ملخص
من المؤكد أن موت سيرانو دي برجراك قد حوَّله إلى أسطورة. ومن المؤكد أيضاً أن معظم الأدب العالمي الذي كتب لاحقاً، حول غزو الفضاء، يدين كثيراً إلى ذلك الكاتب المغامر الأفاق الذي يكاد ينسى اليوم لحساب قرينه الروائي المسرحي الذي رسمه، إدموند روستان، وجعل له أنفاً طويلاً يتحكم في مصيره ومزاجه.
ذات مساء من شهر يوليو (تموز) عام 1655 كان رجل في الـ36 من عمره يسير وئيد الخطى قرب "أوتيل دي ماريه" وسط العاصمة الفرنسية عائداً إلى النزل الذي يقيم فيه، وفجأة من دون أن يدري أحد كيف، يسقط على رأسه لوح ضخم من الخشب يصيبه بجراح بالغة في رأسه، يقع الرجل مغشياً عليه، وإذ يحمله الناس وقد عرفه بعضهم، يحاولون أن يعثروا له على مأوى فيعجزون، حتى ينقلوه أخيراً إلى بيت قريب له. ولكن ما إن تمضي بضعة أيام حتى تقضي الجراح على الرجل فيموت من جرائها، أو من جراء مرض أصابه، أو ربما لأي سبب آخر، المهم أنه يموت، وبموته تنتهي حياة واحد من أغرب الكتاب الفرنسيين، لتبدأ أسطورة من حول حياته وكتاباته. فالرجل كان كاتباً ويدعى سيرانو دي برجراك، ولئن كان هذا الاسم يحيل في فرنسا عادة إلى مسرحية شهيرة كتبها الأب إدموند روستان في القرن الـ19، وأصبحت واحدة من أشهر المسرحيات في الأدب الفرنسي، فإن كثيرين يجهلون أن الشخصية التي تحمل المسرحية اسمها، شخصية حقيقية، لكاتب كانت حياته مغامرة عجيبة، بالكاد وصل روستان إلى التعبير عن كل ما فيها من ثراء ودينامية، والأغرب أن سيرانو، الحقيقي، كان من أوائل الكتاب الذين كتبوا عن عوالم مخترعة تخيلوا وجودها فوق سطح القمر وفوق سطح الشمس، وكان من أوائل الذين تنبأوا بطيران الإنسان وصولاً إلى الكواكب البعيدة. لقد كان سيرانو دي برجراك سابقاً زمنه، ومن هنا كان من الطبيعي لهذا الرجل أن يعيش ضد زمنه، وأن يموت على تلك الشاكلة التي لا تزال تبعث، إلى اليوم، عن التساؤل: هل مات الرجل مصادفة؟ هل كان مقتله اغتيالاً؟ أم كان في الأمر شيء من الانتحار؟
من الموت إلى الأسطورة
مهما يكن من شأن الجواب عن هذه الاسئلة، من المؤكد أن موت سيرانو دي برجراك قد حوله إلى أسطورة. ومن المؤكد أيضاً، أن معظم الأدب العالمي الذي كتب لاحقاً، حول غزو الفضاء، يدين كثيراً إلى ذلك الكاتب المغامر الأفاق الذي يكاد ينسى اليوم لحساب قرينه الروائي المسرحي الذي رسمه، إدموند روستان، وجعل له أنفاً طويلاً يتحكم في مصيره ومزاجه. واللافت في حياة هذا الكاتب أن أعماله الروائية الكبيرة لم تنشر إلا بعد موته، بمعنى أن شهرته في حياته كانت فضائحية، أما الشهرة الأدبية فتكفلت بها الأزمان اللاحقة، إذ، بعد عامين من رحيل سيرانو عام 1655، ظهرت الطبعة الأولى من كتابه الأشهر "دول القمر وإمبراطورياته"، وبعد ذلك بسنوات قليلة ظهر كتابه "أعمال جديدة" الذي حوى في ما حوى نص "مقاطع عن الفيزياء" الذي كشف عمق اهتمام سيرانو بالعلوم ومعرفته بها. ثم ظهر كتاب "دول الشمس وإمبراطورياتها". وكان يفترض أن يصدر بعد ذلك كتاب "الشرارة" ولكن سرعان ما تبين أن سيرانو مات من دون أن يكمله، وأن المخطوطة الناقصة قد اختفت. مهما يكن، فإن كتاب "دول القمر وإمبراطورياته" يظل الأشهر بين أعمال سيرانو دي برجراك، لأنه مهد لذلك الأدب الواسع الانتشار الذي سيعرف باسم الخيال العلمي.
أمور حدثت لم تحدث!
في كتاب "دول القمر وإمبراطورياته" يصف سيرانو، في لغة قريبة من الواقع وتكاد تكون مقنعة، بأن ما يكتب إنما حدث فعلاً، يصف ما كان كل إنسان يحلم بتحقيقه منذ إيكاروس: الطيران. إذ هنا لدينا الراوي الذي يحدثنا عن محاولاته الكثيرة لاختراع أجهزة تطير به إلى القمر، وكيف فشلت اختراعاته تباعاً: في المرة الأولى يبعده الجهاز من القمر بدلاً من أن يقربه منه، ثم يسقطه على سطح الأرض. وفي المرة الثانية يفشل أيضاً، لكنه لا ييأس، وكل هذا يصفه سيرانو في دقة علمية مدهشة تكشف عمق تضلعه بقوانين الفيزياء وعلوم الميكانيكا، وما شابه. المهم أنه في المرة الثالثة يفلح في مسعاه، ويصل إلى القمر. وهناك تبدأ الاكتشافات الغريبة تتوالى: يكشف عن أن ثمة كائنات تعيش فوق سطح القمر تسير على أربع، وهذه الكائنات تعتبر الراوي قرداً. والقوم هنا يتبادلون التجارة، لكن العملة التي يستخدمونها شاعرية: بضعة سطور من أغنية تكفي ثمناً لسلعة ما، مثلاً. أما النباتات فإنها، هنا، كائنات ذات روح ومشاعر. والمنازل التي يبنيها المهندسون على سطح القمر متحركة، ذات لوالب، ما يجعلها تعلو وتهبط وفق الفصول وتبدلات المناخ، وهي في نهاية الأمر تشبه البيوت القوافل في زمننا هذا، وهي تضاء عبر مصابيح لا ينضب نورها (يكاد ما يشعلها يشبه الكهرباء). وفوق سطح القمر ليست هناك كتب، ولكن علب ذات هندسة ميكانيكية تمكن الراغب في القراءة من الاستماع إلى النص الذي يحب (أشياء تشبه مسجلات أيامنا هذه). إن سيرانو يعدد لنا هنا عشرات الأجهزة والاختراعات التي يصادفها، والتي تساعد كائنات القمر على العيش، وعلى الاستمتاع بالرفاهية أيضاً. هناك غذاء للجسد وهناك غذاء للروح. هناك حاجات العيش المادي وهناك حاجات الشاعر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
دقة وصف متناهية
كل هذا يصفه الكاتب، في دقة متناهية، والمدهش أن كل ما يصفه يمكننا أن نعثر، بعد ثلاثة قرون من رحيل الكاتب، على ما يشبهه في الحضارات اللاحقة، حيث يبدو أن هذه الحضارات لم تفعل أكثر من أنها حققت ما حلم به سيرانو دي برجراك. وهذا الواقع يجعل من كاتبي القرنين الـ19 والـ20: هربرت جورج ويلز وجول فيرن، كاتبين عاديين بالمقارنة مع سيرانو ذي المخيلة المدهشة. وما نقوله هنا عن كتابه حول القمر يمكن أيضاً أن نقوله عن كتابه حول الشمس، التي يصل إليها بطله بعد رحلة تستغرق 22 شهراً، ليكتشف أول ما يكتشف أن الأرض حقاً كروية وتدور من حول الشمس. وحتى ولو أن الكاتب يغض الطرف تماماً عن واحدة من أعقد المشكلات البيئوية التي تجعل من أي دنو من القمر أمراً مستحيلاً، ونتحدث هنا بالطبع عن حرارة الشمس التي سيكون من شأنها أن تذيب تماماً أي جسم يقترب منه، فإنه، أي الكاتب، يتصرف في نصه وكأن تلك الاستحالة لا وجود لها بمعنى أنها معضلة محلولة سلفاً وبصورة بديهية، وكأنها ليس معضلة على الإطلاق. ففي نهاية المطاف لا يتورع دي برجراك عن التعامل مع حكايته وكأنها مكتوبة كي تروي أحداثاً تحصل بعدما تكون العقول البشرية أوجدت مسبقاً، حلولاً "منطقية" لعدد كبير من التمهيدات المستعصية نظرياً. ومن الواضح أن دي برجراك يتصرف، كتابياً على أية حال، وكأنه يعيش في أزمنة متقدمة عشرات السنين الضوئية، ليس فقط عن الزمن الذي عاش فيه، بل عن الأزمنة التي لا نزال نحن نعيش فيها حتى اليوم! ولم يكن هذا بالأمر القليل بالنسبة إلى زمنه بالتأكيد.
أدب جديد لعصر يتفتح
وُلد سيرانو دي برجراك في باريس عام 1619 لأسرة نبيلة كانت فقدت مكانتها مع الزمن، إذ إن أباه لم يعد أكثر من رجل مصارف عادي. ومنذ طفولته تميزت حياة سيرانو بالمخاطرة والمغامرة، ما قاده إلى خوض الحروب المتتالية، المحلية وضد الإمبراطورية الألمانية، وهو إذ جرح ذات مرة، ترك الجيش وعاد إلى باريس، حيث اختلط بالفلاسفة والمفكرين المتحررين وعاش حياة بوهيمية، ثم بدأ يكتب للمسرح، وأثارت إحدى مسرحياته فضيحة، إذ تبين أنها مستوحاة من أفكار الفلاسفة الملحدين. وهو في خضم ذلك كله كان لا يكف عن الحلم بالسفر إلى الأماكن النائية، ويدون رغباته على شكل يوميات سفر حقيقية. وكانت تلك هي النصوص التي اكتشفت بعد موته ونشرت، فلقيت إقبالاً واسعاً وأسست لأدب جديد، غير أن سيرة الكاتب نفسها عادت وطغت، ولا سيما منذ المسرحية الشهيرة التي "استعارت" اسمه وملامحه، وربما حكاية حقيقية من حكايات حياته، لتصبح هي سيرته الذاتية التي ألهمت أجيالاً من الفنانين وصولاً إلى إلهامها السينمائيين في القرن الـ20. ونعرف أن تلك السيرة المتخيلة التي جعلها الأب روستان للشاعر، صارت هي في عرف الناس سيرته المتداولة بحيث نسوا كل شيء آخر عنه، مما جعل الأمر يحتاج إلى انتظار قرنين قبل أن يعاد اكتشاف رواياته الرائعة تلك.