Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين حب الذات والأنانية... قشة تقصم ظهر المصطلحات

يقول الفيلسوف الكوري المعاصر بيونغ-تشول إننا انتقلنا من مجتمع "المنع" إلى مجتمع "الإيجابية"

الإصغاء إلى الجسد يجب تعليمه أيضاً في التربية (بيكسلز)

ملخص

النص يرصد انتقالاً من معنى الجماعة إلى مشروع الفرد، إذ تعاد صياغة الحياة بمنطق الإنجاز والتسويق الذاتي. وحيث القمع لم يعد خارجياً، وصرنا نستنزف أنفسنا باسم الحرية، حتى الاحتراق. ويتحدث عن تفعيل الأنا ليس أنانية ولا كذبة إيجابية، إنما بحدود واعية، ومعرفة متى نقول "لا" عند اللزوم احتراماً لذواتنا وحباً لها.

إذا نظرنا إلى مجتمعاتنا، اليوم، سنلاحظ انسحاباً جماعياً وهادئاً، وأحياناً احتفالياً، من كل محاولات تذويب "الأنا" الفردانية داخل "النحن" الاجتماعية، والمسألة لم تعد لعبة ضمائر منفصلة ومتصلة ولا تمريناً لغوياً حديثاً، إنها بنية كاملة تعيد ترتيب الحياة نفسها من معنى الجماعة والتضامن إلى مشروع الفرد والسيرة الذاتية.

 

مجتمع "الأنا"

يلتقط الفيلسوف الكوري المعاصر بيونغ-تشول هان هذا التحول بدقة في كتابه The Burnout Society الصادر عام 2015، ويعتبر أننا انتقلنا من مجتمع "المنع" إلى مجتمع "الإيجابية"، إذ لم يعد أحد يقمعك من الخارج، لأنك وباسم الحرية تقوم بالمهمة بنفسك. "الأنا" هنا لا تتحرر، لكنها تتحول إلى مشروع إنتاج وسيرة إنجاز وشركة ناشئة تعمل على تحسين نفسها وتسويقها وصولاً للاحتراق.

يصف هان هذا المنطق بأنه استغلال للذات بالذات داخل "مجتمع الإنجاز"، حيث يتحول الضغط إلى عادة، والإرهاق دليل على الجدارة والتقدير. لكن المشكلة ليست في ولادة "الأنا" بحد ذاتها، المشكلة حين تقدم كبديل عدائي عن "النحن"، وليس كحد صحي داخلها. هنا يصير حب الذات سلعة لها وتعليمات استعمال تسوق فكرة "اختر نفسك"، ولكن بالطريقة التي ترضي السوق، أو "ضع حدوداً" ولكن بلا إزعاج. وإذا أردت شعاراً آخر يأتيك "كن أصيلاً" ولكن ضمن قالب قابل للبيع. فحتى العلاقات، بحسب هان، تتعرض للتسليع حين تختزل إلى مؤشرات رقمية (إعجاب ومتابعة...) تشبه المنتجات أكثر مما تشبه الروابط البشرية، فتأتي النتيجة فرداً أكثر "استقلالاً" على الورق، وأكثر وحدة في الواقع، يعيش داخل شاشة، ويقيس قيمته بمقارنات لا تنتهي.

اجتماعياً وثقافياً

اجتماعياً عندما تنكمش "النحن"، نخسر فكرة رومانسية نحبها واعتدنا عليها اسمها الجماعة، كما نخسر آلية عمل المجتمع نفسه. فالناس يشاركون ويجتمعون ويثقون ببعضهم أقل. وتظهر أبحاث عالم السياسة الأميركي روبرت بوتنام حول ما سماه تراجع "رأس المال الاجتماعي"، انخفاض الانتظام في الروابط والأنشطة المدنية، ومعه تتآكل الثقة والتعاون وشعور الانتماء، أي كل ما يجعل "النحن" قابلة للحياة. ومع الوقت، يتحول الفراغ في القاعات إلى فراغ في الثقة، والإحساس بالانتماء، وفي معنى الجماعة، ويصبح المجتمع أقل قدرة على التعاون والبقاء متماسكاً.

