ملخص
رغم أهميتها فإن المتاحف العلمية في مصر بقيمتها العلمية والتاريخية لا تحظى بالاهتمام الكافي، وتحتاج إلى أن توضع في بؤرة الاهتمام لتشجيع الناس على زيارتها
حينما تذكر كلمة متحف يتبادر إلى أذهان غالب المصريين عشرات المتاحف التي تمتلئ بالقطع الأثرية من عصور مختلفة في كامل أنحاء البلاد، غير أنه على أرض الواقع هناك نوعيات أخرى من المتاحف لا تحظى بالاهتمام نفسه، وربما لا يعرف المصريون عنها شيئاً من الأساس، ومن بينها المتاحف العلمية.
هذا النوع من المتاحف الموجود والمنتشر في العالم كله ربما لا يحظى بالاهتمام الكافي في مصر والعالم العربي على رغم أهميته والقيمة التاريخية والعلمية الكبيرة التي تمثلها معروضاته سواء متاحف التاريخ الطبيعي أو متاحف تاريخ العلوم المختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي مصر توجد مجموعة مهمة من المتاحف العلمية، بينها المتحف الجيولوجي بالقاهرة، ومتحف محمية وادي الحيتان بالفيوم، ومتحف الأحياء المائية بالإسكندرية، ومتحف المجموعات العلمية بالمتحف الزراعي بالقاهرة، ومتحف قصر العيني لتاريخ الطب، ومتحف تاريخ العلوم بمكتبة الإسكندرية، ومتحف الحشرات التابع لوزارة الزراعة وغيرها من المتاحف العلمية.
من بين أهم المتاحف العلمية في مصر هو المتحف الجيولوجي الذي أنشئ عام 1901 عقب إنشاء الهيئة العامة للمساحة الجيولوجية المصرية عام 1896، التي أمر بإنشائها الخديوي إسماعيل، ويعد الأول من نوعه في الشرق الأوسط والعالم العربي وأفريقيا، وتردد اسم المتحف على الساحة أخيراً بعد تداول أنباء بأنه سينقل من موقعه الحالي على كورنيش النيل ليتم إصدار بيان من الدولة لاحقاً يفيد بأن المتحف باق في موقعه، وأنه لا توجد نية لنقله إلى مكان آخر.
صخور وكائنات متنوعة
عن قيمة المتاحف العلمية يقول أستاذ الطبقات والحفريات ومدير مركز الحفريات الفقارية بجامعة الوادي الجديد جبيلي أبو الخير، "مصر من أكثر دول العالم ثراء في مجال التاريخ الطبيعي، والمتحف الجيولوجي في مصر هو واحد من أهم المتاحف في هذا المجال، وله قيمة كبيرة وتاريخه يمتد لأكثر من 100 عام، وبه عينات ليس لها مثيل في العالم كله، سواء الخامات النفيسة والمعادن أو المعروضات التي توضح تطور الكائنات المختلفة، والصخور المتنوعة، حتى إن به صخوراً من القمر، لكن المتحف للأسف يحتاج إلى كثير من الاهتمام الذي يتناسب مع قيمته".
ويضيف أبو الخير، "مصر تعد من أكثر دول العالم ثراء في التاريخ الطبيعي مثلما هي من أكثر الدول ثراء في التاريخ الثقافي، ومن هنا أتمنى أن تتبنى الدولة مشروعاً لإنشاء أكبر متحف تاريخ طبيعي في العالم على غرار ما جرى من إنشاء أكبر متحف للآثار سيكون لهذا الأمر صدى كبير، وسيستقطب كثيراً من الزوار المهتمين بهذا المجال".
ويلفت أستاذ الطبقات والحفريات إلى أنه في الخارج هذه المتاحف تقدر مثل متاحف الآثار، وهي وجهة مهمة للناس من كل الأعمار، مؤكداً أن مصر "لديها كل المقومات لذلك، يمكن استغلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إضافة بعد جديد، فإلى جانب الحفريات المعروضة يجري عمل مجسمات لهذه الكائنات بصورتها الطبيعية مع إضافة بعد تفاعلي سيكون هذا شيئاً غير مسبوق، ويمكن أن يكون من أفضل المتاحف على مستوى العالم".
ويأسف أبو الخير على أن متاحف للتاريخ الطبيعي في الخارج قائمة على حفريات قادمة من مصر، باعتبار أهميتها وقيمتها العلمية الكبيرة. مشدداً على أنها "مثل الآثار المصرية المعروضة في متاحف العالم، والأولى أن نستغل هذه الثروات الطبيعية بصورة تحقق فائدة علمية، وتكون أحد مصادر الدخل للبلاد، بخاصة مع تطور هذا المجال في مصر بصورة ملحوظة في الأعوام الأخيرة، ووجود أكثر من مركز علمي للحفريات في أكثر من جامعة بعدما كان هذا المجال حكراً على الأجانب".
من بين المتاحف العلمية المهمة في مصر متحف الأحياء المائية الواقع شرق الإسكندرية بجوار قلعة قايتباي، ويرجع تأسيسه إلى عام 1930، ويحوي أنواعاً نادرة من الأسماك والقشريات والسلاحف، إضافة إلى جوانب من الحياة البحرية في مصر سواء للأسماك التي تعيش في المياه المالحة أو العذبة يضم بعض الكائنات البحرية المحنطة مثل هيكل عظمي لأحد أسماك القرش، وهو من المتاحف المهمة في مجال البيئة البحرية، كما أنه جاذب لقطاعات كبيرة من الجمهور، وعلى رأسهم الأطفال.
وتضم الإسكندرية أيضاً متحف تاريخ العلوم الواقع داخل مكتبة الإسكندرية ضمن مجموعة من المتاحف تضمها المكتبة، وتمثل جزءاً من تاريخ زيارتها، وهو يلقي الضوء على تاريخ العلوم في مصر في ثلاث حقب تاريخية، هي مصر القديمة، والإسكندرية الهلينستية، والحضارة العربية الإسلامية.
ويقع بالفيوم متحف بمحمية وادي الحيتان يعرض حفريات نادرة تصل لنحو 200 حفرية ترصد تطور الكائنات البحرية في هذه المنطقة التي تعود إلى ملايين السنين، وهذه المنطقة الواقع فيها المتحف بجوار محمية وادي الحيتان مسجلة منذ عام 2005 على قوائم "اليونيسكو" للتراث العالمي الطبيعي، وهي مصنفة كأفضل منطقة للتراث العالمي للهياكل العظمية للحيتان.
مقتنيات علمية فريدة
من بين المتاحف العلمية العامة في مصر متحف قصر العيني الموجود بكلية الطب بالقاهرة، وهو من أهم المتاحف التي تعرض تاريخ الطب والتعليم الطبي في مصر منذ إنشاء مدرسة الطب في عهد محمد علي باشا، التي ستحتفل بعامها الـ200 بعد عامين في احتفالية كبرى يجري الإعداد لها من الآن، ويضم هذا المتحف مجموعات نادرة متنوعة من المقتنيات العلمية والأثرية والفنية، وهو من أهم المتاحف المعنية بتاريخ الطب.
ومن بين مقتنياته كتب ومخطوطات ونشرات طبية يعود بعضها إلى القرن الأول الهجري، ونسخة خطية لتذكرة الكحالين تأليف عيسي بن على تعود لعام 941 هجرياً، ومخطوطات لتذكرة داوود الخاصة ببعض الوصفات الطبية، ويعود تاريخها لعام 976 هجرياً، وغيرها من المخطوطات التي ترصد تاريخ الطب.
يوضح هشام المناوي، أستاذ الجراحة بكلية الطب جامعة القاهرة ونجل مؤسس المتحف الطبيب محمود المناوي أستاذ النساء والتوليد "يضم متحف قصر العيني مجموعات نادرة من الوثائق والمخطوطات والأدوات التي كانت مستخدمة من الأطباء في عصور مختلفة منذ إنشاء مدرسة الطب في مصر عام 1827، فهو يرصد تاريخاً طويلاً يبدأ مع بداية ممارسة الطب بصورة متطورة في مصر مع تأسيس كلوت بك لأول مدرسة للطب في مصر، يوجد بالمتحف مقتنيات ترصد أحداثاً مهمة في مجال الطب، مثل لوحة لكلوت بك إبان انتشار وباء الكوليرا، وهو يحقن نفسه باللقاح، الذي كان الناس غير مقتنعين به حينها، باعتبار عدم انتشار مفهوم اللقاحات في هذا الزمن وتخوف الناس منها".
ويضيف المناوي، "في هذا الوقت كان الأزهر هو الجامعة الوحيدة، وكان التشريح أمراً غير مقبول دينياً، وتعرض إحدى لوحات المتحف كلوت بك وهو يقوم بتشريح جسد وحوله مجموعة من الشيوخ يحاول إقناعهم بأن الأمر يجري لأغراض علمية لا الهدف منه انتهاك الإنسان، يضم المتحف صوراً نادرة متنوعة من بينها مجموعة صور لأوائل الطلبة الذين أرسلهم محمد علي باشا في بعثات للخارج لدراسة الطب ليكونوا نواة لمستوى طبي متطور في مصر وصور لمديري القصر العيني في عصور مختلفة، يضم المتحف مجموعة من اللوحات الزيتية والتماثيل البرونزية للطبيب البلجيكي الدكتور تيودور بلهارس مكتشف مرض البلهارسيا عام 1850، كما يضم مجموعات من الأدوات الطبية والوثائق والمخطوطات التي ترصد تاريخ وتطور الطب في مصر في العصر الحديث".
حينما يذكر اسم نجيب محفوظ يتبادر إلى الأذهان الكاتب المصري الشهير إلا أن المقصود هنا هو طبيب النساء الشهير نجيب باشا محفوظ مؤسس أول قسم للنساء والتوليد في مصر، وهو الطبيب الذي ولد على يديه الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ الذي أطلق عليه والده هذا الاسم تيمناً بالطبيب البارع الذي أشرف على ولادته المتعثرة.
الطبيب نجيب باشا محفوظ هو واحد من أشهر أطباء النساء في العالم، وهو من بين مجموعة من الأطباء تطور على يديهم هذا المجال الطبي، وداخل كلية الطب يوجد متحف يحمل اسمه يضم عينات محفوظة للتشوهات الجنينية وأدوات طبية كانت مستخدمة قديماً، وهو من أهم المتاحف الطبية في العالم، المتحف افتتح للمرة الأولى عام 1929، وبه أكثر من 1300 عينة لأمراض نادرة.يقول المناوي، "هذا المتحف هو أحد المتاحف الفريدة من نوعها في هذا التخصص، وهو متحف تعليمي متميز يضم عينات لأجنة بها مشكلات أو تشوهات مختلفة محفوظة بصورة معينة، وفي الأعوام الأخيرة جرى تجديده وتطويره بصورة كبيرة ووضع (Qr code) على كل عينة بحيث يمكن من خلاله التعرف على تفاصيل كل حالة، وأسبابها بشرح مفصل، ويمثل هذا قيمة علمية كبيرة للطلبة والمتخصصين في هذا المجال".