ملخص
في الوقت الراهن، لم يتبق بيد السلطة وحكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لاحتواء أزمة الأسواق سوى أدوات لا تتعلق بضبط الأسعار وحسب، بل تشمل قطع الإنترنت وتقييد قنوات تدفق المعلومات والقمع الدموي للاحتجاجات.
كانت تعاميم البنك المركزي الإيراني، وما رافقها من تأكيد نهائي على قرار إلغاء العملة التفضيلية، بالتزامن مع مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، كافية لإطلاق موجة جديدة من الاضطرابات في الأسواق المالية، وذلك عقب رفع أسعار البنزين.
وسرعان ما خرجت هذه الموجة عن سيطرة صانعي السياسات، لتتجلى في قفزة حادة بأسعار الصرف، واحتقان في أسواق السلع الأساسية، وتصاعد حال عدم الاستقرار الاجتماعي.
وتجاوز سعر صرف الدولار الأميركي الواحد حاجز 145 ألف تومان شكل أحد أبرز مظاهر هذه "التسونامي" الاقتصادية، التي انتهت باندلاع احتجاجات شعبية واسعة النطاق، أعقبها أعنف حملة قمع دموي للمتظاهرين في تاريخ إيران المعاصر.
برزت المؤشرات الأولى لهذه الصدمة قبل أشهر من حلول يناير الجاري، ففي سبتمبر (أيلول) 2025، نقلت وسائل الإعلام، استناداً إلى تعميم صادر عن البنك المركزي يقضي برفع سعر تسعير العملة بنسبة 30 في المئة لاعتمادها في احتساب السعر الأساس في بورصة السلع، أن هذا القرار يمثل بداية عملية إلغاء السعر الرسمي للعملة.
وحذر محللون اقتصاديون آنذاك من أن هذا التغيير، حتى وإن جرى تطبيقه تدريجياً، سيستهدف بشكل مباشر أسعار السلع الأساسية وكلفة معيشة الأسر، إلا أن هذه التحذيرات لم تلق الاهتمام الكافي في ذلك الوقت.
النشر المتزامن لرسالتين رسميتين صادرتين عن البنك المركزي ووزارة الجهاد الزراعي، واللتين أشارتا إلى تقليص قائمة السلع المشمولة بسعر الصرف البالغ 28500 تومان، لم يترك عملياً مجالاً للشك في أن الحكومة شرعت في مسار الإلغاء التدريجي للعملة التفضيلية.
وبرأي كثير من الخبراء، يعكس هذا الإجراء انتقال الحكومة من سياسات التثبيت قصيرة الأجل إلى مرحلة جديدة من الإصلاحات في سياسة الصرف، وهي إصلاحات أظهرت التجارب السابقة أنها، في حال لم ترفق بحزم دعم فعالة ومتزامنة، ستفضي إلى تفاقم التضخم وزيادة الضغوط على الشرائح ذات الدخل المنخفض.
إلغاء العملة التفضيلية في خضم العقوبات وصدمة الوقود
ما جعل قرار إلغاء العملة التفضيلية في هذه المرحلة أكثر خطورة من ذي قبل هو تزامنه مع تشديد الضغوط العقابية ورفع أسعار الوقود وإلغاء دعم استيراد مدخلات الثروة الحيوانية والمنتجات البيطرية والسلع الأساسية والأدوية. وحولت هذه العوامل مجتمعة ما أطلق عليه "الجراحة الاقتصادية" الحكومية إلى قنبلة موقوتة، انفجرت في وقت أبكر مما قدره كثير من الخبراء.
وشدد منتقدو سياسة توحيد سعر الصرف على أن فرض صدمة تضخمية جديدة في قطاع السلع الأساس، في ظل التراجع الحاد في قدرة المجتمع على التحمل الاقتصادي، سيؤدي حتماً إلى احتقان اجتماعي.
طرحت هذه التحذيرات في عام أطلقت عليه السلطات تسمية "عام كبح التضخم"، وفي وقت كانت البلاد تستعد لانتخابات المجالس المحلية، ومع ذلك، فضل صانعو القرار المضي في المسار عالي الأخطار لإلغاء العملة التفضيلية، من دون توافق خبراء ومن دون ترتيبات دعم كافية.
ومع الإعلان الرسمي الصادر عن البنك المركزي في شأن توحيد سعر الصرف، لا سيما في قطاع السلع الأساسية في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2025، أظهرت المؤشرات أن هذا القرار يأتي امتداداً للمسار نفسه الذي بدأته حكومة إبراهيم رئيسي بإلغاء سعر الصرف البالغ 4200 تومان في مطلع ولايتها، وهو مسار لا تزال آثاره التضخمية حاضرة في الذاكرة الاقتصادية للمجتمع.
وفي هذا السياق، قال الرئيس مسعود بزشكيان، إن الهدف من هذه السياسة هو إقصاء الوسطاء ونقل فارق سعر الصرف إلى موائد المواطنين، وهي مزاعم ووجهت عملياً بتشكيك واسع في ظل القفزات السعرية التي طاولت سلعاً مثل الرز ومنتجات الألبان والبيض والخبز والزيوت والدواجن.
سجال الروايات: وعود كبح التضخم وواقع السوق
في الوقت الذي أصر فيه مؤيدو إلغاء العملة التفضيلية على أن حذف سعر الصرف البالغ 28500 تومان لن يترك أثراً ملموساً على أسعار السلع الأساسية، قدمت الوقائع الميدانية وتصريحات العاملين في قطاعات الإنتاج صورة مغايرة.
في سبتمبر 2025، حذر رئيس المجلس الأعلى للثروة الحيوانية في البلاد، منصور بوريان، من الاعتماد الكبير لقطاعات تربية المواشي والدواجن على العملة التفضيلية، قائلاً إنه عندما يجرى تأمين الأدوية والمدخلات بسعر الصرف الحر، يصبح ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن أمراً لا مفر منه.
ورأى عدد كبير من محللي السوق أن تثبيت سعر الصرف للسلع الأساسية يمثل استمراراً لسياسة خاطئة لا تنسجم مع واقع الاقتصاد الإيراني الخاضع للعقوبات، ولا تتوافق مع الأهداف المعلنة لإصلاح هيكل سعر الصرف.
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن إلغاء العملة التفضيلية في الظرف الراهن سيدفع الاقتصاد الإيراني إلى مسار مرتفع الكلفة، ستنعكس آثاره سريعاً على معيشة الأسر وعلى الاستقرار الاجتماعي.
وفي دفاعها عن هذه السياسة، طرحت الحكومة الإيرانية صرف قسائم إلكترونية لشراء السلع كأداة تعويضية، غير أن منتقدين أكدوا أن توحيد سعر الصرف في هذا التوقيت يعني عملياً تضاعف الأسعار مرات عدة، وهو ارتفاع لا تستطيع أي من أدوات الدعم المعلنة تغطيته بالكامل. وعلى أرض الواقع، أدى الإلغاء المفاجئ للعملة التفضيلية من دون تحديد آليات دعم جديدة إلى تفويت فرص الإصلاح التدريجي للبنية الاقتصادية.
تكرار تجربة باهظة الكلفة
في خضم تلك التطورات، ذكر كثير من الاقتصاديين بأن الأسواق المالية، لا سيما أسواق السلع الأساسية، لا يمكن ضبطها بالأوامر والتعاميم، وأن الصدمات السعرية في هذا القطاع سرعان ما تنتقل إلى بقية مفاصل الاقتصاد. وجاءت نتائج هذا المسار لتؤكد التحذيرات التي أطلقت سابقاً بشأن الآثار التضخمية المترتبة على إلغاء العملة التفضيلية.
وفي هذا السياق، يقول الاقتصادي، مرتضى أفقي إنه "كما جرى الترويج عند إلغاء سعر الصرف البالغ 4200 تومان على أن بضعة سلع فقط ستتأثر، فإن إلغاء سعر الصرف البالغ 28500 تومان سيحدث صدمة جديدة في الأسعار. فالحكومة، على رغم مشاهدتها النتائج الكارثية لسياسات مماثلة، لا تزال تكرر النهج الخاطئ نفسه".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويظهر استعراض تاريخ سياسات سعر الصرف في إيران أن النزوع إلى نظام تعدد أسعار الصرف يعود، في جوهره، إلى اعتبارات سياسية أكثر منه إلى أسس اقتصادية. وعلى رغم تأكيد الاقتصاديين منذ أعوام على مزايا توحيد سعر الصرف في تعزيز الشفافية وتقليص الريع، فإن التجربة أثبتت أن تطبيق هذه السياسة من دون استكمال المتطلبات المؤسسية، وفي ظل العقوبات، يؤدي إلى صدمات تضخمية حادة.
فجوة الوعد والواقع المعيشي
في الأيام التي سبقت اندلاع الاحتجاجات، أعلن مسؤولون حكوميون مراراً نيتهم الانتقال من دعم حلقات الإنتاج الأولى إلى دعم المستهلك بشكل مباشر، غير أن ناشطين نقابيين ومنتجين اعتبروا هذا التوجه بمثابة تجاهل لجذور المشكلة وتمهيداً لمزيد من عدم الاستقرار.
وأعلن رئيس جمعية صناعات الزيوت النباتية في إيران أن أسعار الزيوت ارتفعت بأكثر من 200 في المئة عقب إلغاء العملة التفضيلية، وهو ما ينسجم مع واقع السوق، إذ بلغ سعر عبوة الزيت سعة ليتر ونصف نحو 600 ألف تومان (4.3 دولار). وفي ظل تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة حاجز 140 ألف تومان، باتت الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع المعيشي للمواطنين أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
يرى ناشطون في قطاع الثروة الحيوانية أنه إن كان من الممكن ضبط أسعار اللحوم على المدى القصير بفعل زيادة المعروض، فإن ذبح الإناث المنتجة ونقص رأس المال التشغيلي سيقودان في المستقبل القريب إلى قفزات حادة في الأسعار، في تحذير عد بمثابة ناقوس خطر يهدد الأمن الغذائي للبلاد، وقد تحققت زيادات أسعار اللحوم في إيران قبل الموعد الذي جرى التعهد به رسمياً.
وبصورة عامة، فإن إلغاء سعر الصرف البالغ 28500 تومان، على رغم قابليته للدفاع عنه نظرياً من زاوية مكافحة الريع وإصلاح هيكل سعر الصرف، إلا أن تطبيقه من دون سياسات دعم فعالة، ومن دون توافق خبراء، وفي ظل تصاعد العقوبات وحال عدم الاستقرار السياسي، أدى إلى تكرار تجربة باهظة الكلفة.
وتظهر هذه التجربة، التي سبق اختبارها مع إلغاء سعر الصرف البالغ 4200 تومان، مرة أخرى أن الإصلاحات الاقتصادية التي تتجاهل الوقائع الاجتماعية والمؤسسية لا تفضي إلى تحسين الأوضاع، بل تحمل كلفتها مباشرة للأسر ذات الدخل المحدود والطبقة الوسطى.
وفي الوقت الراهن، لم يتبق بيد السلطة وحكومة الرئيس مسعود بزشكيان، لاحتواء أزمة الأسواق سوى أدوات لا تتعلق بضبط الأسعار وحسب، بل تشمل قطع الإنترنت وتقييد قنوات تدفق المعلومات والقمع الدموي للاحتجاجات. فقد تحولت عمليات قتل آلاف المواطنين والاعتقالات الواسعة للمتظاهرين وصياغة روايات أمنية بوسوم من قبيل "مثيري الشغب" و"عملاء أجانب" و"مخترقين"، إلى الأدوات الرئيسية التي تعتمدها الدولة للسيطرة على الاحتجاجات الناجمة عن انهيار الأوضاع المعيشية.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"