Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعرة التونسية آمال موسى تتغنى بالجوهر الأنثوي

"عاشقة ولا أنظر في النهر" ديوان يعيد النظر في علاقة الشعر بالعالم

الشاعرة التونسية أمال موسى (صفحة الشاعرة على فيسبوك)

تضاف مجموعة الشاعرة التونسية آمال موسى الأخيرة "عاشقة ولا أنظر في النهر"، الصادرة عن دار "سيراس"، إلى مجموعاتها السابقة، لتؤلف مجتمعة نشيداً طويلاً في مديح المرأة، والاحتفاء بقواها المبدعة. فالمرأة في شعر آمال موسى حضور غامر يستوقفنا لذاته قبل أن يحيلنا إلى شيء آخر خارج عنه. فهي الرمز، والمرموز إليه، وهي الكناية، والمكنى عنه، ومنها تتحدر كل الدلالات، وإليها تؤول في ضرب من العود الأبدي.

كثيراً ما اتخذ الشاعر الحديث المرأة قناعاً لمعانٍ أخفى، بل ربما أجراها في شعره مجرى المجاز، حيث "تعلق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل"، على حد تعبير النقاد القدماء، فتتحول المرأة، بسبب ذلك إلى "أداة أسلوبية" تمكن الشاعر من "الكلام بشيء، وهو يريد غيره". أما في شعر آمال موسى فقد كفت المرأة عن أن تكون فكرة غامضة أو دلالة غائمة لتتحول إلى كيان وجسد وحياة. وبعبارة أخرى، نقول: إن الشاعرة تنكبت عن المرأة­/ المعنى، ونحتت امرأة جديدة ألغت الحدود بين نبض الفن وهديرالحياة. وفي هذا السياق أعرضت، في كل مجموعاتها، عن الجسد المفهومي الفقهي الذي انسلخ عن غرائزه، وتخلى عن ملامحه، وتغنت بالجسد الحي يزدهي برغائبه، ويحتفي بفتنته، مستدعية عدداً من الأساطير والنماذج البدئية تبعث فيها الحياة من جديد.

العشق والنرجس

يشع العنوان "عاشقة ولا أنظر إلى النهر"، بوصفه إحدى العتبات الأولى، بمعانٍ ميثيولوجية شتى. فظاهر العنوان يلوح إلى أسطورة نرسيس الإغريقية. تقول هذه الأسطورة بلغة شاعرية لافتة: كان نرسيوس أو النرجس شاباً وسيماً شغفت به النساء حباً، فتحلقن حوله، وتغنين بجماله ووسامته، لكنه صدهن، ولم يشفق على قلوبهن الخافقة بحبه، فغضبت عليه الآلهة، وحكمت عليه، جزاء قسوته، بالافتتان بجمال صورته التي تنعكس على صفحة الماء في جبل هلكون، فلا يتمكن من الانفصال عنها. ومنذ ذلك الحكم ظل الفتى الوسيم مشدوداً إلى صورته المتراقصة على غدير ماء، لا يفارقها، حتى أدركه الموت. بعد رحيله المبكر نبتت زهرة نرجس في مكان موته لتذكر الناس بجمال وجهه الفاتن ورائحة لباسه العاطر.

لكن نص العنوان، وإن لوّح إلى الأسطورة، فإنه، في واقع الأمر، يعدل عنها وينحرف عن معانيها ودلالاتها. فالذات المتكلمة، كما يعلن العنوان، ليست قرينة الإله البابلي الجميل، أو امتداداً له، فهي لم تشغلها صورتها عن صورة العالم، ولا فتنتها عن فتنته، فنرسيس القصيدة ليس نرسيس الأسطورة، إنه نرسيس مختلف، وربما مضاد.هذا العنوان يشير، ولو بطرف خفي، إلى سعي الشاعرة إلى الانتقال من مرحلة شعرية إلى مرحلة أخرى. لا شك في أن هذا الانتقال بطيء، وأحياناً ملتبس، لكنه، مع ذلك، واضح تشي به الصور والمعاجم والرؤى.

 في الاحتفاء بالذات

لا شك في أن هذا الديوان انطوى، مثل الدواوين السابقة، على نصوص احتفالية، تغنت، من خلالها، الشاعرة بالجوهر الأنثوي، برغائبه، وعواطفه حيث يتبدى الجسد محور هذه النصوص، الجسد في كامل عنفوانه وقوته وزهوه، الجسد بكل أساطيره ورموزه وأقنعته... "إني نهضت من موتي/ كأبهى ما يكون/ في عنفوان الأنوثة/ أتأمل ابتسامة الماء الدافق وهو ينهمر من شعري حتى أناملي/ يحتفي بتضاريسي برفق شديد/ لكأن الماء أنثى هو أيضاً/ أرسلت لمرآتي قبلةً بأحمر شفاه وردي/ لم يعد يعجبني أحمر الشفاه الأحمر/ إنه مباشر جداً/ ثرثار/ لا يكتم الأسرار".

هذا النص يعد امتداداً للنصوص السابقة، حيث فتنة - الحياة هي مولدة الدلالات. فآمال موسى ما فتئت تحتفي بجوهرها الأنثوي، وتحتفي على وجه الخصوص، بامتلاكها سلطان اللغة، هذا السلطان الذي كان حكراً على الرجال يتداولونه منذ أقدم العصور. وبامتلاكها الأسماء باتت المرأة قادرة على السيطرة على الأشياء، أي باتت قادرة على كسر السلاسل التي رسفت فيها على امتداد عصور كثيرة والمضي قدماً نحو أفق جديد، مستدلة بحدسها، بوجدانها وبانفعالاتها المتوقدة المتوهجة. في هذا السياق برزت صورة المطبخ في هذا الديوان، المطبخ بوصفه المعادل الرمزي لمختبر الكتابة، لكيمياء الألوان والأصوات والعطور، للمتعة والانتشاء.

وعلى الرغم أهمية هذا المكان فإن أدباءنا ومبدعينا قلما انعطفوا عليه بالنظر والتأمل، بل ربما استهانوا به، وهوّنوا من مكانته على عكس الآداب العالمية التي أولته عنايتها الكبرى، فأفردت له روايات وقصائد كثيرة.

بين الكتابة والطبخ

في هذا السياق، أشارت الكاتبة سمر نور إلى أن الطبخ ليس مجرد نشاط يومي ضروري من أجل العيش، بل هو محرض على الجمال والإبداع... "ففي الكتابة الإبداعية استخدم فعل الطهو بكل معانيه ليثري الكتابة، ويمدها بروح مختلفة، روح نابعة من رونق الألوان وسحر الملمس وبهجة الروائح"، مؤكدة أن المطبخ كان دائماً وسيلة لمحاربة الوحدة والفقد وبديلاً للحب.

وبالعودة إلى الآداب العالمية نجد احتفاءً كبيراً بالمطبخ، وبأنواع الطعام المختلفة كما هو الحال في كتاب إيزابيل الليندي الساحر "أفروديت" ورواية المكسيكية لورا إيسكابل "الماء كالشوكولاتة"، وسيرة الأميركية إليزابيث جلبرت "طعام صلاة الحب" التي تروي فيها كيف تذوقت مأكولات إيطاليا بشراهة كبيرة. وبقدر ما اهتمت الآداب الغربية بالمآدب وأنواع الأطعمة تنكب الأدباء العرب عن هذه الحفلات البهيجة، فلم يتبسّطوا في الحديث عنها ترفعاً وتعففاً، باستثناء عدد قليل من المبدعين مثل محمود المسعدي في كتابه "حدث أبو هريرة قال"، والروائية المصرية "أمنية طلعت" في مجموعتها "طبخ الوحدة"، والروائي مصطفى ذكري في كتابه "مرآة 202"، حيث نجد تقشير الثوم معادلاً موضوعياً لظاهرة الفوبيا التي يعانيها البطل والكاتب صلاح الدين بوجاه في رائعته "النخاس".

وتحتفي الشاعرة آمال موسى، من جهتها، بالمطبخ احتفاءً كبيراً بوصفه قرين الشهوة والمتعة والشعر... "المطبخ غرفة تستيقظ فيها الشهوات/ حسابنا البنكي المبعثر داخل الثلاجة وبين الطاولة وسلة المهملات/ البعض يكتب/ البعض يعد طعامه/ وأنا أكتب وأطبخ/ بعضي يعد طبقاً عاشقاً لقطب قد يطرق باب مطبخي/ وكلي يكتب الشعر لبطل صنعته يداي بالماء والخيال ورطل من شهد الملكات".

بل تذهب الشاعرة إلى حد المقارنة بين فعلي الكتابة والطبخ، فهما يتقاربان، بل يتطابقان: "يخطر لي مزج السكر والملح فيما أكتب/ وأسمي الأشياء كما أشتهي/ المرادف نقيضاً/ والتناص تعدد الأصوات الناشزة/ واستبدادي في المطبخ نسخة نادرة من مدينة أفلاطون/ وردي على ما قاله أرسطو في النساء/ أمزج الأبيضين/ ثم أمسك السكر من لمعانه فيضحك وأضحك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا تسقط الحدود بين الكتابة والطبخ، فكلاهما يحتاج إلى "لوثة الإبداع"، حتى يكون "لذيذاً وممتعاً"، وكلاهما يقوم على خبرة طويلة بالمقادير والموازين، وكلاهما يحتاج إلى قدر كبير من الذكاء والفطنة. فالطبخ تأليف بين العناصر والإسطقسات والتوابل والبهارات، والكتابة تأليف أيضاً، لكن بين الكلمات والصور والرموز والإيقاعات. فليس غريباً بعد ذلك أن تجمع آمال موسى في عدد من قصائدها بين الكتابة والطبخ جمع قرين بقرين.

صراع بين لغتين

إن الناظر في هذا الديوان يقف على صراع بين لغتين اثنتين: لغة منجزة، وأخرى في حال إنجاز، اللغة الأولى هي لغة الشعر الحديث، واللغة الثانية هي لغة الشاعرة التي تسعى إلى "الخروج عن ميراث القبيلة"، قصد ابتكار طقوسها وطرائق أدائها. اللغة الأولى هي لغة الذاكرة. أما اللغة الثانية فهي لغة جديدة تحاول الشاعرة أن تقتنص مفرداتها من قراءاتها المختلفة مستشرفة أساليب في الأداء حديثة... "قلت لبودريار/ الدال والمدلول عادا إلى الصفر أخيراً/ عادا قبيل موسم الحصاد بقليل/ يلملمان شتات معنى جديد/ أخضر لم يبلغ السعادة بعد/ لم يأخذ من السماء كفايته من الماء/ بين الصفر وإكسير الحياة سر لم يهتكه بودريار/ وضعه ميشيل فوكو في السجن/ وقال له: "لا تخشَ العقاب ولا تمشِ في طريق مراقبة"/ غادر فوكو السجن يتمتم: هكذا تقتل الحداثة الطاغية/ وهكذا يدفن المفرد الجماعة وينتهي تاريخ المنع/ صوته/ ما سكتت عنه التراجيديا في الكرنفال".

إن الناظر في هذا الديوان يلحظ تواتر عديد من المصطلحات التي تركت مظانها، وانفصلت عن منابتها، وأصبحت جزءاً من القصيدة الحديثة تبده القارئ بمحمولاتها المفهومية التي هي بلغة النقد والمطارحات الفكرية أمس رحماً. لقد أصبح استدعاء هذه الدوال، دوال النقد الأدبي، والفكر الفلسفي، إيقاعاً متواتراً في قصائد الشاعرة توظفه من أجل مد قصائده بطاقات تعبيرية جديدة. لقد أدرك الشاعر الحديث أن اللغة قد تفقد، من أثر تكرار بعد تكرار، نضارتها فيغيض ماؤها، ويتبدد سحرها، وتصبح غير قادرة على النهوض بأعباء التجربة لهذا يلجأ   إلى استدعاء معاجم جديدة من أجل تحديث اللغة، ونفخ الروح فيها. والمتأمل في قصيدة آمال موسى يلحظ أنها استدعت معاجم غير مألوفة في الاستعمال الشعري، معاجم متحدرة "من مجالات غير معهودة في التداول الشعري. ولا نريد من خلال هذه الملاحظة أن نشير إلى وجود معاجم شعرية، وأخرى غير شعرية، ولكننا نريد أن نشير إلى وجود مصطلحات، في هذه القصيدة، هي بلغة الحجاج والمطارحات النقدية، أوثق صلة، فعلى الرغم من أن طبيعة المصطلح المفهومية لا تنسجم وطبيعة الشعر التخييلية، فإن الشاعرة أقبلت على استخدامه في قصائدها بطرائق عديدة".

 كل هذا يدفعنا إلى القول: إن النص في شعر آمال موسى هو الأولى بالنظر والتدبر، وليست المرأة! فامرأة آمال موسى – مثل كل النساء في الشعر – كائن من كلمات وحروف وورق!

المزيد من ثقافة