ملخص
لا يظهر لبنان وغزة كقضيتين سياديتين، بل كعقدتين أمنيتين مزمنتين داخل مشهد إقليمي واحد، عنوانه الأبرز تحييد الفاعلين المسلحين غير الدوليين، ولا ينظر إلى "حزب الله" في لبنان، و"حماس" في غزة، كحركات ذات جذور اجتماعية أو سياسية، بل كعوائق وظيفية أمام إعادة هندسة الاستقرار، السلام هنا لا يعني عدالة أو شراكة، بل إعادة توزيع للأدوار، الاقتصاد مقابل السلاح، وإعادة الإعمار مقابل التحييد، وحدود هادئة مقابل قرار استراتيجي مؤجل.
جاء مثيراً إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب من منتدى دافوس في سويسرا، عن تأسيس "مجلس السلام"، في الـ22 من يناير (كانون الثاني) الجاري، ونشر الميثاق المنشئ له، وجاء في مقدمة الميثاق "أن المجلس منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها"، وبهذا المعنى لم يعد "مجلس السلام"، مجرد مبادرة لإعادة إعمار غزة، بل اتضح أنه مشروع سياسي عابر للحدود، يعيد تعريف مفاهيم السلام، والشرعية الدولية، ومن يملك حق إدارة النزاعات في العالم، وما بدأ كخطة إنقاذ لقطاع غزة المحاصر، التي ضمّت 20 نقطة، سرعان ما تحول إلى بنية فوق دولية، ذات طموحات مفتوحة وصلاحيات غير مسبوقة، وسيكون الرئيس الأميركي دونالد ترمب أول رئيس للمجلس مع صلاحيات واسعة، إذ سيكون صاحب الحق الوحيد في دعوة قادة آخرين للانضمام إليه، ويمكنه إلغاء مشاركتهم، وله الحق في مراجعة كل الأصوات.
غزة لم تكن سوى نقطة الانطلاق
وخلال المنتدى، قدم مستشار ترمب وصهره جاريد كوشنر ملامح خطة إعادة بناء غزة، واضعاً الأساس العملي لمشروع سبق أن دعا له الرئيس الأميركي منذ سبتمبر (أيلول) عام 2025، حين وجه دعوات إلى عشرات الدول للانخراط في "مجلس السلام"، غير أن التفاصيل التي ظهرت لاحقاً تشير إلى أن غزة لم تكن سوى نقطة الانطلاق، لا الهدف النهائي.
فمسودة الميثاق التأسيسي للمجلس لا تذكر غزة من الأساس، بل تقدم الكيان الجديد بوصفه "منظمة دولية" تُعنى بتعزيز الاستقرار والسلم والحكم الرشيد في المناطق المهددة أو الغارقة في النزاعات. والأخطر من ذلك أن رئاسة المجلس مُنحت لترمب فترة غير محددة، تمتد حتى بعد خروجه من البيت الأبيض، مما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذا الكيان، هل هو مبادرة سلام؟ أم سلطة موازية تتجاوز الدول والمؤسسات الدولية القائمة؟
كذلك فإن العضوية الدائمة في المجلس لا تُمنح بالتصويت أو التوافق السياسي، بل بثمن مالي صريح، مليار دولار نقداً لكل مقعد، شرط يُقصي عملياً معظم الدول العربية والإسلامية، ويجعل القرار حكراً على الدول الأكثر ثراء، حتى لو كانت الأقل تضرراً من النزاعات التي يدعي المجلس معالجتها، هنا، يتحول "السلام" إلى امتياز مالي، لا إلى حق سياسي أو إنساني.
وتزداد الصورة تعقيداً مع تشكيلة الهيئة التنفيذية التي تعمل تحت سلطة المجلس، وتضم جاريد كوشنر نفسه، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، هذه المجموعة تتولى إدارة الموارد المالية، والإشراف على المشاريع، بما فيها إعادة إعمار غزة، مما يعيد إلى الواجهة نموذج الوصاية السياسية والاقتصادية تحت عناوين الاستقرار والتنمية.
وكان ترمب قد أشار إلى أن "الأمم المتحدة لها إمكانات كبيرة لكنها لم تستعملها"، وشكك في قدرتها على حل النزاعات في العالم، مشيراً إلى أنه "أنهى ثمانية حروب"، من دون اللجوء إلى الأمم المتحدة، وقال إن "الأمم المتحدة حاولت ولم تستطع إنهاء تلك الحروب"، وعليه، يتضح أن مجلس السلام العالمي عند ترمب ليس بديلاً عن الأمم المتحدة بقدر ما هو أداة لتجاوزها عندما تعجز عن فرض الحلول.
غزة ولبنان هل هما مصدر تهديد قابل للإدارة أم عقدة قابلة للتفكيك؟
وكانت دول حليفة ومنافسة عدة قد حذّرت من أن "مجلس السلام"، الذي يعمل ترمب على تشكيله، "يعرقل" عمل الأمم المتحدة، و"يهدد" النظام الدولي القائم منذ 80 عاماً، ووصفته منظمات دولية بأنه هيئة تسعى إلى أن تكون بديلاً عن مجلس الأمن الأممي، الذي دعم إنشاءها.
بدوره، تحدث كوشنر صراحة عن مشروع عقاري في غزة، وقال إن خطة ترمب ترمي إلى "تغيير الذهنية"، وجلب "مبادئ اقتصاد السوق" إلى أماكن مثل غزة، وتريد الخطة، على حد تعبيره، أن "تمنح لهؤلاء إمكان الازدهار والحياة الطيبة"، من غير أن يولي مصير الفلسطينيين أو حقهم في الدولة المستقلة أي وزن سياسي يذكر.
في السياق، لفت ترمب إلى "أن 'حزب الله' في لبنان بات بقايا صغيرة مقارنة بما كان عليه سابقاً"، مضيفاً "لا بد من القيام بشيء حيال ذلك"، من هنا، يبدو أنه وبمقاييس ترمب، لا تقاس قيمة لبنان وغزة في رؤيته، بمعايير السيادة والتمثيل والشرعية الوطنية، بل بمعيار واحد أكثر برودة، "هل هما مصدر تهديد قابل للإدارة؟ أم عقدة قابلة للتفكيك؟"، ولهذا لا يظهران كقضيتين منفصلتين، بل كحلقتين ضمن شبكة نزاعات إقليمية واحدة، تدار بمنطق، ضبط الأخطار، لا بمنطق، حل تاريخي.
ترتيب الإقليم
ليس مجلس السلام العالمي مؤسسة وساطة بقدر ما هو غرفة قيادة تجمع المال والأمن والسياسة في آلية واحدة، هدفها إنتاج استقرار قابل للتسويق والقياس، أي حدود هادئة، وتدفق اقتصادي، وانخفاض مستوى النار، حتى لو بقيت جذور الصراع بلا معالجة، هذا المنظور يختزل غزة ولبنان إلى نقطتي احتكاك، تتغذيان من الفاعلين غير الدوليين، وهنا لا يقارب "حزب الله" و"حماس" كامتدادين لصراعات هوية أو احتلال أو انسداد سياسي، بل كوظيفتين عسكريتين تُعطلان إعادة ترتيب الإقليم، لذلك يصبح السؤال عند ترمب، كيف نعيد تعريف دورهما بحيث يتحول السلاح من ورقة قوة إلى عبء؟ وليس عبر مواجهة شاملة بالضرورة، بل عبر مزيج متعمد من الضغط الاقتصادي وإغراءات إعادة الإعمار والاعتراف المشروط، بحيث تصمم الحوافز لتدفع البيئة الحاضنة إلى تفضيل "العائد المادي" على "العائد المقاوم"، وتربط أي فرصة إنقاذ مالي أو إعادة بناء أو اندماج إقليمي بشروط أمنية واضحة.
غزة من قضية سياسية إلى ملف إعادة إعمار
في غزة، يترجم ذلك إلى تحويل القطاع من قضية سياسية إلى ملف إعادة إعمار محكوم بضمانات أمنية، أي سلام يُعرف بوصفه، قدرة على منع إعادة التسلح، أكثر مما هو قدرة على إنتاج دولة أو سيادة، وفي المقاربة التي يروّج لها ترمب لم تعد غزة تُختزل بوصفها ساحة صراع سياسي مفتوح على أسئلة الاحتلال والتمثيل والحقوق، بل جرى إعادة تصنيفها كملف إعادة إعمار محكوم باعتبارات الأمن والتمويل والإدارة، هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل انتقال جذري في طريقة تعريف القضية نفسها، من مسألة سياسية ذات جذور تاريخية، إلى مشكلة تشغيلية، يُفترض احتواؤها عبر المال والبنية التحتية والرقابة الأمنية.
في هذا الإطار، يصبح وقف إطلاق النار ليس مدخلاً لمسار سياسي، بل شرطاً وظيفياً لإطلاق مشاريع الإعمار، وتُفصل مسألة إعادة البناء عن أي أفق سيادي أو تمثيلي، وتُربط مباشرة بقدرة القطاع على التزام معادلة أمنية صارمة، لا إعادة تسليح، ولا قرار عسكري مستقل، ولا مساحة لفاعلين غير دوليين خارج منظومة الرقابة، هكذا يتحول الإعمار من حق للسكان إلى أداة ضغط، ومن استحقاق إنساني إلى وسيلة لإعادة هندسة السلوك السياسي والأمني داخل غزة. الأخطر في هذا التحول أن الفاعل المركزي لم يعد الفلسطيني ولا مؤسساته، بل شبكة من الممولين والضامنين الدوليين، ويُعاد عبرها تعريف "الشرعية" على أساس الكفاءة في إدارة الهدوء، لا القدرة على تمثيل الإرادة السياسية، وتُدار غزة كمساحة معاد تأهيلها اقتصادياً، لا ككيان يسعى إلى تقرير مصيره، ويجري التعامل مع "حماس"، في هذا السياق، لا كحركة سياسية لها قاعدة اجتماعية، بل كعقبة تقنية أمام تدفق الأموال وتنفيذ المشاريع، مما يفتح الباب أمام سياسات تحييد أو تفكيك وظيفي بدل المواجهة المباشرة.
بهذا المعنى، تُفرّغ غزة تدريجاً من كونها رمزاً لصراع سياسي، وتُعاد صياغتها كحالة استقرار هش قابل للإدارة، فلا دولة في الأفق، ولا تسوية نهائية، بل وضع انتقالي مفتوح يُقاس نجاحه بعدد المشاريع المنفذة ومستوى الهدوء الأمني. إنها مقاربة تنهي الحرب من دون أن تنهي أسبابها، وتستبدل بالسؤال السياسي الكبير سؤالاً تقنياً صغيراً: كيف نبقي غزة قابلة للحياة من دون أن تكون قابلة للقرار؟
السلاح خارج وظيفة "الردع الإقليمي"
في لبنان، يتحول البلد إلى منصة اختبار لمعادلة مشابهة، الاستقرار المالي مقابل إعادة ضبط السلاح خارج وظيفة "الردع الإقليمي"، وإعادة بناء الدولة ليس كاستعادة للقرار الوطني، بل كإعادة تموضع ضمن خريطة أمنية تُدار حدودها وخطوطها الحمراء من خارجها، وفي الحالتين، تُقاس الشرعية بالنتيجة لا بالمبدأ، من يضمن الهدوء يحصل على الضوء الأخضر الاقتصادي، ومن يعطله يحاصر سياسياً ومالياً.
وفي منطق المقاربة التي يريد ترمب تعميمها عبر "مجلس السلام"، لا يُعامل لبنان كدولة ذات أزمة سيادة داخلية وحسب، بل كساحة اختبار لنجاح نموذج تم تجريبه في غزة، أي تحويل الصراع من ملف سياسي وسيادي إلى ملف "استقرار قابل للإدارة"، تمسك مفاتيحه منظومة الضمانات والتمويل والردع، لكن الفارق أن غزة تُدار كمنطقة خارجة عن الدولة، بينما لبنان يُفترض أن يعاد ضبطه من داخل الدولة نفسها، عبر إعادة تعريف وظيفة السلاح وحدود القرار الوطني، لا عبر إعلان انهيار الكيان.
ويبدأ الاختبار من فرضية بسيطة، لبنان لم يعد مشكلة نظام طائفي، أو فساد، أو اقتصاد منهار فقط، بل عقدة أمنية إقليمية مرتبطة مباشرة بموازين الردع بين إسرائيل وإيران، لذلك لا ينظر ترمب إلى استقرار لبنان بوصفه مسألة إصلاح داخلي، بل بوصفه مسألة تحييد جبهة داخل شبكة نزاعات أكبر، وهنا تتقدم الحدود والاشتباك المنخفض الحدة على ما عداها، ويصبح السؤال الأميركي: كيف نحصل على "حدود هادئة" من دون حرب شاملة ومن دون أن نمنح "حزب الله" شرعية ردع دائمة؟
تماماً كما تُربط غزة بالإعمار مقابل الضبط الأمني، يُعاد تركيب لبنان عبر معادلة مشابهة لكن بأدوات مختلفة، إنقاذ مالي مشروط، وإعادة وصل لبنان بممرات الاقتصاد الإقليمي، وفتح أبواب الدعم والاستثمار، مقابل هندسة أمنية تقلص "وظيفة السلاح" تدريجاً، بمعنى أن جوهر العرض ليس إنهاء "حزب الله" دفعة واحدة، بل تحويله من لاعب إقليمي يملك قرار الاشتباك، إلى لاعب داخلي تُدار حركته بسقف أعلى خارجي، بحيث تكافأ التهدئة، ويعاقب التصعيد مالياً وسياسياً، وتُدفع الدولة اللبنانية، بأزماتها وحاجتها، لتصبح شريكاً موضوعياً في تقييد هامش الحركة.
من هنا يصبح لبنان "مختبراً" لأن نجاح النموذج يتطلب توازناً شديد الحساسية، أي إبقاء مؤسسات الدولة قائمة كي تحمل عبء الشرعية، وفي الوقت نفسه تجريدها تدريجاً من حقها الطبيعي في احتكار القرار الاستراتيجي، عبر ربط الاقتصاد بالأمن وربط الدعم بالشروط. هنا يُعاد تعريف الإصلاح ليس كإعادة بناء دولة سيدة، بل كإعادة بناء دولة "وظيفية"، قادرة على ضبط الحدود، وإدارة التمويل، وتوفير حد أدنى من الاستقرار يمنع الانفجار، حتى لو بقيت السيادة الفعلية مجزأة، ولكن هذا الاختبار يطال المجتمع اللبناني نفسه، عبر أسئلة منها: هل يستطيع نموذج "السلام الاقتصادي" أن يُنتج رأياً عاماً يرى في الاستقرار المعيشي بديلاً عن منطق الجبهة؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عملياً، هذا هو الرهان، أي نقل مركز الثقل من سرديات "الكرامة والمقاومة" إلى سرديات الرواتب، والكهرباء، والمصارف، وإعادة الإعمار، عبر تحويل السياسة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى وسيلة ضغط على السلاح، ولكن في لبنان، بخلاف غزة، توجد فسيفساء طائفية وسياسية تجعل أي ضغط خارجي يُقرأ داخلياً كاصطفاف جديد، مما يرفع احتمال أن يتحول "الاختبار" إلى تفجير داخلي بدل تسوية تدريجية.
الخلاصة أن لبنان، ضمن معادلة ترمب، لا يُدفع نحو حل نهائي، بل نحو، توازن مضبوط، لا حرب شاملة ولا سلام كامل. وبمعنى آخر، أن "نموذج غزة" يعاد تدويره، إدارة أزمة طويلة، بواجهة إنقاذ اقتصادي، وعمق أمني صارم، والنتيجة المتوقعة ليست استعادة سيادة لبنان، بل إعادة تعريفها، سيادة تُقاس بقدرة الدولة على منع التصعيد، لا بقدرتها على امتلاك قرارها، هذا هو اختبار لبنان، فهل يمكن شراء الاستقرار من دون دفع ثمن سياسي وسيادي كامل؟ أم أن البلد، بطبيعته وتركيبته، سيحول أي محاولة لفرض نموذج "قابل للإدارة" إلى أزمة أكبر من تلك التي يراد حلها؟
فك العقد عبر إعادة تركيبها
هنا يبرز سؤال جوهري: هل مجلس السلام العالمي محاولة حقيقية لصناعة نظام دولي أقل فوضى؟ أم غطاء أنيق لإعادة توزيع النفوذ وفرض وقائع جديدة باسم السلام؟
الحقيقة أن السلام في هذا النموذج اقتصادي وأمني قبل أن يكون سياسياً، أي استثمارات، وإعادة إعمار، وضمانات أمنية، مقابل نزع سلاح أو تحييد أطراف "مزعجة"، ويعكس المجلس انتقالاً من "السلام التوافقي" إلى "السلام القسري الناعم"، لا حرباً شاملة، لكن أيضاً لا سيادة كاملة للطرف الأضعف، والنتيجة أن مجلس السلام العالمي، وفق هذه الرؤية، لا يفكك العقد عبر حلها، بل عبر إعادة تركيبها، وتحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى توازن مضبوط، تستبدل فيه بفكرة السيادة الكاملة فكرة الاستقرار القابل للاستمرار، وهذا هو جوهر "سلام ترمب"، ليس سلاماً ينهي النزاع، بل سلام يُعيد تعريفه بحيث تصبح كلفة استمرار السلاح أعلى من كلفة التنازل عنه، فيما يبقى القرار الاستراتيجي النهائي خارج بيروت وغزة، ولو بواجهة محلية.
دونالد ترمب لا يطرح "السلام" كمفهوم أخلاقي أو دبلوماسي تقليدي، بل كمشروع إدارة نزاعات من فوق، عبر مجلس سلام عالمي يعيد تعريف السلام بوصفه صفقة كبرى تدار من واشنطن، لا نتيجة تفاوض متكافئ بين الأطراف.
في المحصلة، لا يبدو "مجلس السلام" مشروعاً لإعادة بناء ما دمرته الحرب بقدر ما يبدو محاولة لإعادة صياغة النظام الدولي من خارج الأمم المتحدة، وبمعايير مالية وسياسية جديدة.
في هذا الإطار، لا يظهر لبنان وغزة كقضيتين سياديتين، بل كعقدتين أمنيتين مزمنتين داخل مشهد إقليمي واحد، عنوانه الأبرز، تحييد الفاعلين المسلحين غير الدوليين، ولا ينظر إلى "حزب الله" في لبنان، و"حماس" في غزة، كحركات ذات جذور اجتماعية أو سياسية، بل كعوائق وظيفية أمام إعادة هندسة الاستقرار. السلام هنا لا يعني عدالة أو شراكة، بل إعادة توزيع للأدوار، الاقتصاد مقابل السلاح، وإعادة الإعمار مقابل التحييد، وحدود هادئة مقابل قرار استراتيجي مؤجل.