ملخص
في معبر ريغافيم هناك حواجز عسكرية وكاميرات مراقبة وتحقيق إسرائيلي تتخلله عروض عمالة وهجرة.
بعد انتهاء إجراءات تسجيل المسافرات العائدات إلى غزة عبر معبر رفح، طلب موظف أمن من سلمى الجلوس على مقعد الحافلة استعداداً لنقلهم إلى "معبر ريغافيم" لإجراء تفتيش إسرائيلي قبل الدخول إلى غزة الغربية، استغربت السيدة الإجراء الجديد وشعرت بخوف على حياتها.
بعد أن صعدت جميع المسافرات العائدات إلى غزة على متن الحافلة، تحركت عربة مصفحة دفع رباعي من فئة "جيب" أمام الباص وأخرى مشابهة تماماً خلف الغزيات، وتوجه الموكب إلى منطقة غزة الشرقية الخاضعة لسيطرة إسرائيل.
تقييد مهين وتحقيق مخيف
تقول سلمى "نقلونا إلى منطقة الميليشيات المسلحة، كانت عناصرهم منتشرة في أرجاء رفح المدمرة كلياً، وعندما وصلنا إلى مجمع يشبه المعبر، طلبوا منا النزول من الحافلة، أمسكوا يدي وسلموني لجنود الجيش الإسرائيلي".
ربط الجندي قطعة قماش على عيون سلمى وقيد يداها بمربط بلاستيكي، ثم أمسك يدها لتسير معه نحو نقطة تفتيش أمني، وبعدها جلست للتحقيق معها، تضيف "سألوني لماذا عدتي إلى غزة، وماذا تخططي للعمل في القطاع، وما تبقى لك في المدينة المدمرة".
أخبر ضباط التحقيق السيدة الغزية الخائفة أن لا حياة في غزة، والعيش فيها مستحيل، وسألها عن "حماس" كثيراً وعن أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ثم عرض عليها الهجرة من القطاع نحو أي وجهة تريدها.
20 ساعة لقطع 20 كيلومتراً
مكثت سلمى نحو 3 ساعات قيد التحقيق، وكان الضابط الإسرائيلي يسألها عن ملفات لا تعرفها، وبين كل استفسار وآخر يهددها بالاعتقال، تتابع حديثها "توعدني بأن يأخذني أسيرة، وعرض عليّ أن أصبح عميلة جاسوسة لمصلحة تل أبيب، وجهوا لي استفسارات لا إجابات لها عندي فأنا خارج غزة ومنقطعة عن الأحداث داخلها".
مرهقة سلمى ومتعبة جداً، فطريقها من معبر رفح إلى غزة الغربية استغرق نحو 20 ساعة متواصلة، لكنها تشير إلى أن الإسرائيليين صادروا حقائب السفر، ومنعوا العائدين إلى غزة من حمل أي امتعة حتى لعب الأطفال أخذوها، كذلك منعوا نقل الأكل والماء والعطر إلى داخل القطاع، وسمحوا فقط لها بإدخال حقيبة يد بها ملابس بسيطة.
عندما انتهت من التفتيش والتحقيق في معبر "ريغافيم" كان الظلام عم سماء غزة، والغيوم تحجب نور القمر الخافت، بينما مصابيح الحافلة وحدها التي تنير طريق عودتهم إلى غزة الغربية، سارت العربة التي تقل المسافرين في شارع صلاح الدين الذي بات تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.
أثناء الطريق نحو غزة الغربية، تعرضت المسافرات العائدات للتوقيف على حواجز عسكرية داخل القطاع، وتحول ممر صلاح الدين الذي لا يتجاوز طوله 20 كيلومتراً إلى طريق عسكري للقوات الإسرائيلية.
#عاجل افتتاح ممرّ الفحص "ريغافيم": مشاهد من إقامة مجمّع الفحص الإسرائيلي للقادمين من #معبر_رفح
— افيخاي ادرعي (@AvichayAdraee) February 1, 2026
في إطار الاستعدادات لافتتاح معبر رفح وبناءً على توجيهات المستوى السياسي، استكملت قوات جيش الدفاع خلال الأيام الأخيرة إقامة ممرّ الفحص المخصّص "ريغافيم"، الخاضع لإدارة المؤسسة… pic.twitter.com/hmwAgZ9Siz
معبر ريغافيم
بمجرد ما وصلت الحافلة التي تقل 12 مسافراً فقط إلى ساحة مجمع ناصر الطبي التي أُعدت لاستقبال العائدين من خارج القطاع، انهاروا جميعاً وأجهشوا بالبكاء، كانوا خائفين جداً من الإجراءات التي تعرضوا لها في بوابة "ريغافيم" التي دخلوها بعد انتهاء إجراءات سفرهم عبر معبر رفح. وبحسب هيئة البث الإسرائيلية "كان"، فإنه وفقاً للتفاهمات من المفروض أن يدخل لغزة كل يوم 50 مسافراً يرغبون بالعودة إلى القطاع، لكن حتى في اليوم الأول لتشغيل معبر رفح لم تلتزم إسرائيل بذلك، وسمحت فقط لـ12 مسافراً بالعودة جميعهم نساء باستثناء ثلاثة أطفال.
