Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شهادات لغزيين في معبر رفح: قصص مؤلمة وانتهاكات سافرة

العائدون واجهوا التفتيش والتحقيق والإهانة والتهديد بالإخفاء القسري والمسافرون تعرضوا للسرقة على يد عناصر الميليشيات

قادمة من معبر رفح في مصر إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ ف ب)

ملخص

رحبت المسلحة بالمسافرات وطلبت منهن النزول من الحافلة، والتوجه إلى مكان بعيد والوقوف هناك، ظلت هدى واقفة على قدميها ولم يسمح لها بالجلوس نهائياً، وبعد ساعات قضتها في عتمة الليل، نادى عليها عنصر من الميليشيات المسلحة وأمسك يدها وسحبها حتى سلمها للجيش الإسرائيلي.

عند الساعة السابعة صباحاً وصلت هدى إلى معبر رفح من الجانب المصري، إذ أبلغتها السفارة الفلسطينية في القاهرة بالموافقة على اسمها في قائمة الراغبين بالعودة إلى غزة، وفي صالة الانتظار داخل المنفذ الحدودي جلست تنتظر دخولها إلى موطنها أكثر من 11 ساعة.

كانت السيدة تجلس على كرسي ويسمح لها بالتحرك في صالة المعبر المصرية، وكان يرافقها عاملان في جمعية الهلال الأحمر المصري قدما لها الماء والورد الأحمر وتمتعت بسبل راحة، ظنت أنها ستعيشها طيلة مسافة سفرها عائدة إلى غزة.

بعد انقضاء الساعات الطويلة في الانتظار تسلمت السيدة جواز سفرها ودخلت إلى الصالة الفلسطينية في معبر رفح، تقول هدى "لم أعرف المكان نهائياً، دمره الجيش الإسرائيلي بالكامل وتحول إلى كرفانات صغيرة، حينها شعرت بقبضة في قلبي وفهمت أنني سأواجه معاناة لا حدود لها".

السوائل ممنوعة

هزت هدى برأسها وفهمت المعاناة، ختمت جواز سفرها وسجلت بيانات دخولها إلى غزة، وانتقلت إلى مكان البعثة الأوروبية التي تدير معبر رفح وتشرف على تشغيله، سلمت حقائب سفرها للتفتيش اليدوي البسيط، تضيف "كان تدقيقاً بهدوء في كل الحقائب، صادروا مني كل ما هو سائل حتى زجاجة الماء".

تحمل هدى في حقائبها عطراً وكريمات وماء وبعض الملابس، وجميع تلك الأمتعة البسيطة تمت مصادرتها. لم تغادر المكان بعد انتهاء تفتيشها، وإنما ظلت تنتظر نحو 3 ساعات حتى أتم الأوروبيون التدقيق في جميع ما يحمله المسافرون معهم وكان عددهم 12 فرداً جميعهم نساء.

السائق ممنوع من الحديث

لما خرجت المسافرات من مكان البعثة الأوروبية، ركبن في حافلة يقودها رجل غزي، وكان أمامهم جيب عسكري تظن هدى أنه تابع للجيش الإسرائيلي أو الميليشيات المسلحة التي تعمل في رفح لكنها لا تجزم لأي جهة، وسار الباص خلف سيارة الدفع الرباعي.

ممنوع على سائق الحافلة الحديث مع العائدات لغزة، لكن السيدة هدى سألته "إلى أين نذهب"، رد عليها بصوت منخفض "إلى عالم مجهول"، وفجأة توقف الباص في منطقة الميليشيات المسلحة عند حاجز عسكري يقف عليه عنصران مسلحان ومعهم سيدة مسلحة.

الميليشيات تؤدي أدواراً غريبة

رحبت المسلحة بالمسافرات وطلبت منهن النزول من الحافلة، والتوجه إلى مكان بعيد والوقوف هناك، ظلت هدى واقفة على قدميها ولم يسمح لها بالجلوس نهائياً، وبعد ساعات قضتها في عتمة الليل، نادى عليها عنصر من الميليشيات المسلحة وأمسك يدها وسحبها حتى سلمها للجيش الإسرائيلي.

مصدومة هدى من تصرفاته، تعلق "أنا مثله غزية، وفي مقام والدته، لماذا تصرف معي بهذه الطريقة، لقد أوصلني للجنود بنفسه، كنت المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الإسرائيليين".

ربط عنصر الميليشيات على عينيها قطعة قماش وقيد يداها بالأصفاد وأدخلها إلى غرفة التحقيق، وظلت عند الجيش الإسرائيلي نحو ثلاث ساعات متواصلة، تخللتها تهديدات وتعذيب وترهيب نفسي.

 

توضح هدى أن الجيش طلب منها التعاون معهم، ولما رفضت عرضوا عليها الهجرة إلى خارج غزة لكنها صممت على العودة إلى القطاع، حينها هددها الضابط بالقتل والإخفاء القسري، وأوصل معها رسالة إلى سكان غزة مفادها "جهزوا أنفسكم لمغادرة الأرض للأبد".

أخيراً أعادت إسرائيل تشغيل معبر رفح بين قطاع غزة ومصر في كلا الاتجاهين، وذلك في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن بتحكم كامل من تل أبيب في أعداد المغادرين والعائدين، وأثناء السفر واجه الغزيون ممارسات قاسية من الجيش والعصابات المسلحة.

مدخل القطاع يشبه السجن

عندما وصلت لمياء إلى غزة صرخت بأعلى صوتها "يريدون تهجيرنا" وكررت العبارة ثلاث مرات، في شهادتها لـ"اندبندنت عربية" حول قصتها في دخول غزة، تقول "تحول القطاع إلى ما يشبه سجناً كبيراً".

لم تعرف لمياء المعبر، تشرح "دمر الجيش مباني المنفذ، وأقام العديد من الإنشاءات الجديدة التي توحي للشخص بأنه يدخل إلى سجن كبير، بوابة تشبه الزنزانة، وأسلاك شائكة حول ممرات الدخول والخروج، وكاميرات وأجهزة مراقبة دقيقة".

لم يعد في معبر رفح مكاتب الموظفين وصالات السفر، إذ بحسب شهادة لمياء استبدلها الجيش بكرفانات متنقلة، لكن أصعب ما واجهته كان بعد تجاوز نقطة البعثة الأوروبية، تشرح "توجهنا إلى حيث الجيش الإسرائيلي والعصابات المسلحة، في الحقيقة لا يفعل الجنود أي شيء بأنفسهم، ما ينفذ أوامرهم هم عناصر الميليشيات التابعة لأبو شباب".

عرض للانضمام مع الميليشيات

قبل الدخول للتحقيق، فتش عنصر تابع للميليشيات المسلحة لمياء جسدياً وأجرى ذلك الفحص رجلاً لم يراع خصوصيتها، كما نبش حقائب سفرها وصادر كل ما تملك حتى حذاءها، شتمها بألفاظ نابية، وعرض عليها البقاء في منطقة غزة الشرقية حيث يسيطر الجيش الإسرائيلي ويعيش هناك المنتمون للمجموعة التي تناهضها "حماس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفضت لمياء العرض، وأبلغته أنها تريد العودة لغزة، حينها ربط يديها بالأصفاد وهددها قائلاً "أنت رهن الاعتقال… لا بل سأخفيك ولن تري الشمس ولا غزة ولا حتى أهلك" لم تعره السيدة أي اهتمام ولم ترد على وعيده، وفجأة أمسك يدها وسحبها إلى مكان تجهله.

تضيف لمياء "كان يريد اعتقالي ويحاول إخفائي قسرياً، مكثت نحو ساعة ونصف في مكان مجهول غريب وحدي، ثم سحبني نحو نقطة مجهزة بأجهزة استشعار وكشف معادن، وبعدها إلى غرفة تحقيق يجلس فيها جندي إسرائيلي حقق معي لثلاث ساعات".

غزة نحو التهجير

توضح لمياء أن المحقق الإسرائيلي سألها عن مواضيع لا تعرفها مثل المقاومة والسلاح وتعرضت للإهانة والخوف، وطلبوا منها العمل معهم جاسوسة تزودهم بالمعلومات، ولما رفضت هددها بقتل أطفالها وقصف أقاربها وإطلاق الرصاص على خيمتها التي تخطط للعيش فيها".

تلخص لمياء الحديث "أبلغني الجيش أن غزة ذاهبة للتهجير، وأرسل معي رسالة لفظية لحماس بعدم استخدام السكان دروعاً بشرية".

كل من دخل معبر رفح عائداً من سفره إلى غزة، شكا من تضييقات بالغة من الجانب الإسرائيلي، واجهوا خلالها المعاملة القاسية على رغم أنهم مرضى يتألمون من آثار عمليات جراحية، وهذا ما دفع المراقبين للحديث عن سياسة ممنهجة متعمدة شأنها تعقيد آلية العودة.

تهديد بالضرب ورشّ ماء بارد

تقول روتانا "الإسرائيليون لا يريدون أن نعود إلى غزة، بل يطمحون أن تخرج أعداد كبيرة، أصعب ما في رحلة العودة التحقيقات، لقد سئلت عن وجود عناصر من حماس بين الأقارب والجيران، وعن تحركاتي في مصر، وأسباب عودتي لغزة".

حاولت روتانا عدم تقديم إجابات لكنها تعرضت للتهديد بالإخفاء القسري، وتضيف "لأني عدت من معبر هددوني بقتل أفراد من عائلتي بسبب عودتي للقطاع، عرضوا علي التعاون مع الجيش ولما رفضت هددني بقتل أطفالي، ثم عرض علي الهجرة وأخبرني أني سأضطر لها آجلاً أو عاجلاً".

أجبرت روتانا على خلع سترة شتوية كانت ترتديها، وعندما سألوها عن أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 هددوها بالضرب حال عدم تقديم إجابة مقنعة لهم، كذلك تم رشها بالماء البارد.

سيطرة تامة للميليشيات

المعاملة القاسية استمرت مع روتانا حتى بعد مغادرتها المعبر، حيث طلب منهم السير في ممر طويل محاط بأسلاك شائكة من دون أي مرافقة، وسط شعور بالضياع وعدم معرفة ما ينتظرها، وبعدها بدأت تتعامل مع عناصر الميليشيات المسلحة، تتابع "كانوا يساعدون القوات الإسرائيلية في تفتيش العائدين، كذلك تعمدوا التنكيل بنا، لقد عرضت علي مجندة منتمية للعصابة للانضمام للعيش في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات".

بعد مغادرة معبر رفح وفي الطريق إلى غزة الغربية حيث يعيش النازحون وسط الألم، توقفت الحافلة التي تقل روتانا عند حواجز عسكرية أقامتها العصابات المسلحة، توضح أن السيطرة التامة في الطريق لعناصر الميليشيات وعند كل حاجز يتعرضون للتفتيش لذلك لم تشعر السيدة بالأمان طوال الوقت.

المسافرون يعانون أيضاً

قصص المسافرين الذين غادروا غزة للعلاج في الخارج لا تقل قسوة عن تلك القصص التي عاشها المسافرون، يقول الجريح أحمد "كانت رحلة شديدة القتامة والقسوة محفوفة بمشاعر من الإذلال والخوف، على الطريق المؤدي إلى المعبر، داخل مدينة رفح الفلسطينية، وجدت نفسي عالقاً لساعات طويلة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي والمجموعات المسلحة".

ويضيف أحمد "في الطريق عشرات الحواجز العسكرية التي يقف عليها مسلحون تابعون للميليشيات، عند كل واحد تقف الحافلة ونتعرض للتفتيش والتحقيق، كانت رحلة صعبة حتى وصلنا إلى معبر رفح، دخلنا إلى البعثة الأوروبية جرى تفتيشنا ثم إلى نقطة السلطة الفلسطينية وبعدها إلى الجانب المصري".

أسئلة استخباراتية

تجمع المرضى والجرحى المقرر سفرهم من غزة عبر معبر رفح إلى مصر في نقطة عند مستشفى الهلال الأحمر وكان بينهم وسيم المصاب بتكسر الصفائح الدموية، ونقل عبر حافلة بعد التدقيق في هوياتهم إلى معبر كرم أبو سالم الإسرائيلي ومنه نقلوا إلى معبر رفح.

استغرب وسيم من هذا الإجراء، يقول "أخذنا على الجانب الإسرائيلي في البداية، على رغم أن الطريق ليس كذلك ويمكن التوجه إلى معبر رفح مباشرة، لكن من أجل التضييق علينا فعلوا ذلك".

 

حمل وسيم حقيبة صغيرة الحجم والأوراق الثبوتية والتقارير والتحويلة الطبية، ويضيف "انتظرنا طويلاً في معبر كرم أبو سالم، كان التوتر الأمني يسود الأرجاء، قلبي ينبض من الخوف، وبعد ذلك سمح لنا بالتحرك نحو البوابة المصرية".

في معبر كرم أبو سالم اقتاد جندي إسرائيلي المريض وسيم للتحقيق، وسأله الضابط أسئلة استخباراتية بحتة يتابع "لم يسألني عن وضعي الصحي، بل عن حماس وأهلي ووجهتي بعد العلاج، ونصحني بعدم العودة إلى غزة والبحث عن هجرة، تعرضت لتهديد مباشر بالاعتقال، وشارك في التحقيق معي الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام الشاباك".

أسلاك شائكة بدل المعبر

أما ساجي فيقول في شهادته "جسد المريض لا يتحمل إجراءات السفر التي فرضتها إسرائيل، خلال الطريق عشرات الحواجز العسكرية والتفتيش، وفي المعبر تحقيق وإهانة وتهديد، وعند الدخول إلى البعثة الأوروبية تفتيش فقط".

ويضيف ساجي "أثناء مرورنا في مدينة رفح التي تسيطر عليها الميليشيات تعرضنا للتفتيش على يد عناصر العصابات، سلبوا منا جميع أمتعتنا الشخصية والهواتف والأموال، هددوني بإرجاعي لغزة، ولم يتركوا لنا سوى الملابس التي نرتديها، كنت أشعر بالعجز تماماً".

مر ساجي من أسلاك شائكة بدل العبور من بوابة معبر رفح وسلك ممرات الدخول تحت مراقبة كاميرات وعندما وصل إلى الجانب المصري من المعبر كان مرهقاً لكن الأمل يتسلل قلبه بالعلاج، يؤكد أن إسرائيل تعمدت تأخير وصولهم إلى المعبر.

تنفي إسرائيل معرفتها أي شيء عما تعرض له المسافرون أثناء مغادرتهم أو عودتهم لغزة، ويقول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي "لم نبلغ عن أي انتهاكات للكرامة الإنسانية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير