا نقرأ كتاباً لم يكتبه في حياته، أخطأه أو أخفاه أو منع من كتابته، وعلى القارئ أن يكمل كتابته بإبداع خاص.

نوم الكاتب في قبره ليس نهاية الحكاية، إنه خطوة أخرى نحو مربع أسئلة الحياة ومشاغلها السياسية والاجتماعية والعاطفية والذاتية.

نتأمل قائمة كتابنا ومفكرينا وفنانينا الكبار، أولئك الذين رحلوا فنجد قبورهم موزعة على هذه الأرض المكورة أو المدورة، ينام بعضهم في تراب بلدان باردة وينام آخرون في تراب بلدان ساخنة، بعضهم يتمدد في آفاق بعيدة جداً وبعضهم بجوارنا في أرض الأجداد القلقة.

هل يبحث الكاتب عن استكمال حياته الإبداعية والفكرية من خلال اختيار شكل قبره ومكانه؟ في البعد أو في القرب أو في الضياع؟

حين نقف على قبر كاتب يرقد في بقعة جغرافية بعيدة جداً عن مسقط رأسه، عن وطنه، عن لغته، عن أمه، عن أغنيات شعبه، نشعر وكأن المنفى متواصل، وربما بألم أكبر من ألم منفى الحياة.

ما معنى أن يكون الكاتب منفياً في الموت؟

جميعنا نريد أن ننام النوم الأبدي في تراب مشينا عليه حفاة ونحن أطفال، بالقرب من شجرة تين أو زيتون أو بلوط تنبت تحتها شتلة ذكريات جميلة، قاسية كانت أو ناعمة.

من حق الشاعر أو الروائي أو الفيلسوف أن يختار مكان نومه الأبدي، إذا ما كانت له القدرة على ذلك، لكن، في المقابل، من حق القارئ أن يتساءل لماذا قبر هذا الكاتب ها هنا أو ها هناك، لماذا ها هنا وليس ها هناك؟ كلما زرت باريس يحدث أن أتذكر كاتباً من كتابي المفضلين فأتوجه للوقوف على قبره، كاتباً رافقني منذ بداية علاقتي بالقراءة ثم لاحقاً بالكتابة، حصل لي ذلك مع عميد الروائيين الجزائريين وحكيمهم محمد ديب الذي ينام في مقبرة بلدية "لا سيل سان كلو" بضواحي باريس، هدوء المكان يشبه هدوء الكاتب، أقف على قبره الذي اكتفى بشاهدة بسيطة من رخام كتب عليها بالفرنسية ما يأتي: محمد ديب 1920-2003 "الشجرة والعزيزات" L’arbre et chères، هو الذي كتب عشرات الروايات ومثلها في القصة والشعر والمسرح وكتب الأطفال، حبر آلاف الصفحات، اكتفى بكلمتين "الشجرة والعزيزات" ليختصر وداعه ويعنون كتاب قبره. أتأمل قبره لدقائق واستعيد مدينة تلمسان مسقط رأسه التي تبعد من هذا المكان الذي في آخر الدنيا بنحو 2000 كيلومتر ما بين يابسة وبحر. من حق الشاعر أن يختار مكان رقدته، ولكن من حق القارئ أن يؤول قراءة كتاب القبر: أما كان لتراب تلمسان أن يختضن بدفء هذا الابن البار والاستثنائي؟ أليس من حق التلمسانيين وغيرهم من عشاق الكاتب أن يزوروا قبر محمد ديب كما يزورون قبر الشاعر الكبير ابن مسايب والزعيم مصالي الحاج؟ 

