Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السلطة أغرت أفلاطون فأوصلته إلى "الملك الفيلسوف" وحولته عبدا

نموذج مبكر للمثقفين الذين رأوا في ذواتهم تجلياً للعقل والحكمة في تسيير شؤون الناس

أفلاطون خاض رحلة البحث عن الملك الفيلسوف (غيتي)

ملخص

الحقيقة أن واحداً من أكثر المقاطع دلالة في رواية بلوتارخ هنا هو ذاك الذي يحدثنا عن قرار ديونيسيوس بيع أفلاطون عبداً، أو في الأقل التفكير في التخلص منه عبر النفي والإهانة العملية. وهذه الحادثة، سواء كانت دقيقة تاريخياً أم لا، تحمل قيمة ودلالة رمزية واضحة: حين تعجز السلطة عن دحض فكرة لا تروقها، تلجأ إلى إذلال حاملها ومعاقبة المنادي بها.

ربما يكون الكتاب الذي أصدره المفكر المغربي محمد عابد الجابري حول "المثقفين والسلطة" في مرحلة متأخرة من حياته، واحداً من أهم الكتب التي عرفت كيف تعالج موضوعاً بالغ الأهمية في مجال التعبير السياسي، وتحديداً الموضوع الذي يدور من حول ما يدفع المثقفين وبخاصة الفلاسفة منهم، إلى السعي للعب دور في السلطة القائمة وصولاً إلى دور الملك، كما في التعبير الأفلاطوني عن "الملك الفيلسوف" وتفرعاته العديدة التي منها دور "الولي الفقيه" الذي يكثر تداوله منذ نحو نصف قرن في مضمار السياسات الإسلامية، من دون أن يكون له من الدين أي نصيب في حقيقة أمره.

والحال أن من يقارن بين التعبير الأفلاطوني عن تلك الوظيفة التي يفترضها المثقف في نفسه، والموقع الذي يحتله الولي الفقيه في سياسات إيران الخمينية المعاصرة، يستنتج بسرعة أن التعبير الفقهي هذا ليس متأتياً من أية نظرية دينية، بل من النصوص الأفلاطونية، وتحديداً كما تناولها المفكر المغربي الجابري بعدما نقلها إلى الفضاء العربي متناولاً فيها أفكار مثقفين كابن خلدون وابن حنبل وابن رشد وغيرهم.

ومن اللافت أن الجابري بالكاد يشير إلى أفلاطون في نصه، ناهيك بأنه يميل إلى "لوم" المثقفين على تلك التطلعات، حتى وإن وقف إلى جانبهم محتجاً على المحن التي يتعرضون لها. والحقيقة أن هذا كله ليس لب موضوعنا هنا، بل لبه حكاية أفلاطون مع السلطة والمنبع الذي منه استقى فكرته حول الملك الفيلسوف.

وهو ما يدور أساساً من حول اللقاء بين أفلاطون وديونيسيوس الصقلي، الذي أدى من ناحية وكما تقول الحكاية إلى وقوع الواقعة بين الاثنين، وأدى من الناحية الأخرى أيضاً، إلى كتابة أفلاطون تلك "الرسالة السابعة" التي تحكي الحكاية كلها وارتكز عليها بلوتارخ في الفصل الذي كرسه لأفلاطون في كتابه "السير" الذي سنعتمده مرجعية لنا هنا على خطى المؤرخين والكتاب الذين سبقونا في ذلك.

صدام بنيوي

ويعد اللقاء الذي يرويه بلوتارخ في ما يروي عن حياة الفيلسوف المؤسس، واحداً من أكثر المشاهد كثافة في تاريخ العلاقة الملتبسة بين الفلسفة والسلطة. فبلوتارخ لا يقدم هذا الكتاب في سيره بوصفه حادثة عرضية، بل كتمثل درامي لصدام بنيوي بين خطاب الحكمة وممارسة الحكم. بين مثالية المدينة الفاضلة كما يتصورها الفيلسوف، وواقع حكم الطغيان كما يمارسه الحاكم. وبحسب رواية المؤرخ الروماني، وصل أفلاطون إلى سيراكوسا بدعوة من ديون صهر ديونيسيوس الأول الذي كان محباً للحكمة ومتأثراً بالفلسفة الأفلاطونية ومؤمناً بإمكانية تهذيب الحاكم عبر الحكمة نفسها.

وكان الأمل أن يتحول ديونيسيوس الحاكم القوي والمترف إلى ما يشبه ذلك "الملك الفيلسوف" الذي حلم به أفلاطون في كتابه "الجمهورية". غير أن الأمل سرعان ما اصطدم بطبيعة السلطة ذاتها، وشخصية الطاغية التي لا تحتمل خطاباً رأت أنه يقوض أسس حلمها.

 

ويروي بلوتارخ كيف أن أفلاطون لم يتردد في مخاطبة ديونيسيوس بجرأة نادرة منتقداً استبداده، متحدثاً عن العدالة بوصفها انسجاماً بين النفس والمدينة، لا مجرد قوة تفرض بقوة السلاح. وهنا تتجلى في الواقع إحدى أهم سمات الرواية البلوتارخية، التي تقوم على تحويل الحوار الفلسفي إلى اختبار أخلاقي. فالفيلسوف في نظر بلوتارخ، ليس منظراً بالمعنى المجرد للكلمة، بل شخصية يمكن تعريفها من خلال موقفها العملي تجاه السلطة. غير أن حاكم صقلية لم ير في كلام أفلاطون دعوة للإصلاح، بل تهديداً مباشراً لشرعيته.

ومن هنا ما يشير إليه بلوتارخ من أن الطاغية قد ضاق ذرعاً بالفيلسوف الذي راح يحدثه عن الحرية وضبط الشهوات في بلاط قائم على الترف والخوف. وهنا بالتحديد يبرز التوتر المركزي في الرواية: الفلسفة حين تنقل من الأكاديمية إلى البلاط، تفقد حيادها وتصبح فعلاً سياسياً خطراً.

وصار أفلاطون عبداً

والحقيقة أن واحداً من أكثر المقاطع دلالة في رواية بلوتارخ هنا هو ذاك الذي يحدثنا عن قرار ديونيسيوس بيع أفلاطون عبداً، أو في الأقل التفكير في التخلص منه عبر النفي والإهانة العملية. وهذه الحادثة، سواء كانت دقيقة تاريخياً أم لا، تحمل قيمة ودلالة رمزية واضحة: حين تعجز السلطة عن دحض فكرة لا تروقها، تلجأ إلى إذلال حاملها ومعاقبة المنادي بها.

وبلوتارخ من جهته كمؤرخ أخلاقي يستخدم هذه الحادثة للتأكيد على أن الطغيان لا يتحمل الحقيقة، لا لأنه يجهلها، بل لأنه يدرك خطورتها. ومهما يكن من أمر هنا، ها هو بلوتارخ يتابع الحكاية ليخبرنا أن المحاولة ذاتها تتكرر مع انتقال السلطة إلى ديونيسيوس الثاني الذي من ناحيته أراد أن يصبح هو نفسه فيلسوفاً. بيد أنه لم يكن على أدنى استعداد لدفع ثمن ذلك التحول: فالثمن ليس أقل من التخلي عن الامتيازات المطلقة.

وفي هذا السياق بالذات، تبدو رواية بلوتارخ أقل اهتماماً بتوثيق الوقائع منها بتقديم درس أخلاقي وتاريخي. فاللقاء بين أفلاطون وديونيسيوس الجديد هذا، يتحول بقلم المؤرخ هذه المرة إلى استعارة كبرى عن استحالة التوفيق بين الحكمة والسلطة. ليس لأن الفلاسفة ملائكة ولا لأن الحكام شياطين. بل لأن منطق كل منهما يقوم على أسس تتعارض مع منطق الآخر: الفلسفة تسعى إلى الحقيقة، بينما تسعى السلطة إلى الاستمرار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا يقدم بلوتارخ من خلال هذا اللقاء صورة مبكرة لما سيصبح لاحقاً سؤالاً مركزياً في الفكر السياسي: هل يمكن للحاكم أن يكون فيلسوفاً، أم إن الفلسفة حين تقترب من الحكم ستكون محكومة بالفشل؟ في الحالتين يخرج أفلاطون من المجابهة العقلية خاسراً سياسياً، لكنه رابح أخلاقياً، بينما تبقى السلطة في رواية بلوتارخ، عاجزة عن أن تتحول من دون أن تنقض ذاتها كلياً.

البعد الفكري: اللقاء المستحيل

من الناحية الفكرية الدلالية، يشكل اللقاء بالطريقة التي يرويها بلوتارخ، امتحاناً عملياً حاداً لما نظر له أفلاطون في "الجمهورية" حول فكرة الملك الفيلسوف.

ففي هذا العمل، لا يقدم أفلاطون الفيلسوف بوصفه مفكراً تأملياً منعزلاً، بل باعتباره وحده القادر على ممارسة الحكم العادل، لأن معرفته بالحقيقة، وبفكرة الخير على وجه الخصوص، تجعله أسمى من الانقياد للأهواء والمصالح.

غير أن انتقال هذه الفكرة من النص الفلسفي إلى الواقع السياسي في الإمارة الصقلية كشف، كما يصور بلوتارخ، عن الهوة العميقة بين المثال والتطبيق. والحال عن بلوتارخ يظهر أن أفلاطون إنما تعامل مع ديونيسيوس كما لو أنه كان قابلاً للتحول أي بوصفه ذاتاً يمكن إعادة تشكلها عبر التربية الفلسفية. وهنا بالتحديد يتبدى الوهم الأفلاطوني كبيراً: الوهم الذي يقوم على الاعتقاد بأن المعرفة وحدها كفيلة بتغيير بنية السلطة.

فديونيسيوس قد يعجب بلغة الفلسفة بل قد يتظاهر حتى بتبنيها، لكنه في نهاية المطاف، يعجز عن قبول شرطها الجوهري وهو إخضاع الرغبة للحقيقة. وهكذا تصبح الفلسفة في القصر، مجرد زينة خطابية لا أساساً للحكم. وبهذا المعنى قد لا تدين رواية بلوتارخ أفلاطون بقدر ما تكشف محدودية مشروعه السياسي. فالملك الفيلسوف يظل مثالاً نظرياً بالغ السمو، لكنه يصطدم عند أول اختبار واقعي ببنية سلطة لا تقبل بأن تحكم بالعقل وحده. ويغدو لقاء أفلاطون بديونيسيوس شاهداً تاريخياً على مأساة الفلسفة حين تحاول أن تحكم بدلاً من أن تتنطح لإقلاق الحاكم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة