Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آمال موسى: الشعر الأنثوي في جوهر التغير الثقافي

الشاعرة التونسية تجمع بين الإبداع والموقف الإنساني والتمرد الجمالي

الشاعرة التونسية آمال موسى (صفحة الشاعرة - فيسبوك)

ملخص

يعكس ارتياد الشاعرة التونسية آمال موسى بلحاج مساحات جديدة في كتابة قصيدة النثر رؤيتها الإبداعية المتجاوزة وموقفها الإنساني الإيجابي في آن، فالتمرد الجمالي يتوازى لديها مع الرغبة في خلخلة النسق القيمي للثقافة وتغيير العالم الواقعي وإنجاز فعل التحرر على الأرض، للمرأة وللرجل على حد السواء. "اندبندنت عربية" التقتها في حوار ينطلق من صدور مختارات شعرية لها وصدور أنطولوجيا باللغة الإسبانية متضمنة قصائد لها، ويمتد إلى فضاءات رحلتها مع القلم عبر مجموعاتها الشعرية المتتالية، وسلسلة مقالاتها التنويرية وأعمالها المترجمة إلى لغات أخرى، وكذلك ملامح جهدها الملموس في ممارسة العمل العام عبر تقلدها حقيبة وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في تونس ثلاثة أعوام.

يأتي صدور مجموعة من قصائد الشاعرة التونسية آمال موسى ضمن مختارات شاملة وكذلك في أنطولوجيا "ما بعد شهرزاد: الشعر المعاصر لنساء من المغرب العربي" باللغة الإسبانية محطة من محطات الترجمات المتعددة التي حظيت بها أعمالها إلى لغات أجنبية، سواء قصائدها المنفردة، أو مجموعاتها الشعرية. وليست فقط الترجمة هي التي تضع آمال موسى على خريطة المشهد الشعري العالمي، فصاحبة دواوين "أنثى الماء" و"خجل الياقوت" و"يؤنثني مرتين" و"وحدي في شرفة النساء" و"عاشقة ولا أنظر في النهر" وغيرها، حصدت جوائز دولية مرموقة، منها جائزة "ليرتشي بيا" الأوروبية، وجائزة "كاتيلو" من الأكاديمية العالمية للشعر.

ومثلما يتضح من عنوان الأنطولوجيا "ما بعد شهرزاد: الشعر المعاصر لنساء من المغرب العربي"، فثمة انفتاح لنصوص الشاعرات المعاصرات على دلالات وآفاق أرحب بكثير من التوصيف النقدي التقليدي للكتابة النسوية ومفاهيمها ومجالاتها الضيقة، الحكائية والجندرية والسوسيولوجية والسيكلوجية، إلخ.

 

 

وبسؤال الشاعرة آمال موسى عن كيفية محافظة المرأة الشاعرة في قصيدتها الجديدة (أو طبختها السحرية) على خصوصية الطرح النسائي، المغاير في طبيعته وحساسيته بالضرورة، ومحافظتها في الوقت ذاته أيضاً على عمومية الإبداع الشعري، بمعنى "إنسانية" التعبير والرؤية والتصوير والمعالجة الفنية، بغض النظر عن كون الشاعر رجلاً أو امرأة، تجيب بقولها:

جهد أكاديمي

أود أولاً توصيف أهمية هذه الأنطولوجيا الصادرة عن جامعة مهمة وعريقة في إسبانيا، وهي جهد استغرق نحو عامين أشرف عليه فريق من الأساتذة المهتمين بالشعر، وبالشعر العربي تحديداً. بمعنى آخر، فهي نتاج جهد أكاديمي إبداعي يستحق التنويه، وفيه إبراز لجهد كوكبة من الشاعرات في منطقة المغرب العربي. ومن جهتي، أعتز بوجود قصائدي ضمن هذا العمل النوعي، بخاصة أن إسبانيا هي بلد الشعر وبلد لوركا وكلارا خانيس، التي كان لي شرف الالتقاء بها في الأمسية الشعرية نفسها في طليطلة عام 2001، أي قبل ربع قرن من الآن.

 

 

وفي ما يخص الشق الأساس من السؤال، توضح آمال موسى، فهناك شيء أساس في الإبداع يسمى الصوت الخاص والنبرة الخاصة، وفي الشعر نسميه الصوت الشعري الخاص، لذلك فإن الشعرية المبدعة تبدأ في التحقق عندما نسمح لذلك الصوت الخاص بالبروز والتبلور، وأن ينحت شيئاً فشيئاً، حتى تكتمل نبرة الصوت الشعري التي دونها لن يكون الشاعر صاحب تجربة خالدة ومؤثرة. ومن شروط تحقق الصوت الشعري الخاص، أن تكون أنت، وأن يكون الشاعر ذاته، وإذا توفر ذلك، فإن المبدع يكسب بصورة مضاعفة تحقيق الشرط الإبداعي عندما نكتب ذاتنا وكينونتنا، وحينها فقط يتشكل الصوت الخاص من تجربتنا وخبرتنا ووجعنا والبدايات في كل شيء وما علق بها من دهشة ومكاشفة. المبدع، سواء كان رجلاً أو امرأة، فهو يكتب الإنسان من خلال سيرته الذاتية، وما يميز الكتابة الإبداعية هو بعدها الفني الجمالي، وكيف يكتب الشاعر وجعه ودهشته وحلمه، ففي الكيف دون سواه تتحدد هوية المبدع التي هي في النهاية هوية جمالية تعبر عنها اللغة الخاصة والصور غير المألوفة المدهشة.

نقض السلطة الذكورية

يقود السؤال السابق إلى استفهام آخر، يتعلق بالمرأة والأنوثة في تجربة آمال موسى الإبداعية والحياتية، إذ يتجلى في نصوصها وعناوين مجموعاتها الشعرية احتفاء بأنثى الماء، وتاء التأنيث (الغيمة، لا الجسد)، في فرادتها واستقلاليتها وعشقها المحفز على تفهم الحياة وخوضها من دون مساحيق ككيان حر وفاعل "النساء اللاتي في وجوههن بصمات الإله"، بحد تعبيرها.

عن ذلك تقول الشاعرة التونسية: أوضح نقطة مهمة، هي أن مجرد انتظامي في كتابة قصيدة تعارض فنياً أنموذج القصيدة العمودية إنما يشكل في حد ذاته تجاوزاً وتحرراً من الثقافة الفنية الجمالية الذكورية، فالثقافة التي قامت على ذهنية الجماعة والقبيلة والسلطة الذكورية سواء كانت أباً أو زوجاً أو شيخ قبيلة، تحتاج من المرأة إذا ما وطئت عالم اللغة إلى أن تقوم بوظيفة مزدوجة: تكريس كتابة الذات/الذات بدلاً من الغير/ الجماعة، وأن تنسج خيوط كينونة أنثوية تستعيد بها اللغة إنسانيتها والنصف الآخر الذي كثيراً ما كان غائباً أو حاضراً كموضوع أو كذات مقنعة لا عارية كما يجب أن تجلس الذات في لغتها وتقيم.

 

 

ولكن الاحتفاء بالذات والتغني بالجسد وبالوجدان وبالكون وبالآخر من بوابة الكينونة الأنثوية، تضيف آمال موسى، استدعى مني الخروج عن السنة الشعرية، وعن التخفي وراء ستائر من أدوات لغوية فحلة الصنع والرؤية ومن ثم المعنى. شيء ما أغراني بالبحث عما سماه أنسي الحاج الأوزان الشخصية، حيث لا صوت إلا لإيقاعي الداخلي ولا نبرة إلا للموسيقى التي تطرب بصورة مختلفة كينونتي. إنها قصيدة النثر، التي أغرت وعيي وتلبست برغبتي في استنطاق صمتي الداخلي والتقاط صور تشبهني أكثر ما يمكن للشبه أن يبلغ، فإذا بالمرأة تصير عالماً وأغنية، وهي الماء، أي إكسير الحياة، والمرهم السحري، وهي العاشقة والمعشوقة، وفي الدورين المتلازمين كليهما يقطن مركز العالم الشعري، كذلك فإن المرأة في المخيال الشعري العربي يتغزل بها ولا تتغزل بنفسها.

وتتساءل الشاعرة التونسية: ألا تحتاج المبدعة إلى الكتابة بعيداً من قوامة الجهاز الشعري الذكوري وعن رقابة القيم العتيدة؟! وتستطرد: إن مراجعة الأدوار داخل العالم الشعري كبديل إبداعي افتراضي خطوة ومقدمة لمراجعة الأدوار في العالم الواقعي، ذلك أن دخول المرأة على الخط والحفر في قيمة الذات والإقامة في نقطة المركز في العالم الشعري سيحولها إلى فاعلة في اللغة، ومن ثم فاعلة في الواقع، من خلال كسر الطوق حول المسكوت عنه، ورفع البرقع عن وجهها وعن روحها وذاتها، لتتحرك كإنسانة حرة، وهي إذ تتحرر يتحرر معها الرجل والمجتمع، وهي إذ تهتك الأسرار يعم النهار ويصبح زمناً أبدياً، فحرية الجنسين كل لا يتجزأ، ولا يمكن للرجل أن يكون حراً بالمعنى الحقيقي للحرية، إلا بتحرر المرأة، والعكس كذلك.

 

 

وهكذا ترى آمال موسى ما يمكن أن تقوم به المبدعة إزاء النسق القيمي للثقافة العربية، الذي بدأ يتغير بقوة، التغير الثقافي الحاصل في العالم، والذي فرضته الحداثة عقداً بعد عقد، وهي ما تشترك في السعي إليه عدد كبير من الشاعرات العربيات اللاتي أضفن لعملية الإبداع ذاتها على المستوى الفني، وكذلك المضمون، الذي غير بعض المقولات، وما زال سيغير أكثر وأكثر كلما التصقنا بالذات. ويبدو أن الجهاد الإبداعي الجمالي اليوم إنما يتصل بكيفية تجاوز مرحلة الانفصام القيمي الثقافي، ومواجهة التشظي بتناقضاته الصارخة، فالحديث عن الخطاب الشعري الأنثوي، هو في جوهر الخطاب: التغير الثقافي، والارتقاء الحقوقي.

مناصرة قضايا المرأة

ومن المستوى الشعري إلى مستوى الممارسة والعمل العام وكتابة المقالات، إذ يشار بالبنان إلى اضطلاع آمال موسى بمسؤولية وزيرة الأسرة والمرأة في تونس لثلاثة أعوام منذ 2021، ورصدها بقلمها كثيراً من مظاهر الظلم والعنف ضد المرأة داخلياً وخارجياً، وبسؤالها: أهي معادلة واحدة، ذات طرفين: الإبداع والعمل العام، تفضي في الحالتين إلى تعزيز صورة المرأة وتمكينها وتقديمها كما يليق بدورها ومكانتها كمبدعة، وكعاملة، وكإنسانة؟ تجيب قائلة:

على مستوى تقلدي منصب وزيرة المرأة في بلادي تونس، فإن ذلك - وإن كان بصورة غير مباشرة - يغذي الذات المبدعة فيَّ بكل تأكيد، باعتبار أن تجربة ثلاثة أعوام من العمل العام تغني صاحبها وتعمق وعيه الاجتماعي والسياسي وتجعله أكثر قرباً من الواقع وأكثر قدرة على تحديد ملامحه. ولا أخفيك أنه على رغم أني أكاديمية متخصصة في علم الاجتماع، فإني أعتبر تجربتي ثلاثة أعوام في وزارة تعنى بالأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن بمثابة حصولي على باقة من شهادات الدكتوراه دفعة واحدة. هناك خبرة تحصلت عليها وأعتبرها ثمينة جداً ومهمة في تكويني وفي تغيير مقاربتي تقريباً لكل شيء، هذه التجربة التي أثرت خبرتي ومعرفتي قد غيرت من نظرتي للواقع، ومن ثم سينعكس ذلك على مقاربتي لما يجب أن يكون في كل شيء.

وفي ما يخص موضوع العنف ضد المرأة، تضيف آمال موسى، وهو يمثل ظاهرة عالمية تجتاح العالم المتقدم والمتخلف والسائر في طريق النمو، وإن كان ذلك بتفاوت بطبيعة الحال، فإني بذلت محاولات جادة في التصدي له سواء من خلال تعزيز آليات الحماية والوقاية أو إطلاق برامج تخفف من مظاهر الهشاشة الاقتصادية للنساء ضحايا العنف، هذا كله إلى جانب خيارات الدولة التونسية الصارمة، فالبعد الذاتي الفكري كان حاسماً في جعل ملف العنف ضد المرأة أولوية من ذلك، وقفز عدد مراكز إيواء النساء ضحايا العنف من مركز واحد إلى ما يتجاوز الـ12، إضافة إلى تحويل الخط الساخن لتلقي الإشعارات من خط يعمل وفق التوقيت الإداري إلى خط يعمل على مدى الساعة وأيام الأسبوع مع إطلاق برنامج "صامدة" للنساء ضحايا العنف، وغير ذلك من الأفكار والمشاريع والآليات التي تهدف إلى مقاومة أشكال الهشاشة، وعلى رأسها الهشاشة الاقتصادية التي هي مقدمة تمظهرات الهشاشة كافة.

وتستطرد: يبدو لي أن قناعاتنا نحملها معنا ونحاول الذود عنها كلما أتاحت لنا الحياة فرصة لذلك. ومن خلال تجربتي، أعتقد أنني كرست مقالاتي ككتابة رأي في صحيفة "الشرق الأوسط" من قرابة 23 عاماً في الانتصار لحقوق المرأة والتنمية والتغير الثقافي وكل الموضوعات التي تجعل من مجتمعاتنا في أفضل حال، والشيء نفسه حاولت فعله كوزيرة، وهو ما أفعله كشاعرة تطاوع اللغة لكتابة النقاء والجمال وكينونة ترفرف في سماوات المعنى والإنسان.

التفاصيل والمعاني المبعثرة

تتعاطى نصوص كثيرة حديثة مع انشغالات الحياة ويومياتها وتفاصيلها وهوامشها أكثر من استغراقها في المركزيات من الأفكار والقضايا. وسط عالم قلق متسارع، متدفق المشاهد والمعلومات والاتصالات، نجد الشاعرة آمال موسى تؤنسن المواقف والأشياء، وتتعمق في جوهر العلاقات، وتتوغل في "تركيب الأحداث، وبناء نص يجيد الانحراف". برأيها، ألا يوجد فاصل بين انزياحات النص الشعري وانفلاته وجرأة لغته وأخيلته وصوره وتأملاته، وبين ذلك التمرد الإيجابي الذي على الإنسان عموماً، والمرأة خصوصاً، التشبث به، لتحريك السكون، وتحدي الثوابت، وتغيير الواقع إلى الأجمل والأفضل؟

تتفق مع ذلك في إجابتها، قائلة: هو ذاك تماماً، من المهم العناية بالتفاصيل والأشياء، فهي الكل مفتتاً في أجزاء، والمعنى مبعثراً على قارعة اليومي، لقد اهتمت القصيدة العربية بما فيه الكفاية بالموضوعات الكبرى وأجاد الشعراء معالجتها وتصويرها، لا يمكن للشعراء أن يظلوا في المناطق ذاتها التي اهتم بها التراث الشعري العربي، بل لا بد من خلق مناطق جديدة، ومن دون ذلك التكرار وانعدام الإبداع، لذلك فإن إنتاج تيمات جديدة بديلة من شأنه أن يؤكد خصوبة الإبداع الشعري العربي. من ناحية أخرى، فإن العملية الإبداعية في كل أنواع الفنون قائمة على المحو والتجاوز والانقلاب التام والمباغت بحثاً عن التجديد، وإذا ما تعمقنا في تجارب المبدعين الكبار، سنجد أنهم انقلبوا على التراث الفني وأنهم في مرحلة ما من مشروعهم انقلبوا على أنفسهم وعلى قصيدتهم، كما حصل مثلاً في تجربة الشاعر الكبير محمود درويش، الذي وثق لانقلابه على قصيدته من ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً؟"، فإذا بالصوت أكثر هدوءاً، والهمس أكثر سطوة، والسؤال الحميمي الذاتي يسجل الحضور بعد مرحلة من التخفي والحضور الخاطف.

للتفاصيل شعرية خاصة، تضيف آمال موسى، ولا أعتقد أن ما كتب عن القهوة والغرفة مثلاً أقل شعرية عما كتب عن الموت والطبيعة وغيرهما، لنعترف بأن في كتم أنفاس التفاصيل وأشياء اليومي والحميمي إهداراً لكثير من الشعرية والإبداعية، إضافة إلى أن كتابة الصوت الخافت والصمت من الإنجازات التي تحسب اليوم للإنتاج الشعري العربي الراهن، وهي مهمة وفي تناغم مع مسار استنطاق الذات وجعلها مركز الكون الشعري، لذلك فإن تغيير الواقع العام يبدأ من تغيير واقع الإنسان، وموقع الإنسان العربي في هذا الواقع الجديد. لا تغيير من دون إعلاء مكانة الفرد في مجتمعاتنا، والاعتراف به فاعلاً مع ذاته وفي المجتمع، بعيداً من المجتمع الكلياني، حيث الفرد تحت هيمنة المؤسسات الاجتماعية ويظل تابعاً لها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"صامتة أنا/ كبيت على البحر/ منسي في فصل الشتاء". تأتي كتابة آمال موسى الشعرية بالغة التكثيف، تقول كثيراً في إيجازها، تقول كثيراً حتى بالمحو، وفي الصمت. أتكمن كلمة السر في تقصي الجوهر: جوهر الأنوثة، جوهر الإنسانية، جوهر الوجود، جوهر الحياة خارج المساحيق والزيف؟

تجيب بقولها، رهان القصيدة الحديثة في التكثيف وفي التمنع، وفي خلق غابة من المعاني حولها، فإذا بها تأويلية وجاذبة للمتلقي على نحو تجعل منه شريكاً غير معلن من خلال تأويله، كذلك فإن المثال الذي اعتمدته يقوم على الصورة التي هي قليلة الغموض، باعتبار أن البحر الذي يعج بالناس في فصل الصيف إنما هو وحيد في فصل الشتاء، والبيوت أيضاً وحيدة بعدما يهجرها المصطافون ويهجم الشتاء. في الشتاء يكون البحر وحيداً وصامتاً، حتى لو كان كما يبدو لنا في حال هيجان. الشعر صورة أولاً وأخيراً، قوة النص الشعري في صوره والإبداعية تقاس بشعرية الصور، بل إن الدهشة نفسها تكون بالصورة الشعرية الجديدة غير المألوفة. من ناحية المعنى، فإن خلود أي تجربة شعرية وتميزها يكونان عندما تمس أوتار الكيان الإنساني وتحركه وتمسح عنه مساحيق الحياة. إن معركة المفكرين والمبدعين اليوم هي معركة الدفاع عن الذات الإنسانية في كل أبعادها.

الكتابة فعل نجاة

"شكراً لك أيها الموت/ رصاصتك الأولى قتلتك، وقتلت خوفي منك/ كن أكثر حضارة، لا تكن قاتلاً/ وتعلم أن تبدأ الزيارة بطرق الباب". وعلى رغم تعاطي نصوص آمال موسى مع الآلام والانهيارات وخواء العالم، وذكريات كل ما هو مغيب وضائع، فإن ثمة روحاً وثابة تحلق عادة بين الأسطر، ورغبة في التحدي، ومواصلة الحياة كما هي، والتفاعل معها، ومواجهة كل أشباحها، وعلى رأسهم كائن الموت، الذي يمكن ترويضه، ومصافحته. فهل طوق النجاة لا يزال أملاً من آمال الكتابة القادرة على صنع واقع آخر؟

عن ذلك تقول الشاعرة التونسية: فعل الكتابة في حد ذاته هو فعل نجاة، لا يذهب إلى عالم الكتابة إلا الغرقى. الكتابة نوع من التعافي الذاتي، كذلك فإن الكتابة توثيق للوجع عبر سيرة ذاتية خاصة تجعل كتابته ذات أثر، فكتابة الموت بعد مصافحته في الحياة هي كتابة ذات صدقية وتمكن صاحبها من الإضافة، في عالم الكتابة لا مكان للتمثيل وللتخييل المحض، بل نحن أمام كيمياء خاصة جداً من الواقعي والتخيلي والمعيش، للتجربة لسعة تمتد نارها إلى النص.

دور القوة الناعمة

تتحدث آمال موسى في مقالاتها عن أن القوة التقليدية وحدها لم تعد كافية في الحروب والصراعات الحالية، لافتة إلى أهمية التفوق الاتصالاتي والمعلوماتي. من وجهة نظرها، ماذا ينقص القوة الناعمة، المغاربية والمشرقية والعربية عموماً، لتستعيد دورها الإشعاعي داخلياً وخارجياً، وقدرتها على التأثير، خصوصاً من خلال الإبداع العربي، والمترجم إلى لغات أخرى؟

توضح بقولها، ينقصنا إيمان النخب السياسية الحاكمة بقوة الثقافة وسحرها. من المفارقات التي تعرفها النخب الإبداعية في بلداننا، أننا ننتمي إلى ثقافة عريقة ولغة من أمهات اللغات، ولنا تاريخ يعترف به الخصم قبل الصديق، لكن مع الأسف لا نعير للثقافة الأهمية اللازمة. وكي نؤكد كلامنا، يكفي أن نستعرض نصيب موازنات الثقافة في البلدان العربية، ويكفي أيضاً أن نعاين حقوق المبدعين وصولاً إلى واقع الصناعات الثقافية، وهل فعلاً نقارب الثقافة مقاربة اقتصادية تسهم في الناتج القومي؟ إن الإجابات عن هذه الأسئلة محبطة. نحتاج إلى مقاربة تثمن الفعل الثقافي وتؤمن به في بناء الإنسان، وفي دوران عجلة التنمية الاقتصادية في الوقت نفسه، وعلى رغم أن سياسات البلدان العربية الثقافية تشكو من وعي منخفض، فإن المبدعين ينحتون في الصخر من أجل الإبداع العربي.

قيمة الجوائز

وتختتم الشاعرة التونسية آمال موسى حديثها لـ"اندبندنت عربية" مشيرة إلى قيمة الجوائز المرموقة التي حصلت عليها، وأهميتها في مسيرتها، قائلة: لا شك في أن الجوائز تشجع المبدعين وتجعلهم أكثر تفاعلاً مع العالم، وإيماناً بالإبداع الذي يمنحونه حياتهم. وقد تحصلت على جائزة ليرتشي بيا الأوروبية، وهي جائزة عريقة جداً عمرها أكثر من 100 سنة، والشعراء الفائزون بها ذوو تجارب مميزة عالمياً، وأيضاً أعتز بجائزة زبيدة بشير، وهي جائزة وطنية ذات بريق خاص في وطني تونس، وكما نعلم فللجوائز داخل الوطن طعم خاص، إذ نقاوم بها الفكرة الموروثة: لا نبي في قومه، وأيضاً كان لي شرف الحصول على جائزة كاتيلو من الأكاديمية العالمية للشعر لعام 2022، التي تسلمها سفير تونس في روما، إذ منعني ضغط المسؤولية الوزارية والتزاماتها من ذلك، وتبقى الجوائز مهمة وتمثل حافزاً، ولكن تظل أهم جائزة هي كتابة قصيدة جديدة أفضل من القصيدة السابقة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة