ملخص
يجدر التساؤل عما يمكن أن تقدمه موسكو لإيران، أو بالأحرى كيف يفكر الكرملين في الاستفادة مما يجري في طهران، فعندما أمطرت القوات الأميركية والإسرائيلية المنشآت النووية الإيرانية بالصواريخ الصيف الماضي، التزمت روسيا مقعد المتفرج، كما كانت حالها حين اخترقت طائرات أميركية الأجواء الفنزويلية وخطفت قوات أميركية خاصة حليفها في كاراكاس.
مع تصاعد الاضطرابات المدنية في الداخل والتحشيد العسكري واللفظي أميركياً وإسرائيلياً، تتزايد التهديدات المحيطة بالنظام الإيراني الذي يواجه منذ شهر تقريباً غضباً واحتجاجات شعبية تطالب بإنهاء دولة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وفي الزاوية الشمالية بالأعلى يجلس حليفه الأقرب في موسكو يراقب من بعد ما ستؤول إليه الأمور.
فقائد القيادة المركزية للجيش الأميركي براد كوبر غادر لتوه إسرائيل بعد اجتماع مع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير ناقشا خلاله التنسيق الدفاعي والتشاور والتواصل قبل وخلال ضربة أميركية متوقعة ضد النظام الإيراني، وفي الأثناء أعلن الطرفان عن مناورات استعدادية لأيام عدة في المنطقة لإثبات القدرة على نشر وتوزيع ودعم القوة الجوية القتالية.
ووفق ما هو مُعلن، فإنه استعداداً للمناورات تم تحريك حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن وثلاث مدمرات تابعة لها إلى بحر العرب، كذلك أعلنت وزارة الدفاع البريطانية الخميس الماضي، عن نشر سرب من الطائرات المقاتلة إلى قاعدة قطرية، وبصراحة لا لبس فيها، يتحدث كثر داخل أروقة القرار الأميركية عن ضرورة تغيير النظام في إيران، ناهيك بالرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يكرر تهديداته للنظام الإيراني، بينما يواجه ضغوطاً داخلية تدفعه إلى التدخل من أجل إسقاط نظام استبدادي يحكم منذ أكثر من أربعة عقود.
صمت روسي ودعم تكنولوجي
أمام هذه التطورات المتلاحقة لم تبد روسيا موقفاً قوياً يمكن لطهران الاعتماد عليه، بل التزمت الصمت طويلاً قبل أن تعرب في مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، عن رفضها التدخل الخارجي في السياسة الداخلية لإيران، إذ أدانت الخارجية الروسية على لسان متحدثتها "التدخل الخارجي التخريبي في العمليات السياسية الداخلية لإيران"، وحذرت من العواقب الوخيمة على الوضع في الشرق الأوسط والأمن الدولي العالمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجدد الكرملين تحذيراته أمس الإثنين، محذراً على لسان المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف من أن "أي هجوم على (إيران) سيكون بلا أدنى شك خطوة أخرى من شأنها أن تزعزع استقرار الوضع في المنطقة بصورة خطرة"، وأشار إلى أن موسكو تواصل بذل جهودها للمساعدة في خفض حدة التوتر، مضيفاً "بالطبع، في هذه الحال نتوقع ضبط النفس من جميع الأطراف المعنية، والالتزام التام المفاوضات السلمية".
وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن روسيا وفرت الدعم التقني والتكنولوجي للنظام الإيراني خلال الاحتجاجات لقطع الإنترنت بالكامل في وقت سابق من الشهر الجاري، من خلال التشويش على الإشارات التي وفرها نظام ستارلينك، المملوك للملياردير الأميركي إيلون ماسك.
فبينما وردت تقارير عن مقتل آلاف المحتجين في المدن الإيرانية، وسط انقطاع خدمة الإنترنت الأرضي، ومن ثم عرقلة توثيق عنف الدولة ضد المحتجين ومنح القوى الأمنية أفضلية عملياتية خلال حملة قمع على مستوى البلاد، أعلن ماسك توفير الإنترنت الفضائي عبر منظومة ستارلينك، لكن سرعان ما تمكن النظام الإيراني من تعطيل الخدمة التي تُبث عبر الأقمار الاصطناعية، وهو ما أوضح تقرير لوكالة "أغينستفو نوفوستي" أنه استند إلى بنية للتحكم في الشبكات تم تطويرها بمساعدة روسيا.
التقنية التي تسمى "الفحص العميق لحزم البيانات- DPI" أتاحت للسلطات الإيرانية تجاوز مجرد حجب المواقع الإلكترونية من خلال تقييد حركة البيانات للتطبيقات وشبكات الـVPNوتطبيقات المراسلة، فضلاً عن الحد الانتقائي من الوصول إلى المنصات المستخدمة في تنسيق الاحتجاجات.
خسارة حليف آخر
من المؤكد أن روسيا لا تريد أن تخسر حليفاً آخر بعد سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ومن قبله الرئيس السوري بشار الأسد، فاحتمال سقوط حليف آخر ربما يشكل ضربة لمصالح موسكو، لا سيما أن طهران تمثل شريكاً استراتيجياً وعسكرياً وتجارياً رئيساً لروسيا في الشرق الأوسط، بل تُعد إيران حليفاً أكثر أهمية لروسيا من فنزويلا، لذا كان متوقعاً، وفق مراقبين، موقف أقوى من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فطهران كانت مورداً رئيساً للطائرات المسيرة البعيدة المدى والصواريخ التي تستخدمها روسيا في حربها على أوكرانيا، كذلك فإنها تقع في منطقة أكثر أهمية للمصالح والأمن الروسيين مقارنة بكاراكاس.
ووفق المتخصص في استشارات الأخطار السياسية، ماكس هيس فإن موسكو "ترى أن احتمال خسارة إيران يمثل خطراً أكبر بكثير على وضعها الإقليمي ومكانتها الوطنية مما كان عليه فقدان سوريا أو فنزويلا، أو حتى تراجع نفوذها في أرمينيا خلال الأعوام الأخيرة"، مضيفاً في تعليقات لشبكة "سي أن بي سي" الأميركية أن "إيران تُعد قوة إقليمية قادرة على فرض نفوذها خارج حدودها، مما يمنح روسيا منصة لبناء تحالفات وتوسيع نفوذها".
أوكرانيا أكثر أهمية
لكن يجدر التساؤل عما يمكن أن تقدمه موسكو لإيران، أو بالأحرى كيف يفكر الكرملين في الاستفادة مما يجري في طهران، فعندما أمطرت القوات الأميركية والإسرائيلية المنشآت النووية الإيرانية بالصواريخ الصيف الماضي، التزمت روسيا مقعد المتفرج، كما كانت حالها حين اخترقت طائرات أميركية الأجواء الفنزويلية وخطفت قوات أميركية خاصة حليفها في كاراكاس.
يمكن التنبؤ بموقف روسيا أو تفسير تقاعسها السابق عن دعم حلفائها في فنزويلا وإيران من زاوية حرب أوكرانيا ورغبتها في تجنيب المصالح الروسية أي مخاطرة من شأنها أن تدخلها في صراع مباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيشير الكاتب الأميركي مارك تشامبيون في مقاله بشبكة "بلومبيرغ" إلى حديث مصادر مقربة من الكرملين في هذا الصدد، لافتين إلى أن فنزويلا لم تكن ببساطة مهمة بما يكفي للدفاع عنها، نظراً إلى ما يراه بوتين من رهانات أكبر في علاقة روسيا بالولايات المتحدة، وقد ينطبق الأمر ذاته على إيران، أما استيلاء أميركا على غرينلاند، فمن المرجح أن يدمر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو مكسب صافٍ لبوتين لم يكن ليحلم به قبل عام.
فمن المنطقي أن يلتزم بوتين الصمت حيال مغامرات ترمب إذا كان يعتقد بإمكان التوصل إلى صفقة مرضية مع الولايات المتحدة تُنهي الحرب في أوكرانيا وتُجبر بموجبها كييف على التنازل عن الأراضي التي احتلتها روسيا، وفي الوقت نفسه تمنحها نفوذاً خاصاً في أوروبا الشرقية، كذلك فإن الرئيس الروسي ليس بوسعه فعل شيء، لأنه بحسب شامبيون، فإن قدرته على التحرك عالمياً ستظل مستنزفة ما دام مستمراً في غزو أوكرانيا، ومادورو وخامنئي ليسا سوى أحدث الحلفاء الذين خذلهم بوتين، ففي عام 2015 استطاع إرسال قواته لإنقاذ الرئيس بشار الأسد من هزيمة وشيكة في سوريا، أما في عام 2024 عندما واجه الأسد التهديد ذاته فلم يستطع بوتين سوى سحب ما تبقى من الطائرات والجنود الروس من البلاد.