ملخص
في منتصف القرن الـ19 اكتشف التأثير العلاجي للمياه الكبريتية في حلوان لتكون أول منطقة في مصر للاستشفاء وبداية لمفهوم السياحة العلاجية في البلاد
إلى الجنوب من القاهرة وفي الاتجاه الشرقي من النيل تقع ضاحية حلوان، إحدى المناطق العريقة في القاهرة ذات التاريخ الطويل، تلك البقعة التي يمكن القول إنها كانت بداية فكرة السياحة العلاجية والاستشفائية في مصر، بعدما اكتشفت فيها المياه الكبريتية وأثرها في الصحة والاستشفاء، ليبدأ في عهد الخديوي إسماعيل مشروع متكامل، لتحويل هذه المنطقة النائية حينها إلى منتجع يتوجه إليه الناس للاستشفاء والاستمتاع بالهواء النقي، ولتصبح حمامات حلوان الكبريتية مقصداً للمصريين والأجانب في هذا الزمن للاستشفاء من عدد من الأمراض.
إنشاءات متعددة أقيمت وقتها لخدمة هذا الغرض، كان من بينها بناء أول مبنى ليكون فندقاً في البلاد، وكان اسمه حينها غراند أوتيل، وقد جرى البدء في بنائه عام 1871 وانتهى في عام 1873، وكان مرتبطاً بحلوان منتجعاً وموقعاً للاستشفاء، هذا المبنى لا يزال قائماً لكنه تحول حالياً إلى مدرسة حلوان الثانوية للبنات، وهو واحد من الشواهد المعمارية التي توضح التوجه الذي كان سائداً وقتها لبناء مصر الحديثة.
أنشئت أيضاً كبريتاج حلوان منطقة للاستشفاء والترفيه، إذ كانت تضم حدائق شاسعة ممتدة، إضافة إلى العيون الكبريتية، ولاحقاً في عصور مختلفة أضيفت إليها تطويرات تتناسب مع احتياجات الناس، ففي عهد الملك فاروق بني كازينو الكابريتاج، الذي كان واحداً من أهم المواقع الترفيهية، ولا يزال قائماً حتى الآن، وسيجري خلال الفترة المقبلة تنفيذ مشروع لإحيائه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حديقة كابريتاج حلوان عادت للحياة في الفترة الأخيرة بعد تنفيذ مشروع متكامل لتطويرها وإعادتها لحالتها الأصلية كواحدة من المتنزهات ذات القيمة البيئية والتاريخية، لتصبح رئة جديدة تضاف إلى منطقة حلوان ومتنزه لسكان القاهرة.
وطبقاً لما أعلنه المسؤولون عن المشروع فإن إعادة الموقع لحالته الأصلية استلزم الاستعانة بعدد من الموارد البصرية والمصادر، من بينها الأرشيفات والصور القديمة وأفلام السينما القديمة التي ظهرت فيها الحديقة للتعرف على طابع المباني والطابع العام الذي كان عليه الموقع، وكيف كان شكل البنايات والزخارف، ومن أشهر الأفلام التي ظهرت فيها حديقة كبريتاج حلوان هي فيلم "أيامي السعيدة" من إنتاج عام 1958، وفيلم "صاحب الجلالة" من إنتاج عام 1961، وقد حصل مشروع تطوير حديقة كابريتاج حلوان على المركز الثالث في مهرجان جوائز المعماريين العرب ضمن فئة المشاريع الترفيهية.
حمامات كبريتية
يقول المهندس المعماري والمصمم الحضري المشرف على المشروع معاذ أبو زيد، "افتتحت المرحلة الأولى من مشروع إعادة إحياء حديقة كابريتاج حلوان، إذ جرى تغيير اسم الحديقة من حديقة 6 أكتوبر إلى حديقة كابريتاج حلوان، ويتوسطها حديقة طوكيو التي جرت إضافتها إلى الموقع في عام 1993، وتبلغ المساحة الإجمالية لحديقة كبريتاج حلوان نحو 17 فداناً، وتمثل هذه المرحلة بداية فعلية لإعادة الموقع لسابق عهده وإعادة إحياء قلب حلوان الأخضر كفراغ عام مفتوح لخدمة المنطقة وسكانها، على أن تتبعها المرحلة المقبلة التي تستهدف إعادة إحياء الجزء الخاص بالسياحة العلاجية، وهو ما جرى إعلانه رسمياً خلال افتتاح الحديقة في الفترة الأخيرة".
ويضيف أبو زيد "اسم كابريتاج طبقاً للمصادر التاريخية هو نسبة إلى كلمة كابري الإيطالية التي كانت تطلق على جزيرة كابري أشهر المنتجعات العلاجية الأوروبية التي كان الناس يتوجهون إليها للاستشفاء في هذا الوقت، وقد أطلقت هذه التسمية في عهد الخديوي إسماعيل عندما أنشئت الحمامات الكبريتية في حلوان لتكون منتجعاً علاجياً على غرار هذه المنتجعات الفاخرة في أوروبا، وكانت كلمة تاج بنهاية الكلمات تستخدم لتسمية الأماكن التي تحمل قيمة رفيعة سواء كانت منتجعات أم قصوراً، فكان هذا شائعاً خلال هذه الفترة، وغالباً لهذا السبب أطلق عليها اسم كبريتاج حلوان".
تراث معماري
مع مرور الزمن وتغير الحال امتد العمران إلى منطقة حلوان لتفقد طبيعتها كمنطقة للاستشفاء تتميز بمساحات خضراء شاسعة وعيون كبريتية وطقس معتدل لتتحول شيئاً فشيئاً إلى واحدة من المناطق السكنية المكتظة بالسكان، وتفقد طبيعتها كمنتجع أو متنزه يقصدة الناس للاستشفاء، بل على العكس ففي وقت من الأوقات ضمت بعض المصانع والنشاطات ذات الأثر السيئ في البيئة، وكان لهذا أثر كبير في الجانب البيئي الذي تأثر بالسلب.
وفي حال العمل على مشاريع مثل نموذج حديقة كبريتاج حلوان كان لها تاريخ ممتد، وكانت هناك طبيعة خاصة للمكان يحاول القائمون على المشروع استعادتها والحفاظ عليها يكون الأمر أكثر صعوبة من إنشاء مشروع جديد بتخطيط جديد يتناسب مع الواقع القائم.
استعان القائمون على تطوير مشروع كابريتاج حلوان في مرحلته الأولى بعديد من المصادر والأرشيفات والصور، وخلال الفترة المقبلة من المتوقع افتتاح المرحلة الثانية من المشروع بالفكر نفسه الذي جرى به العمل على المرحلة الأولى.
يقول المهندس معاذ أبو زيد "الأماكن التراثية التي يجري تركها من دون استخدام يحدث لها ضرر كبير، فعزل التراث عن الحياة اليومية لمحيطه يحوله لعبء ويفقده القدرة على الاستمرار، وتجارب عديدة أثبتت أن ترك المواقع التراثية من دون استغلال يؤدي إلى تدهور حالتها وفقدان اتصال المجتمع بها، ويمكن ملاحظة ذلك في كازينو الكابريتاج الذي ترك مهجوراً على مدار السنوات مما انعكس على وضعه المعماري الذي أصبح في حاجة ماسة إلى إنقاذ عاجل، وإلى صورة من صور الإنعاش العمراني، وهو ما يحدث في الوقت الحالي، إذ يجري العمل عليه لإعادته لسابق حالته".
ويضيف "المشاريع العمرانية التي يجري تنفيذها في زمن معين لا تتوقف عند لحظة إنشائها، لكنها تتأثر بالزمن والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية واحتياجات الناس في هذا الوقت، ولهذا يظل التطوير ضرورة حتمية بحسب احتياجات العصر وأولوياته، وفي كبريتاج حلوان فإنه في عهد الخديوي إسماعيل أنشئت حمامات الكابريتاج جزءاً من هدف هو وجود هذا النوع من المنتجعات في مصر، لاحقاً في عهد عباس حلمي جرت الإضافة والتطوير للموقع، وفي عصر الملك فاروق أنشئ الكازينو وحمامات السباحة بحسب ما كان يتناسب مع احتياجات الناس حينها، باعتبار أن المكان الذي لا يتطور يفقد دوره تلقائياً".
استشفاء بالمصادفة
اكتشاف التأثير العلاجي للمياه الكبريتية في حلوان جاء مصادفة فبحسب ما يذكر فإنه في منتصف القرن الـ19 كانت حلوان منطقة نائية، وكانت تستخدم معسكراً للجنود، وفي وقت من الأوقات حدثت إصابة جلدية وانتشرت بينهم فاغتسلوا في هذه المياه، وشفوا، وهنا أدركت أن هذه المياه لها خصائص علاجية يمكن استخدامها في الاستشفاء من أمراض بعينها، وكانت هذه نقطة الانطلاق لتحويل حلوان لمنتجع علاجي ومركز للاستشفاء.
ويستهدف المشروع الجاري حالياً في مرحلته الثانية استعادة مكانة عين حلوان كواحدة من أشهر المواقع العلاجية في البلاد، نظراً إلى تركيز الكبريت المعالج بها، الذي يصل إلى 27 في المئة، ولها شهرة كبيرة في مجال الطب الطبيعي والروماتيزم والتأهيل.
وجود رئة خضراء في قلب حلوان سينعكس بصورة كبيرة على المنطقة التي عانت فترات طويلة من التلوث وانخفاض جودة الوضع البيئي نتيجة لعوامل متعددة، وهو ما يجري العمل على إصلاحه حالياً، وبالفعل اهتم مشروع تطوير كبريتاج حلوان بالجانب البيئي بصور متعددة من بينها الاعتماد على المباني القائمة وإعادة توظيفها لتقليل التلوث الناتج من الهدم وإعادة البناء وزيادة المسطحات الخضراء، وغيرها من عوامل الاستدامة التي تحتاج إليها منطقة حلوان.يقول المشرف على المشروع "جرت مراعاة الحفاظ على البيئة والاستدامة في كل ما يتعلق بالمشروع، وأضيفت 50 ألف متر من المسطحات الخضراء، إضافة إلى زراعة 2000 شجرة، إلى جانب الأشجار القائمة في الموقع، وكل التصميمات التي جرى تنفيذها راعت الأشجار القائمة بحيث لا تتم إزالة أية شجرة، ومع إحياء البيئة في الموقع انعكس هذا عليه بصورة كبيرة، إذ ظهرت الكائنات التي هجرت المكان مثل طيور الدوري واليمام والحمام وطيور أبو قردان التي توجد بكثافة في المسطحات الخضراء، وانتشرت الفراشات وكل المظاهر التي تدل على جودة النظام البيئي".