 

وتربط مراجعات علمية واسعة الوحدة والعزلة الاجتماعية بارتفاع خطر الوفاة المبكرة، أي إن لتفكك الروابط ثمناً عاطفياً، لكنه يمتد ليجعلنا ندفع ثمناً صحياً أيضاً. وهناك اتجاهات ثقافية تفسر لماذا تبدو "الأنا" كقدر تاريخي في كثير من المجتمعات، إذ تتحدث بيانات World Values Survey عن انتقال من "قيم البقاء" إلى "قيم التعبير عن الذات"، حيث تزداد أهمية الحرية الفردية والاختيار والذاتية. وحتى اللغة التي تعد مؤشراً ثقافياً تلتقط هذا المنحى. ووجدت دراسة واسعة لعالمة النفس الأميركية جان توينغي وزملائها ازدياداً في استخدام كلمات وعبارات فردانية في الكتب الأميركية عبر عقود، في إشارة إلى تصاعد سرديات الذات والتفرد.

"الأنا" من دون ذوبان ولا صد

عندما نكتب عن تفعيل "الأنا" والدعوات إلى حب الذات، لا نحتاج خطابات وردية ولا حتى شيطنة للجماعة. نحتاج تعريفاً واضحاً، فـ"الأنا" التي نريدها ليست بمعنى "أنا ضدكم"، إنما تلك التي لا تذوب فيكم. و"الأنا" الصارمة التي تقول نعم حين تكون الـ"نعم" حياة، وتعرف أن تقول "لا" عند اللزوم. وكذلك الأنا كمسافة صحية تمنع "النحن" من التحول إلى قطيع، وفي الوقت ذاته تمنع "الأنا" من التحول إلى سجن خاص بلا مفاتيح. وفي هذا التوازن بالذات، يعود حب الذات إلى معناه الحقيقي، من دون عبادة انعكاسنا على المرآة، وتعمل على حماية الإنسان من الاستنزاف والذوبان، ومن وهم أن كل شيء يقاس بعداد التصفيقات واللايكات.

"الأنا" ليست المشكلة

في سياق مواز، من المهم معرفة أن تفعيل "الأنا" ليس ترقية للغرور، ولا شهادة حسن سلوك تعلقها الذات على صدرها. هو ببساطة إعادة ضبط العلاقة بين "من أنا؟"، وكيف أختار أن أعيش داخل عالم لا يتوقف عن اختبار الحدود من العائلة والمدرسة والمجتمع والعمل والجماهير الرقمية التي تراقبك وتصفق لك وما تلبث أن تعاقبك إذا خرجت عن النص؟

 

المشكلة ليست في "الأنا" بحد ذاتها، إنما عندما تختزل بصورتين كاريكاتيريتين، واحدة متضخمة تبتلع الآخرين، والثانية "أنا مجروحة" تتنازل كي تقبل. وبين هذين الطرفين تعيش غالبية الناس، وتفتش عن مكان آمن وحب أقل شروطاً، وعن اعتراف لا يشترى بالإرضاء. وهنا تصبح الشعرة الفاصلة بين تفعيل "الأنا" والأنانية دقيقة جداً، فتفعيل "الأنا" يعني حماية الكرامة والقدرة والطاقة كي نستمر بصدق، أما الأنانية فتعني إلغاء الآخر، أو عدم رؤيته أصلاً.

كيف تولد "الأنا"

في حديثها عن مفهوم "الأنا" وعلاقته بالروح والتجربة الإنسانية، شرحت اختصاصية الطاقة والمعالجة بـ"الريكي" ميراي حمال أن "الإنسان، منذ لحظة ولادته، يحمل في داخله بعدين متلازمين هما الروح والأنا، وكل ما يشعر به ويختبره في حياته اليومية يمر عبر هذين المستويين معاً، إلا أن الأنا تبقى الإطار الأساس الذي نعيش من خلاله حياتنا على الأرض بكل ما تحمله من حب وخوف وغضب وخيبات وألم"، وأوضحت أن "الأنا لا تولد مكتملة، بل تتشكل تدريجاً في الطفولة، في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها حاسمة، مثل كيف كبرنا؟ في أي بيئة؟ كيف تم احتضاننا؟ هل كان لدينا شعور بالأمان يسمح لنا بالتعبير عن مشاعرنا بحرية؟ أم إن الحب كان مشروطاً بسلوك معين أو إنجاز محدد؟ فحين يربط القبول بجمل من نوع نحبك إذا نجحت، أو نقبلك إذا تصرفت بهذه الطريقة، تبدأ الأنا بالتشكل على أساس الخوف من الفقد والرفض".

