ملخص
هل صحيح أن الرسام النهضوي الإيطالي الكبير ساندرو بوتيتشيللي قد أنهى سنوات حياته في أحضان الفكر الإرهابي الأصولي المتطرف، بين مريدي الداعية سافونا رولا؟
حتى وإن كنا نعرف، وهو أمر سنعود إليه لاحقاً في كلامنا هذا، أن الرسام النهضوي الإيطالي الكبير ساندرو بوتيتشيللي قد أنهى سنوات حياته في أحضان الفكر الإرهابي الأصولي المتطرف، بين مريدي الداعية سافونا رولا، فإن الأساس في الحديث عن هذا المبدع يبقى ذا علاقة باعتباره كفنان بل حتى كمفكر، من أنصار الأفلاطونية الجديدة، تحت رعاية أسرة مديتشي الحاكمة في فلورنسا بفضل ثرائها الكبير الذي حققته في الأعمال المصرفية ومكنها من أن تنتقل من سلطة المال والحكم إلى سلطة الرعاية الفنية.
فالحال أن نموذج العلاقة بين بوتيتشيللي وآل مديتشي يعبر أكثر ما يعبر، عن حكام رأوا في الفن مجالاً لاهتمامهم وعن فنانين وجدوا في رعاية سراة القوم مجالاً يمكنهم من تحقيق أحلامهم الفنية، وغالباً في ذلك الحين دون تنازلات تذكر.
والحقيقة أن عمق تلك العلاقة واستقرارها قبل أن يعيش طرفها المبدع سنوات التصاق بالإرهاب، يدفعنا إلى الانطلاق في حديثنا هنا من بدايات تلك العلاقة وتأثيرها في السلطة السياسية والإبداع الفني وحرية الفكر في آن معاً.
ابن روحي لمدينة
والحقيقة أن ليس في إمكاننا فهم تجربة ساندرو بوتيتشيللي الفنية خارج السياق الفلورنسي الذي صنعته أسرة في القرن الـ15. فبوتيتشيللي لم يكن مجرد رسام يعمل في بلاط ذي نفوذ، بل كان ابناً روحياً لمدينة تحولت فيها السلطة من السيف إلى الثقافة، وفي الأقل كما نستنتج من كتاب جورجيو فازاري الشهير حول حياة مبدعي عصر النهضة في إيطاليا.
لقد انتقلت فلورنسا إذاً، من الحكم المباشر إلى الرعاية الفنية الطوعية، ما يمكننا من القول إن علاقة بوتيتشيللي بمديتشي لم تكن علاقة تبعية صرفة، بل علاقة تواطؤ جمالي وفكري التقت فيها طموحات الفنان مع مشروع أسرة أرادت يوماً أن تحكم فلورنسا عبر الجمال والرمز.
ولقد ظهرت موهبة بوتيتشيللي في زمن كانت فيه فلورنسا تعيش ذروة ازدهارها الاقتصادي والفكري في وقت واحد. فآل مديتشي الذين راكموا ثرواتهم في أعمال المصارف أدركوا مبكراً أن الشرعية لا تشترى بالقوة وحدها، بل هي تصاغ عبر الفنون والآداب أيضاً. وهكذا صار الرسامون والنحاتون والشعراء، أدوات ضرورية لصناعة صورة مثالية عن المدينة كما عن أسرتها الحاكمة.
وفي هذا المناخ بالتحديد وجد بوتيتشيللي مكانه الطبيعي. ولقد توطدت علاقة الرسام خصوصاً مع لورنزو دي مديتشي (الملقب بـ"العظيم") الذي مثل ذروة المزج الخلاق بين السلطة والثقافة. وكان لورنزو نفسه شاعراً ومثقفاً آثر أن يحيط نفسه وبلاطه بفلاسفة الأفلاطونية الجديدة المتنوعة على رأسها مارسيلو فيتشينو وأنجلو بوليتسيانو.
ومن الواضح أن تلك الدائرة الفكرية قد تركت تأثيراتها البالغة على فن بوتيتشيللي الذي راح يميل إلى الموضوعات الأسطورية والتاريخية والرمزية بعدما كان قد اكتفى أول الأمر بالموضوعات الدينية التقليدية وبالرسم لحساب الكنائس والأديرة.
احتفال بالجمال الأنثوي
وفي هذا السياق، من المؤكد أن ليس في مقدورنا أن نفصل لوحتي بوتيتشيللي الأشهر "الربيع" و"مولد فينوس" عن هذا السياق المتعلق بآل مديتشي. فهما ليستا، كما قد يخيل إلى البعض، مجرد احتفاء بالجمال الأنثوي أو بالميثولوجيا القديمة، بل تصور بصري للفلسفة الأفلاطونية الجديدة التي كانت أسرة مديتشي ترعاها، حيث يضحى الجمال طريقاً إلى الفضيلة، والحب الجسدي انعكاساً للحب الروحي. فالفن هنا في نهاية المطاف إنما يضع نفسه كتعبير عن رؤية سياسية ناعمة في خدمة فلورنسا بوصفها مدينة متناغمة، تقودها نخبة مستنيرة.
ومن المؤكد أن بوتيتشيللي لم يكن يرسم آل مديتشي بوصفهم حكاماً مباشرين للمدينة، بل بوصفهم رعاة مسؤولين عن الانتظام والانسجام فيها. وحتى حين ظهرت شخصيات من الأسرة في لوحات ذات طابع ديني، من إنتاج بوتيتشيللي، كما الحال في لوحة "سجود المجوس"، فإن حضور تلك الشخصيات يأتي متخفياً داخل السرد المقدس ضمن إطار تماه بالغ الذكاء والفعالية بالتالي، بين التاريخ المقدس والتاريخ العائلي. وهنا تتجلى براعة العلاقة إذ إن الفنان لا يمجد السلطة بصورة صريحة، بل يذيبها داخل مشهد كوني يمنحها شرعية أخلاقية وروحية.
ومن الواضح أن هذا التوظيف الرمزي للرسم، ينسجم تماماً مع السياسات التي كان الحكام من آل مديتشي يتبعونها هم الذين فضلوا أن يحكموا فلورنسا من خلف الستار، من دون ألقاب رسمية معتمدين على شبكة من الرموز الثقافية التي تجعل وجودهم يبدو طبيعياً بل حتى ضرورياً. ولم يكن بوتيتشيللي سوى واحد من أهم صانعي هذه اللغة البصرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في حضن الإرهاب؟
ومع ذلك فإن العلاقة بين الفنان والسلطة لم تبق ثابتة، بعد وفاة لورينزو العظيم وسقط نفوذ أسرته ولو بصورة موقتة حيث دخلت فلورنسا مرحلة اضطرابات إرهابية أصولية قادها الراهب المتشدد جيرولامو سافونا رولا. فهنا راح بوتيتشيللي يبتعد عن الروحية "الوثنية" التفاؤلية التي ميزت أعماله السابقة واتجه نحو فن أكثر كآبة وتقشفاً بل بؤساً.
وفي هذا الصدد يقال عادة إن الفنان قد تأثر بخطاب سافونا رولا المعادي للبذخ وفرح الحياة. بل ربما يكون بوتيتشيللي قد وصل إلى حد المشاركة في "محرقة الغرور" التي كان قوامها الأساس إحراق مئات الأعمال الفنية والكتب والمخطوطات.
وسواء كانت هذه الرواية صحيحة أو لم تكن، فمن المؤكد أن ثمة تغيراً كبيراً طاول فن بوتيتشيللي: فلقد اختفت فينوس لتحل محلها رؤى نهاية العالم الكابوسية كما في لوحة "صوفية الميلاد" وهو تحول يكشف على أية حال، هشاشة عضوية في العلاقة بين الفن والسلطة، حيث ما أن يتبدل مركز السلطة حتى يتبدل مزاج الفن وربما بصورة جذرية.
ففي نهاية المطاف، لم يعد آل مديتشي في أواخر حياة بوتيتشيللي كما كانوا عند بداياته. لقد عادوا حقاً إلى الحكم لكن الروحية تغيرت بل إن النهضة نفسها كانت قد بدأت تفقد بريقها. أما بوتيتشيللي الذي صنع للأسرة مجدها الرمزي، فإنه وجد نفسه الآن مهمشاً أمام صعود فنانين جدد من أمثال ليوناردو وميكائيل أنجلو ورافائيل. ومن ثم فإن العلاقة التي كانت قد وفرت له الأمان والدعم في شبابه لم تعد قادرة على إخراجه من غياهب النسيان.
ومع ذلك فإن إرثه ظل مرتبطاً إلى الأبد باسم آل مديتشي الذين من دون رعايتهم السابقة لم يكن ليمكنه أن يرسم فينوس عارية في قلب مدينة مسيحية. كما أنه من دونه لم يكن لأسرة مديتشي أن تجد الصورة الجمالية التي خلدت سلطتها في الذاكرة الإبداعية الأوروبية.