ليس هذا البند الوحيد الذي لم تلتزم به إسرائيل، إذ بحسب خطة السلام والازدهار يجب على تل أبيب إعادة تشغيل معبر رفح بحسب الآلية المتوافق عليها في اتفاق 19 يناير (كانون الثاني) 2025، أي عدم وجود معبر "ريغافيم".
المكان والدلالة
لكن إسرائيل الخائفة أمنياً، عملت على تدشين ممر أمني جديد محاط بشباك معدنية وإجراءات تفتيش تتكرر 5 مرات قبل الوصول إلى معبر "ريغافيم" الذي يضم حواجز وجنود، وهذا الشكل الجديد للمنفذ البري الذي يربط غزة بمصر لا يشبه بوابة سفر نهائياً، إذ يتكون من بوابات حديدية ضيقة محاطة بأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة وأجهزة فحص وكاميرات للتعرف إلى الوجه.
وعلى رغم أن اتفاقية تشغيل معبر رفح تنص على أن المنفَذ يدار من هيئة تابعة للاتحاد الأوروبي وعمال فلسطينيين تابعين للسلطة الفلسطينية من دون وجود إسرائيلي، إلا أن تل أبيب أصرت على بقاء قواتها في منطقة ممر فيلادلفي وعملت على إقامة حاجز "ريغافيم" على بعد 300 متر من المعبر لمراقبة المنفذ باستخدام الوسائل التقنية.
وسمحت إسرائيل بعودة محدودة للمسافرين الذين يرغبون في العودة إلى غزة، ولكن وفق شروط صعبة، إذ عليهم التنسيق مع مصر، والحصول على موافقة أمنية إسرائيلية، والخضوع لفحص أولي تقوم به البعثة الأوروبية بعد دخولهم المعبر رفح من الجانب الفلسطيني، على أن تلي ذلك إجراءات إضافية في معبر "ريغافيم".
وبعد وصول المسافرين لنقطة الفحص الإسرائيلية، يجرى عليهم تدقيق أمني يشمل التعرف إلى الوجه والتفتيش الجسدي. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إن "تشغيل معبر وممر ريغافيم يخضع لإجراءات أمنية مشددة، تشمل تدقيقاً فردياً للقادمين إلى القطاع، ومراقبة ميدانية دقيقة لحركة الأفراد، في ظل ترتيبات أمنية". وأضاف أن "قوات الأمن ستجري فحصاً لهويات العابرين استناداً إلى قوائم صادقت عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مسبقاً. ريغافيم يندرج ضمن الجهود الهادفة إلى تعزيز الرقابة الأمنية في المنطقة، هذه الإجراءات تهدف إلى إحكام السيطرة على حركة العبور، ومنع إدخال أشخاص أو مواد تصنفها إسرائيل على أنها تشكل تهديداً أمنياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سياج شائك
تدشين معبر "ريغافيم" بجانب معبر رفح، أثار موجة واسعة من الجدل والغضب، وأثار مخاوف من إعادة هندسة المعبر الوحيد غير الخاضع للسيطرة الإسرائيلية وتحويله من بوابة إنسانية إلى حاجز أمني تتحكم تل أبيب بمفاصله، بما يفرض واقعاً جديداً على حركة العبور من وإلى القطاع.
الأسياج الشائكة والجدار الحديدي عند معبر رفح، والمسارات التي توصل إلى المنفذ وهي شارع الرشيد الساحلي ومحور صلاح الدين، تمر بمناطق السيطرة الإسرائيلية، وهذا ما يثير مخاوف أن يتحول طريق السفر إلى مصائد أمنية.
يقول الباحث السياسي منصور سكر إن "الشروط التي تفرضها إسرائيل على معبر رفح، بما فيها التحكم بحركة الدخول والخروج، وتحديد الأعداد، والموافقة المسبقة على الأسماء قبل العبور، تعد من أشكال الحصار، أما ممر ريغافيم، يشكل عملياً 'معبر رفح 2'، ويحول العبور إلى عملية مشروطة تخضع لعقلية الحاجز الأمني لا للمعايير الإنسانية". ويضيف سكر، "أنشأت إسرائيل معبرها الخاص قرب رفح، بعد رفض مصري لوجود إسرائيلي مباشر داخل المعبر نفسه، في محاولة للالتفاف على الترتيبات القائمة وفرض سيطرة أمنية غير معلنة. ممر ريغافيم ليس مجرد مسار عبور، بل هو منظومة سيطرة تقنية تعكس العقيدة الأيديولوجية لمنظمة ريغافيم الاستيطانية القائمة على الرقابة المطلقة والضبط الجغرافي، إنه يتجاوز كونه منشأة هندسية، ويعيد إنتاج نموذج السيطرة الأمنية".