ربما هي أنانية القارئ

كنت كلما زرت الدار البيضاء بالمغرب، لا تفوتني بين الحين والآخر، أن أقف على قبر الفيلسوف والمفكر محمد أركون، الذي ينام في مقبرة الشهداء بهذه المدينة، أتأمل شاهدة قبره، أقرأها وأعيد قراءتها، فإذا كنت شبه متيقن بأن محمد ديب تحت التراب يبدو منسجماً مع كلمات شاهدته بحمولتها الشعرية والفلسفية فإن نص شاهدة محمد أركون تبدو بسيطة وعادية وشعبية، حتى أنها لا تحيل على فصاحة العقل التي ميزت أركون، تقول الرخامة: باسم الله الرحمن الرحيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا قبر العالم الجليل الدكتور محمد أركون رحمه الله تعالى، ولد عام 1928، توفي في الـ14 من ديسمبر (كانون الأول) عام 2010 (14 شوال 1431)، اقرأ الفاتحة وأغادر المقبرة وأنا أردد في نفسي: لماذا اختار محمد أركون، إذا كان قد اختار فعلاً، هذا المكان مرقداً أبدياً له بعيداً من قرية تاوريرت ميمون ببلدية آت يني الكائنة في أعالي بلاد القبائل التي هي مسقط رأسه التي كثيراً ما ذكرها في نصوصه بكثير من الشغف؟ من دون شك فلهذا النوم، في هذا المنفى، له حكاية مرة: ألم يتعرض هذا المفكر الكبير والاستثنائي إلى الطرد والقذف من "الإخوان المسلمين" في الجزائر، حين وضعوا أياديهم على مفاصل الحياة الثقافية والفكرية والجامعية والتربوية والدينية في الجزائر بمباركة وتشجيع ودعم من الرئيس الشاذلي بن جديد الذي جعل من الشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي شخصين مقدسين في الجزائر، أما كان لنا أن نتصور محمد أركون في رقدة وطنية أبدية بجانب ابن قريته الكاتب والباحث الأنثروبولوجي واللساني والمناضل الثقافي مولود معمري؟ مولود معمري الذي قاول القمع والحظر ولم يستسلم ولم يرحل وظل واقفاً عنيدا بحكمة على رغم كل الصعاب التي واجهته في الدفاع عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين كموطن أساس للهوية الجزائرية، وها هي اليوم اللغة الأمازيغية التي كانت من المحظورات تحقق كثيراً من أحلامه على المستوى الدستوري والتعليمي والثقافي، والطريق لا يزال طويلاً.

للفنان حق اختيار مرقده السرمدي، ولعشاقه الحق في أن يكونوا أنانيين في أن يفضلوه ميتاً كما حياً قريباً منهم، أشعر بمثل هذا الإحساس كلما زرت قبور بعض الفنانين الجزائريين: الفنان الكبير إدير الذي ينام بباريس، وهو اختياره الشخصي الحر، لكني أعتقد بأن مكان القبر في حد ذاته هو مواصلة النضال، ولو من تحت التراب، والإحساس نفسه أشعر به وأنا أبحث عن قبر ضائع في مقبرة بالدار البيضاء، قبر الفنان رضوان بن صاري أستاذ الصف الأول للموسيقى الطبع الغرناطي التلمساني، أما كان لهذا الفنان أن يرقد إلى جانب قبر أبيه الموسيقي الكبير الشيخ العربي بن صاري؟ وتلك حكاية أخرى!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من حق كل كاتب أو مفكر أو فنان أن يختار عنوانه الأخير، أي مكان قبره، صندوق بريده الدائم، إذا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، لأن هناك عدد من المبدعين يموتون في أزقة المنافي الخلفية وهم يحلمون بالعودة لبلدانهم ولو للنوم في ترابها، لكن هذا الحلم يتصادم في غالب الأحيان مع رؤية أنظمة ديكتاتورية تخاف من الفنان حتى وهو في قبره، تتصوره وكأنما يقود في قبره تظاهرة ضدها، أو يبعث جريدة معارضة أو ينشر كتاباً يفضحها.

أشعر بكآبة حين أفكر في القبور الغائبة لأسماء مغيبة، أفكر في قبر المترجم والمفكر محند تازروت بطنجة، وفي قبر الشيخ الحسناوي بجزيرة "لارئينيون"، وقبر الروائي نبيل فارس بمقبرة "فودرون" بمرسيليا، والكاتب رابح بلعمري بمقبرة "مونبارناس" بباريس، وعلي مراد المفكر الذي دافع بحق عن حوار الأديان في ليون، وأفكر في قبر الأديب نور الدين عبة بمقبرة الأب لاشيز بباريس.

أشعر براحة حين تختار الكاتبة آسيا جيار عضوة الأكاديمية الفرنسية العودة لشرشال لتنام في سفح جبال شنوة التي كانت ملهمتها، وهي التي كان يمكنها أن تحظى في الضفة الأخرى بجنازة وقبر من قبور الصف الأول، وأشعر أيضاً بالبهجة والمرارة في الوقت نفسه حين أفكر في مسار شاعر الثورة مفدي زكريا الذي عاش سنواته الأخيرة في المنفى، ولكنه عاد ليرقد في تراب قريته الهادئة بني يزقن بغرداية، وأفكر أيضاً في الممثل روجي حنين، ابن حي بلكور بالجزائر العاصمة، والمعروف ببطولته في مسلسل البوليسي "نافارو" الشهير، الذي ظل مرتبطاً بجذوره الجزائرية ومفتخراً بها في كتبه وفي مذكراته وفي أفلامه، حين توفي عام 2015 كانت رغبته أن يدفن في مقبرة سان أوجين (بولوغين) بالعاصمة الجزائر، فكان له ذلك.

لو حاولنا قراءة حكاية قبر كل كاتب أو مفكر أو فنان من نخبنا المؤثرة، أكانوا هم من اختاروه أو اختير لهم أو أجبروا عليه، لأدركنا دلالة قبر الكاتب في إضاءة كثير من فصول محنة المبدع، في مقاومته وفي هشاشته.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء