ملخص
يشهد الذهب موجة صعود غير مسبوقة مدفوعة بمخاوف المستثمرين من التضخم وضعف العملات، وعزز خفض أسعار الفائدة وارتفاع مشتريات البنوك المركزية الإقبال على المعدن النفيس.
يتجه الذهب بسرعة نحو مستوى 5 آلاف دولار للأونصة، بعدما أصبح الملاذ المفضل للمستثمرين القلقين من اضطرابات الأسواق العالمية.
وفي وقت تتزايد فيه المخاوف من تراجع عوائد السندات وارتفاع تقييمات الأسهم وتصاعد التوترات التجارية، كان الرد واحداً: شراء الذهب.
وبعد ثلاثة أشهر فقط من بلوغ مستوى 4 آلاف دولار للأونصة، وهو سعر كان يعد خيالياً في السابق، اقتربت العقود الآجلة من حاجز 5 آلاف دولار.
وارتفعت عقود يناير (كانون الثاني) الجاري بنسبة 8.5 في المئة خلال أسبوع واحد لتسجل مستوى قياسياً جديداً عند 4976.20 دولار، في أكبر مكسب أسبوعي من حيث القيمة الدولارية على الإطلاق.
وجاء هذا الارتفاع وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال"، مدفوعاً بخمسة عوامل رئيسة، أبرزها:
تجارة تقويض القيمة
يأتي في مقدمة المشترين الأكثر تفاؤلاً بالذهب أولئك القلقون في شأن قوة الدولار الأميركي والعملات الرئيسة الأخرى، إذ اندفعوا إلى شراء المعدن النفيس باعتباره مخزناً للقيمة قادراً، في نظرهم، على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية.
وخلال الفترة الأخيرة قدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب أسباباً إضافية للحذر، بعدما أقر هذا الشهر عملية توغل في فنزويلا لإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو، وصعد ضغوطه على رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي جيروم باول لخفض أسعار الفائدة، من خلال تحقيق تقوده وزارة العدل، فضلاً عن تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية على حلفاء أوروبيين إذا لم يدعموا مساعيه المتعلقة بغرينلاند.
وتعرف هذه الاستراتيجية في "وول ستريت" باسم "تجارة تآكل قيمة العملات"، وهي مدفوعة بمخاوف من عجز الحكومات عن كبح التضخم أو خفض الديون، مما قد يؤدي إلى تآكل قيمة العملات التي يقوم عليها النظام المالي العالمي.
وفي مطلع عام 2025، سارع المستثمرون إلى الذهب، في وقت أسهمت فيه موجة الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب في تسجيل الدولار أسوأ أداء له في النصف الأول من عام واحد منذ 50 عاماً. وبعدما أشار باول في أغسطس (آب) 2025 إلى أن البنك المركزي سيبدأ خفض أسعار الفائدة على رغم بقاء التضخم فوق المستهدف، واصل الذهب صعوده.
وزادت الأوضاع تعقيداً مع تضخم أعباء الديون وتبني سياسات اقتصادية توسعية في أوروبا واليابان، ومع تجدد المخاوف من حرب تجارية عبر الأطلسي، شهدت اليابان موجة بيع في السندات دفعت عوائد الديون الحكومية طويلة الأجل إلى مستويات قياسية.
ويقول محللون إن استقرار هذه الركائز الأساسية للأسواق، إلى جانب المؤسسات المشرفة عليها، سيكون عاملاً حاسماً في تحديد المسار المقبل للذهب.
ونقلاً عن كبير استراتيجيي السلع في شركة "تي دي سيكيوريتيز" دانيال غالي قوله لعملائه "ارتفاع الذهب مرتبط بالثقة، حتى الآن، انحنت الثقة لكنها لم تنكسر"، في إشارة إلى أن أي اهتزاز أعمق قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
أسعار فائدة منخفضة
تعد خفوض أسعار الفائدة التي نفذها الاحتياط الفيدرالي عاملاً رئيساً آخر في دفع المستثمرين نحو الذهب، بعدما أدت إلى تقليص عوائد السندات الحكومية والنقد.
وكانت سندات الخزانة الأميركية شديدة الأمان خياراً جذاباً عام 2022، عندما بدأ "الاحتياط الفيدرالي" رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الذي أعقب جائحة كورونا.
ونتيجة لذلك، ارتفع حجم السيولة المحتفظ بها في صناديق أسواق المال، التي تستثمر في السندات الحكومية، إلى نحو 7.7 تريليون دولار بنهاية العام الماضي، مقارنة بنحو 5.1 تريليونات دولار في مطلع 2022.
غير أن السندات الحكومية وصناديق أسواق المال فقدت جزءاً من بريقها مع تراجع العوائد، واحتمال انخفاضها أكثر إذا نجح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الضغط على البنك المركزي لمواصلة خفض أسعار الفائدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع انخفاض العائد على الأصول الخالية من الأخطار، مثل سندات الخزانة، تتراجع كلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدر عائداً دورياً، لكنه يتمتع بإمكانات صعود أكبر على المدى المتوسط والطويل.
ويشير محللون إلى أن تحويل جزء بسيط فقط من الكتلة الضخمة من السيولة المحتفظ بها في صناديق أسواق المال إلى الذهب قد يكون له تأثير كبير وغير متناسب على أسعاره.
وتقدر مؤسسة "غولدمان ساكس" أن الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب لا تمثل سوى 0.17 في المئة من محافظ الأفراد المالية في الولايات المتحدة، وأن كل زيادة بنسبة 0.01 في المئة ناتجة من عمليات شراء، وليس عن ارتفاع الأسعار، قد تدفع سعر الذهب للصعود بنحو 1.4 في المئة.
شراء البنوك المركزية
في وقت يتزايد فيه إقبال المستثمرين على الذهب، يجد هؤلاء أنفسهم في منافسة مباشرة مع فئة من المشترين لا يشكل السعر بالنسبة إليها عائقاً يذكر، وهم البنوك المركزية، فبعد أعوام طويلة كانت فيها بائعاً صافياً للمعدن النفيس، تحولت البنوك المركزية إلى مُشترٍ صافٍ منذ عام 2010، عقب إعادة تقييمها للأخطار في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي فجرتها أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.
وتسارعت وتيرة مشتريات الذهب بصورة ملحوظة منذ عام 2022، وهو العام الذي فرض فيه الغرب عقوبات واسعة على روسيا على خلفية هجومها على أوكرانيا.
ومنذ ذلك الحين بدأت البنوك المركزية في دول تربطها علاقات متوترة بالغرب، وفي مقدمها الصين، بالتحول بعيداً من الأصول المقومة بالدولار، والاتجاه نحو الذهب الذي لا يخضع لسيطرة أطراف أجنبية.
في المقابل تسعى بنوك مركزية أخرى، مثل البنك الوطني البولندي، الذي يعد من أكثر المشترين نشاطاً للذهب، ووافق هذا الأسبوع على عملية شراء كبيرة جديدة، إلى تعزيز استقرار عملاتها من خلال إضافة أصول لا تنطوي على الأخطار نفسها المرتبطة بالديون السيادية.
وقال رئيس قسم الأبحاث في مجلس الذهب العالمي خوان كارلوس أرتيغاس إن دوافع البنوك المركزية لشراء الذهب لا تقتصر على أدائه السعري فحسب، بل تشمل الدور الحيوي الذي يلعبه في تكوين احتياطات النقد الأجنبي، مضيفاً "الذهب أداة فعالة للغاية للتحوط وتنويع الاحتياطات".
أسهم باهظة الثمن
على غرار أسعار الذهب، واصلت مؤشرات أسواق الأسهم تسجيل مستويات قياسية جديدة، غير أن هذه الارتفاعات الحادة باتت تثير قلق المستثمرين بدلاً من طمأنتهم.
ويعد تقييم الأسهم على أساس مضاعفات الأرباح من أكثر الأساليب شيوعاً في الأسواق، ووفق أحد المؤشرات المعدلة دورياً لنسب السعر إلى الأرباح، والتي تعتمد على توقعات المحللين للأرباح المستقبلية، فإن الأسهم لم تكن أغلى مما هي عليه اليوم سوى مرة واحدة خلال المئة عام الماضية، وذلك قبيل انفجار فقاعة شركات الإنترنت عام 2000.
وتعود المخاوف مجدداً إلى قطاع التكنولوجيا، إذ باتت مجموعة محدودة من الشركات العملاق، مثل "إنفيديا" و"تيسلا" و"أمازون"، قادرة على دفع مؤشر "أس أند بي 500" صعوداً أو هبوطاً، بغض النظر عن أداء مئات الأسهم الأخرى المدرجة ضمنه.
على سبيل المثال، أنهت أسهم شركات "السبعة الرائعين" في قطاع التكنولوجيا تداولات الثلاثاء الماضي على انخفاض جماعي، مما أدى إلى تبخر نحو 683 مليار دولار من قيمتها السوقية، وسجل مؤشر "أس أند بي 500" تراجعاً بنسبة 2.1 في المئة.
في المقابل، أظهر مؤشر "راسل 2000" للشركات الصغيرة أداءً أفضل من مؤشر "أس أند بي 500" على مدى 14 جلسة متتالية حتى إغلاق الخميس الماضي، في إشارة إلى توجه المستثمرين نحو البحث عن بدائل خارج نطاق أسهم التكنولوجيا الكبرى ذات التقييمات المرتفعة.
الزخم وأسعار الذهب
يعد الزخم أحد العوامل الرئيسة التي تدعم التوقعات الإيجابية لأسعار الذهب، إذ تشير التجارب التاريخية إلى أن موجات صعود المعدن النفيس غالباً ما تكون طويلة الأمد.
ووفقاً لمحللي "سيتي"، ففي خمسة من أصل ستة أعوام سبقت عام 2025، ارتفعت فيها العقود الآجلة للذهب بنسبة لا تقل عن 20 في المئة، واصل الذهب تسجيل مكاسب إضافية في العام التالي، وفي تلك الأعوام الخمس، بلغ متوسط الارتفاع السنوي أكثر من 15 في المئة.
وتكرر هذا النمط عام 2025، حين واصل الذهب صعوده القوي بعدما حقق مكاسب بلغت 27 في المئة عام 2024، مسجلاً زيادة لافتة وصلت إلى 65 في المئة، ما عزز قناعة المستثمرين بأن الاتجاه الصاعد لا يزال يتمتع بزخم قوي.
في ظل هذه العوامل مجتمعة، يرى محللون أن مسار الذهب لا يزال مدعوماً بقوة، وأن أي تحول ولو محدود في السيولة من النقد والسندات إلى المعدن النفيس قد يكون كافياً لدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.