صحيح أن تشغيل معبر رفح يعد محطة جديدة في تنفيذ خطة السلام والازدهار لكنه يقتصر حالياً على مرور الأفراد فقط، من دون إدخال بضائع أو مساعدات، وليس مسموحاً لجميع الأفراد المرور منه حالياً وإنما فقط المرضى ومرافقيهم من الدرجة الأولى، إلى جانب حالات إنسانية استثنائية أخرى.
المساعدات مطلوبة
وحتى اللحظة لم يتم فتح باب التسجيل لسفر المرضى، لكن رئيس اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، علي شعث قال إنه "قريباً سيتم البدء في آليات تسجيل الغزيين الراغبين في السفر وفق معايير أولويات العبور عبر معبر رفح وذلك في إطار الحرص على الشفافية وتكافؤ الفرص". وأضاف شعث، "نعمل مع مجلس السلام على جعل معبر رفح مدخلاً لترتيبات أوسع تهدف إلى تحقيق الاستقرار واستعادة الخدمات الأساسية والتمهيد لمسارات الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، لكن حالياً هو منفذ حيوي للحالات الإنسانية، بخاصة المرضى والجرحى أصحاب التحويلات الطبية للعلاج في الخارج، إضافةً إلى الطلبة وحالات لم الشمل وسائر الفئات ذات الاحتياجات الإنسانية".
حالياً غير مسموح إدخال المساعدات من معبر رفح، لكن لجنة التكنوقراط تريد ذلك، وليس وحدها ترغب بهذا، إذ صرح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن "الأمم المتحدة تريد أن يكون المعبر مفتوحاً لكل من الشحنات الإنسانية وشحنات القطاع الخاص، وهو أمر بالغ الأهمية لتحسين الاقتصاد في غزة".
فجوة بين أعداد المسافرين والمحتاجين للعلاج في الخارج
على أي حال، فإن تشغيل معبر رفح حالياً للحالات الإنسانية والتي تحدد سقف الحركة اليومية للأفراد المغادرين من غزة بنحو 150 شخصاً، يظهر فجوةً واضحة بين الحاجة الماسة لسفر الجرحى والقيود الأمنية التي تفرضها إسرائيل، ما يجعل الأمر غير مجد.
يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة في غزة، إن "22 ألف مريض وجريح بحاجة ماسة للعلاج في الخارج، وبحوزتهم تحويلات طبية مكتملة، لكن أمام القيود الإسرائيلية، يحتاج خروج هؤلاء المرضى والجرحى جميعاً إلى ما يقرب من 440 يوماً، إذ إنه مسموح في اليوم الواحد سفر 50 مريضاً، مع كل واحد منهم مرافقان اثنان".
وبحسب وزارة الصحة فإن في غزة أكثر من 10 آلاف حالة مرضية بحاجة إلى إجلاء عاجل لتلقي العلاج، بمعدل 500 مريض يومياً على الأقل، وتصنفهم إلى 440 حالة خطرة حياة أصحابها على المحك، و4 آلاف مريض سرطان، و4500 طفل على قوائم الطوارئ.
ويقول الباحث السياسي مصطفى سويركي إن "رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصر على تحويل المعبر من مرفق إنساني إلى منصة فرز أمني، وباستخدام زر تحكم عن بعد، سيتمكن من فتح البوابة وإغلاقها، لقد حوّل معبر رفح إلى ثكنة رقمية". ويضيف "ثمة تحديات في معبر رفح أبرزها التباين بين الحاجة الإنسانية وقدرة المعبر على استيعاب المرضى والمساعدات، الأعداد الحالية المسموح لها بالعبور لا تلبي الاحتياجات الفعلية، كذلك قد تتغير القيود الإسرائيلية بشكل مفاجئ ما يعرض المرضى لخطر كبير".
ويوضح السويركي أن "هناك مخاوف من أن يتحول معبر رفح إلى بوابات اعتقال وابتزاز أمني وتجنيد قسري للمسافرين، فإسرائيل تتعامل مع المنفذ من منظور أمني انسجاماً مع سياسة إبقاء السيطرة الأمنية الكاملة على قطاع غزة بيدها".