ملخص
مثلما يربط اتفاق غزة بين وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح كشرط لإعادة الإعمار، يبدو الترابط بين هذه العوامل جميعها أشد وضوحاً في لبنان، بل هو ترابط بدأ بالتبلور منذ ما قبل انتظام "حزب الله" في معركة غزة، وجاء نتيجة لانعدام ثقة المجتمع العربي بالمؤسسة الحاكمة في لبنان ومسؤوليها، واتهامها بالخضوع لسلطة الميليشيات التابعة لإيران، وتحميلها معها المسؤولية عن زج لبنان في محور مُعادٍ للمجموعة العربية، والخليجية خصوصاً، وعن الانهيارات الأمنية والمالية والاقتصادية المتتالية، قبل أن تدفع ثمن الحرب المدمرة وتجعل جزءاً من الأراضي اللبنانية أسيراً في يد الاحتلال مرة أخرى.
تختلف غزة عن لبنان في الجغرافيا وتُلاقيه في التاريخ، وقرب "الطوفان" الذي أثارته حركة "حماس" وحرب "الإسناد" التي بادر "حزب الله" إلى شنها لمصلحتها، المسافات والمصائر بينهما، وجعلا من الوقائع الجديدة الناتجة من الحروب الإسرائيلية المضادة، أساساً لمستقبل قد يتشابه في كثير من تفاصيله.
انتهت معركة غزة إلى اتفاق وضع بنوده الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينص في ما ينص عليه على نزع سلاح الحركة المدعومة من إيران وتنظيمات "الإخوان المسلمين" وإقفال أنفاقها وتبادل الأسرى والجثث معها، ثم تسليم إدارة القطاع إلى مجلس سلام عالمي يترأسه ترمب وتعاونه لجنة إدارية فلسطينية تكنوقراطية، وقوة سلام عربية – إسلامية - دولية تفرض الأمن وتتابع الإشراف على تنفيذ الاتفاق، وتواكب إدخال المساعدات، وصولاً إلى عمليات إعادة الإعمار.
وفي لبنان انتهت حرب "الإسناد" التي انفرد "حزب الله" بشنها خارج قرار الدولة، وعلى نقيض من رأي الغالبية العظمى من المواطنين، أحزاباً وطوائف ومناطق، إلى اتفاق على "وقف الأعمال العدائية" يشبه في مضمونه اتفاق غزة، خصوصاً لجهة نصه على حصر السلاح والتسلح في يد السلطات الشرعية، ونزعه من "حزب الله" والميليشيات المماثلة التي تبني سلطاتها على حساب الدولة.
ومثلما يربط اتفاق غزة بين وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح كشرط لإعادة الإعمار، يبدو الترابط بين هذه العوامل جميعها أشد وضوحاً في لبنان، بل هو ترابط بدأ بالتبلور منذ ما قبل انتظام "حزب الله" في معركة غزة، وجاء نتيجة لانعدام ثقة المجتمع العربي بالمؤسسة الحاكمة في لبنان ومسؤوليها، واتهامها بالخضوع لسلطة الميليشيات التابعة لإيران، وتحميلها معها المسؤولية عن زج لبنان في محور معاد للمجموعة العربية، الخليجية خصوصاً، وعن الانهيارات الأمنية والمالية والاقتصادية المتتالية، قبل أن تدفع ثمن الحرب المدمرة وتجعل جزءاً من الأراضي اللبنانية أسيراً في يد الاحتلال مرة أخرى.
استسلم الحزب أمام حجم الحرب الإسرائيلية وخسائرها، فوقع اتفاقاً قبل عام ونيف معترفاً بفشل معركته الإسنادية ومُنهياً نظرية إيرانية راجت قبل "الطوفان" عن وحدة الساحات بقيادة محور يتزعمه ويديره النظام في طهران. وتأخر رضوخ "حماس" للوقائع الجديدة ما يقارب العام ليجري إعلان الاتفاق في شأن غزة في الـ13 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أشهر من توقيع "حزب الله"، وبعد حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران التي شلت النظام الإيراني وأظهرته عاجزاً أمام احتلال الطيران الإسرائيلي والأميركي لأجوائه. مع إيران لم تقفل الصفحة. أما في الحالتين، لبنان وغزة، فقد عقدت اتفاقات ترك أمر الإشراف على تنفيذها إلى "سلطة أميركية – عربية - دولية" ستتولى، ليس فقط ضمان إزالة اي تهديد مستقبلي مسلح لأمن إسرائيل من خارج حدودها، ولكن أيضاً متابعة دفع السلطات المعنية في القطاع وفي دولة لبنان الكبير، لتتمكن من الإمساك بمسؤولياتها، ومن ثم الانصراف إلى إعادة بناء ما تهدم، والتأسيس لسلام دائم لا يتم خرقه عند أي منعطف.
الفارق بين لبنان وغزة أن هناك في لبنان جهاز دولة قائم يجري الرهان على تحمله مسؤولية وتبعات تنفيذ الاتفاق، بينما لا تتمتع غزة بمثل هذا الامتياز. فالانقسام الفلسطيني على مدى عقدين، وسيطرة "حماس" على القطاع، وحالة الحصار والترهل التي تعيشها السلطة الفلسطينية، ورفض إسرائيل أي دور مستقبلي لها، لا يجعلها قادرة على تأدية دور أساس في مستقبل غزة، وإن كان الإصرار العربي على إشراكها قد يسمح لها بحضور رمزي في مجلس السلام المزمع تشكيله، يمكن تطويره لاحقاً، مع تقدم العملية السلمية، إلى ممارسة كاملة لدورها كمسؤولة عن مستقبل الشعب الفلسطيني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الرهان على دور المؤسسات الشرعية اللبنانية في التمكن من استعادة سيادتها على أرضها وضبط حدودها، يستمر منذ أعوام برعاية مزدوجة. فالمجموعة الخماسية الدولية - العربية تابعت تفاصيل التطورات السياسية اللبنانية منذ الشغور في منصب رئيس الجمهورية مع انتهاء ولاية ميشال عون (31 أكتوبر 2022)، وهي تولت على مدى عامين الدعوة بإلحاح إلى انتخاب رئيس للدولة، وذهبت إلى وضع برنامج ينبغي الالتزام بتنفيذه، بدءاً من تنفيذ القرار 1701 وصولاً إلى الإصلاح الاقتصادي والمالي والعلاقات مع صندوق النقد الدولي، مروراً بالإصلاح القضائي.
ضمت المجموعة من الجانب العربي ممثلي السعودية ومصر وقطر، إضافة إلى أميركا وفرنسا، وقد واظبت على تحركاتها واقتراحاتها واتصالاتها بجميع الأطراف في لبنان بهدف تأمين انتخاب رئيس يحظى بغالبية نيابية وسياسية، إلا أن مساعيها قوبلت قبل حرب غزة بتمسك "حزب الله" بفرض مرشحه، ثم في مرحلة ثانية وبعد انتظامه في الحرب مع إسرائيل، باشتراطه لانتخاب الرئيس وقف تلك الحرب. فشلت المجموعة الخماسية في اختراق "الجدار الإيراني" المحكم، وخرجت نظريات تقول بضم إيران إليها لتصبح سداسية، لكن ذلك بدا مستحيلاً. لم ينفع الإلحاح الأميركي عبر المبعوث آموس هوكشتاين بتنفيذ القرار 1701 كمدخل لتجنب لبنان الضربة الكبرى، ولم تفلح المساومات الفرنسية في إيجاد مخرج، إلى أن فتحت إسرائيل نيرانها الكثيفة ضد الحزب في حرب قضت على قادته وكوادره والمئات من عناصره. في هذه اللحظة وافق "حزب الله" على تنفيذ القرار الدولي المتخذ منذ عام 2006، والتخلي عن سلاحه لمصلحة الدولة في كل المناطق اللبنانية "ابتداءً من جنوب نهر الليطاني". وتضمن الاتفاق بنوداً إضافية ورسائل متبادلة مع الإدارة الأميركية تتيح لإسرائيل ضرب أي تحرك تشتبه بأنه موجه ضدها، أي إن سيفها سيبقى مسلطاً فوق الميليشيات إلى أن تطمئن إلى عدم وجود ما يهددها ويعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023 عشية غزوة "حماس" للمستوطنات المحيطة بغزة.
بات لدى "الخماسية" المهتمة بأوضاع لبنان ذراعها "العسكري" بمقتضى اتفاق وقف الأعمال العدائية. برزت إلى الواجهة لجنة الإشراف الخماسية برئاسة أميركا وعضوية فرنسا إلى جانب لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة، وبقي فاعلو "المجموعة الدولية العربية" في خلفية المشهد يتابعون ما بدأوه وأعلنوا ضرورة تنفيذه منذ البداية، متجسداً في برنامج يتعدى نزع سلاح الميليشيات إلى إعادة بناء الدولة إعماراً واقتصاداً وقضاءً ومؤسسات. إنهم مع لجنة "الميكانيزم" أقرب إلى مجلس سلام غزة وقوته الدولية، مع فارق، هو في استمرار رهانهم على دولة لبنانية قائمة، يفترض أن تنفذ المطلوب منها في مهل غير مفتوحة إلى الأبد.
في غزة كما في لبنان تحاول "حماس" ويحاول "حزب الله" الهرب من موجبات ميزان القوى والنتائج المأسوية للحرب. يعتبران أنهما انتصرا على رغم كل شيء، ويبيعان جمهورهما أوهاماً لا تصمد أمام الوقائع، فلا تسفر، من جهة، سوى عن مزيد من عرقلة استعادة غزة شيئاً من الحياة الطبيعية، ومنع ولوج لبنان طريق الاستقرار والنمو والسيادة بعد اضطرابات دامت نصف قرن، وإعطاء إسرائيل مزيداً من الذرائع للاستمرار في احتلالها واعتداءاتها من جهة أخرى.
في الشروط القائمة، الدولية والعربية والإقليمية، لا يبدو أن اللعبة هذه يمكن أن تحيا طويلاً، فخطة غزة التي يقودها ترمب هي التي ستحدد مصير القطاع حتى إشعار آخر، وأي تردد في المسار اللبناني قد يدفع الأمور في لبنان نحو خطة مماثلة، عناصرها متوافرة في لجنة الإشراف الأمني والمجموعة الخماسية، التي يمكن في لحظة ما أن تتحول إلى "مجلس سلام" خاص بلبنان على شاكلة غزة ومجلسها.