"الأنا" الصحية

وأشارت حمال إلى أن "الأنا تنمو بصورة صحية عندما يكبر الطفل في مساحة آمنة، يسمح له فيها أن يخاف ويغضب ويقلق، ويخطئ من دون أن يسحب منه الحب. أما في البيئات التي يغيب فيها الأمان العاطفي، أو يهيمن فيها الإذلال والقمع، فإن الأنا تنمو إما مجروحة أو متضخمة، وفي الحالتين تكون غير متوازنة. ومع الانتقال إلى المدرسة، ثم المجتمع والجامعة والحياة العامة، تتراكم طبقات إضافية فوق هذه الأنا"، وهنا تابعت حمال "يبدأ الإنسان بمحاولات دائمة للبقاء، كإرضاء الآخرين، والبحث عن القبول، والخوف من الرفض، أو المبالغة في إثبات الذات. وفي المقابل، قد يسلك البعض طريقاً معاكساً تماماً، حيث تتضخم الأنا إلى حد الشعور بأن الشخص هو محور كل شيء، وأن العالم يجب أن يدور حوله". ورأت أن "الأنا السليمة لا تكون متضخمة ولا مهمشة، إنما متوازنة. التوازن يعني أن أعيش مشاعري بوعي، من دون أن تجرني إلى ردود فعل عمياء. لكن هذا التوازن ليس أمراً شائعاً، لأن كل عائلة تحمل جراحها، وكل إنسان يتأثر بالتنشئة والشرطية التتين فرضتا عليه".

 

دور الأهل

وقالت اختصاصية الطاقة والمعالجة بـ"الريكي" "في مراحل لاحقة من الحياة، تظهر هذه الاختلالات في شكل بحث مفرط عن الحب في العمل أو العلاقات أو الشريك، أو في محاولة دائمة لإرضاء الآخرين كي يشعر الإنسان أن له مكاناً، وفي حالات أخرى، تظهر الأنا المتضخمة في شكل استعلاء، أو لا مبالاة بالآخرين، أو تعامل فوقي وغير عادل". وأكدت "أن وعي الأهل وعملهم على جراحهم الخاصة يلعبان دوراً أساساً في كسر هذه الدوائر، فحين لا يعيد الأهل تربية أولادهم بالطريقة نفسها التي جرحوا هم بها، يسهمون في بناء أنا صحية ومتوازنة. أما إذا لم يحدث ذلك، فالحياة نفسها، ستستمر في وضع التجارب والأشخاص والقصص في طريقنا، صعوداً وهبوطاً، إلى أن نصل إلى التوازن"، وأضافت أيضاً "أن لحظة الوعي هي لحظة مفصلية حين يدرك الإنسان أنه مثل جميع البشر، وأن مشاعر الخوف والحزن والغضب والانفعال ليست خطأ، وهي مشاعر إنسانية طبيعية وصالحة، ومع هذا الفهم، تبدأ النرجسية بالانحسار، ويشعر الإنسان بأنه جزء من الكل، لا أعلى ولا أدنى. لكن حتى في البيئات المتوازنة، الأنا تبقى حساسة للإنجاز والكلمات والانتقاد، وهنا، نميز بين رد فعل الأنا ورد فعل الروح، فمعظم انفعالاتنا اليومية هي ردود فعل الأنا، وليس رؤية الروح للأشياء".

 

الرد المتأخر

ولفتت حمال إلى أن كثيراً من العلاقات التي ننجذب إليها في حياتنا تعيد إنتاج أنماط قديمة من الطفولة من دون وعي، "فنلتقي أشخاصاً يعاملوننا بالطريقة نفسها التي جرحنا بها سابقاً، فتستفز الأنا لأنها لم تستطع حينها أن ترد أو تعبر، ومع الوقت، يبدأ الإنسان بإعادة تمثيل المشهد مع الآخرين، في هذا السياق اعتبرت حمال "أن الانتقال من رد الفعل إلى الوعي يبدأ بطرح أسئلة بسيطة وعميقة في آن مثل، ما الدرس، ما الرسالة، لماذا يتكرر هذا النمط؟ عندها، يصبح صوت الأنا أقل حدة، وتصبح ردود الفعل أكثر اتزاناً".

توازن أو عبء؟

وعن السؤال الجوهري إن كانت "الأنا" تشكل قوة توازن أم عبئاً؟ أجابت حمال "أن الأنا هي قوة عندما نفهمها ونعرف كيف نحتويها، لكنها تتحول إلى عبء حين نعيش دائماً من خلالها. عندما يكون الإيغو Ego، أي الأنا، هو الذي يقود الحياة، نرى الغضب حاضراً باستمرار، والعلاقات مختلة، والنظرة إلى الآخرين فوقية. في المقابل، عندما تكون الأنا مجروحة وغير واعية، يصبح كل شيء شخصياً، وكل نقد تهديداً"، وربطت حمال هذا الأمر أيضاً بالانتماءات الدينية والسياسية والطائفية، "إذ يظهر الانفعال المفرط كعلامة على رد فعل الأنا المجروحة التي تشعر بالتهديد، لا على موقف واع. والشفاء الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن الاختلاف لا يعني الإلغاء، وأن كلنا واحد، لكن كل واحد في تجربة وبيئة مختلفة"، وشددت على أن "الأنا ليست عدواً، بل أداة تحتاج إلى فهم. المشكلة ليست في وجود الأنا، بل في أن نقود حياتنا من خلالها من دون وعي. عندما يتحرر الإنسان من التصرف من مكان الأنا المتضخمة أو المجروحة، يصبح أكثر هدوءاً وأكثر اتساعاً وقدرة على العيش بسلام داخلي".

حب الذات والشرطية

في مقاربتها للعلاقة بين حب الذات وتدفق الطاقة في الجسد، شرحت حمال "أن حب الذات لا يختزل بشعارات أو ممارسات سطحية، بل يرتبط مباشرة بقيمة الإنسان لنفسه وبالطريقة التي تعلم فيها أن يرى ذاته منذ الطفولة، والأساس يبنى في السنوات الأولى، حين يكون الطفل محبوباً بصورة غير مشروطة ومسموعاً، ومقبولاً حتى عندما يختلف رأيه عن رأي أهله أو بيئته. في هذه الحالة، يشعر الطفل أن قيمته لا ترتبط بالنجاح أو الفشل، ولا بالاختصاص الذي يختاره أو الشريك الذي يقرر الارتباط به، بل بذاته كما هي. هذا القبول ينعكس مباشرة على الجسد، إذ يسمح للطاقة بأن تتدفق بصورة صحية ومتوازنة، لأن الإنسان لا يعيش في حال دفاع دائم عن نفسه، لكن حين يغيب هذا القبول، يبدأ الخلل، فالإنسان، في هذه الحالة، يصبح مضطراً لبذل مجهود مستمر كي يكون مقبولاً في العمل وفي العلاقات ومع الأصدقاء، وفي المجتمع عموماً، فيرتدي الأقنعة، ويتصرف عكس قناعاته، ويتنازل عن راحته ليرضي الآخرين. هنا، يصبح في صراع دائم بين الأنا والروح، إذ يقوم الشخص بأشياء لا تشبهه ولا تريحه، لكنه يفعلها لأن هذا ما تعلمه، أو لأن هذا ما يجعله مقبولاً اجتماعياً"، وحذرت من "أن هذا التناقض الداخلي لا يبقى نفسياً فحسب، بل يتحول إلى اختناق طاقي حقيقي في الجسد. فتتأثر الشاكرات (نقاط الطاقة) الأساسية، من الجذر إلى القلب والحلق، لأن الإنسان يعيش عكس ما يؤمن، ويكبت ما يريد قوله أو فعله. ومع الوقت، تظهر الإشارات الجسدية: أوجاع في الكتفين، مشكلات في الغدة، توترات مزمنة، وحتى أمراض كبيرة، بخاصة إذا استمر هذا النمط سنوات طويلة".

ثمن التمسك بالقناع

واستدركت حمال "أن الحياة غالباً ما تعيد وضع الإنسان أمام الموقف نفسه بطرق مختلفة، إلى أن يتعلم خلع القناع الذي لبسه منذ الطفولة ليحمي نفسه. فحين لا يواجه نقص حب الذات، ينعكس ذلك على العلاقات، إذ يدخل الإنسان في علاقات من موقع عدم التقدير، كأنه يتسول الحب، يعمل فوق طاقته، يرضي الجميع، يضحي بصحته ووقته، فقط ليشعر أنه محبوب أو مقدر، لكن هذا السلوك، لا يمر من دون ثمن. فمع التراكم، يتحول التعب إلى نقمة، ثم إلى غضب مكبوت، وقد ينفجر في لحظة ما على شكل مشكلات حادة، أو قرارات متسرعة، أو ترك عمل أو علاقة، أو حتى انهيارات نفسية. كثيراً من هذه القرارات تكون دائماً على حساب الشخص نفسه"، فيما أن استعادة حب الذات، تابعت، "تغير مسار القرارات كلياً، فحين يعرف الإنسان قيمته، وما يستحقه، ويتعلم أن يحب نفسه حتى لو لم يحصل على هذا الحب من الخارج، تبدأ قراراته بالخروج من مكان مختلف، من مكان الحب، وليس من مكان الحاجة أو الخوف من الرفض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللا السحرية

وشددت حمال على أهمية القدرة على قول "لا"، معتبرة أن هذه الكلمة بحد ذاتها "جملة كاملة". وأوضحت أن الرفض لا يحتاج دائماً إلى تبرير أو شرح، "والمجتمع يخلط كثيراً بين حب الذات والأنانية، بينما الفرق واضح: الأنانية هي إقصاء الآخرين، أما حب الذات فهو معرفة الحدود واحترامها"، وأعطت أمثلة يومية على ذلك، مثل، الاعتذار عن عمل إضافي بعد الدوام، أو رفض تلبية دعوة عائلية في حال الإرهاق، أو عدم حضور مناسبات تسبب أذى نفسياً أو تنمراً، أو حتى اختيار لباس لا يرضي الآخرين لكنه يرضي الشخص نفسه، وقالت إن المشكلة ليست في الرفض بحد ذاته، بل في الخوف مما سيقوله الآخرون، لأننا "نحن لا نزال نبحث عن القبول".

الاستماع للجسد

وحذرت حمال، أيضاً، من تجاهل إشارات الجسد والجهاز العصبي، موضحة أن الجسد "يحكي دائماً، وعندما لا يسمع، يصرخ بطرق أقسى على طريقة اكتئاب، أو انهيار عصبي، أو انسحاب من الحياة، وأحياناً أمراض خطرة، وهناك أشخاص عاشوا حياتهم كلها غير قادرين على قول لا، بخاصة داخل العائلة أو العمل، إلى أن وصلوا إلى مرحلة الإنهاك الكامل. فحب الذات ليس ترفاً ولا مفهوماً تجميلياً، بل ضرورة صحية ونفسية وطاقية. فكل نعم تقال ضد الذات تستنزف الجسد، وكل لا تقال من مكان صادق تعيد التوازن، والعودة إلى الذات ووضع الحدود وطلب المساعدة عند الحاجة، خطوات أساسية لإعادة تدفق الطاقة والعيش بسلام داخلي حقيقي".

بين حب الذات والأنانية

غالباً ما يساء فهم مفهوم حب الذات ويخلط خطأً بالأنانية، على رغم أن الفارق بينهما جوهري ودقيق في آن معاً. ولفتت حمال إلى "أن حب الذات يبدأ من القدرة على الإصغاء الحقيقي للنفس وللجسد والطاقة والقدرات المالية والجسدية والنفسية والعاطفية، فكل ما يتجاوز هذه القدرات لا يعد حباً للذات، بل اعتداء عليها. والأنانية تظهر حين يغيب الإحساس بالآخرين، وحين يصبح الفرد غير قادر على رؤية ظروف غيره أو احترام حدودهم"، وضربت مثالاً شائعاً من الحياة اليومية، "حين لا يستطيع الابن المشاركة في مناسبة عائلية بسبب التعب أو الضغوط، فيقابل ذلك باللوم والانتقاد واتهامه بالجفاء أو قلة التقدير. هنا، تتحول المشكلة إلى انعكاس مزدوج، طرف غير قادر على وضع حدود صحية، وطرف آخر عاجز عن تقبل هذه الحدود، فيدخل الطرفان في حلقة فعل ورد فعل غير متوازنة". وأكدت "أن احترام الحدود لا يعني قلة حب أو انعدام مسؤولية، إنما هو تعبير صادق عن الوعي بالذات. لا لزيارة، أو لعمل إضافي، أو لمصاريف تفوق القدرة، ليس رفضاً للآخرين بقدر ما هو احترام للنفس. لا أستطيع اليوم، ليست جملة قاسية، بل جملة ناضجة شرط أن تصدر من مكان صادق وآمن، لكن الإشكالية الأكبر تظهر حين يستخدم خطاب حب الذات كقناع روحي للهرب من التعاطف أو المسؤولية الإنسانية"، وهنا استعادت ما شهدناه خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع الحرب على غزة وما تلاها من أزمات في لبنان، "إذ إن بعض الناس، ومنهم عاملون في مجالات العلاج النفسي والطاقة واللايف كوتشينغ (الإرشاد الحياتي)، لجأوا إلى تبرير الانسحاب الكامل من أي تعاطف بحجة حماية الطاقة الشخصية، معتبرين ما يحدث شأناً لا يعنيهم"، وعلقت "هذا ليس حب ذات، إنما أنانية مغطاة بخطاب روحي"، وتابعت "أن حب الذات الحقيقي لا يلغي التعاطف، هو في الواقع ينبع منه، حين أكون ممتلئة بالحب والوعي، أستطيع أن أتعاطف من دون أن أدمر نفسي"، مشددة، في الوقت ذاته، على الفرق بين أن يأخذ الإنسان استراحة واعية من سيل الأخبار، وبين أن يغلق قلبه بالكامل باسم "الطاقة الإيجابية"، فالأولى ضرورة صحية، أما الثانية فهي ما يعرف بالـ Spiritual Bypassing، أي تجاوز الألم الإنساني عبر إنكاره.

الأمهات ضحايا العطاء

ونوهت حمال إلى أن الجسد غالباً ما يتكفل بلفت الانتباه حين يتم تجاهل هذه الإشارات طويلاً، "فالإرهاق المزمن، الاحتراق النفسي والاكتئاب، وحتى بعض الأمراض الجسدية، قد تكون رسائل مباشرة من جهاز عصبي أنهكته التنازلات المستمرة. الجسم في النهاية سيتكلم، إن لم نستمع له طوعاً. هذا النمط يتكرس بصورة خاصة لدى النساء، وخصوصاً الأمهات، اللاتي تربين اجتماعياً على فكرة التضحية المطلقة"، وأعطت مثالاً عن نساء يعطين بلا توقف في العمل والعائلة، إلى أن يصبح العطاء واجباً مفروغاً منه، والأخذ شعوراً بالذنب، "لكن الحياة قائمة على الأخذ والعطاء، كما هي الحال في قوانين الطبيعة نفسها".

في هذا السياق، دعت حمال إلى إعادة تعريف حب الذات بوصفه مسؤولية داخلية وليس أنانية، وقدرة على قول "لا" من دون تبرير، "فالحدود ليست شرحاً مطولاً ولا اعتذاراً دائماً، بل وضوح واحترام للذات وللآخر في آن".

معرفة قيمة أنفسنا

وختمت أن الطريق إلى التوازن ليس سريعاً ولا سهلاً، "بل هو مسار طويل من التفكيك وإعادة التربية الذاتية. مسار نتعلم فيه أن نعامل أنفسنا برأفة، وأن نرى الطفل والمراهق الجريحين في داخلنا، وأن نعيد بناء علاقة صحية مع الذات من دون جلد لها. وعندها فحسب، تتغير علاقاتنا تلقائياً، ويختفي الاستغلال ويقترب منا من يشبه طاقتنا الجديدة. حين نعرف قيمتنا، يعرفها الآخرون أيضاً ويبدأون في تقديرها. حب الذات ليس هرباً من العالم، بل طريقة أنضج للوجود فيه".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات