ملخص
قفز سعر الذهب هذا الأسبوع إلى مستوى غير مسبوق بلغ 4643 دولاراً للأونصة مع توقعات بتجاوزه 5 آلاف دولار خلال العام الحالي.
بعد 15 دقيقة فقط من إقلاع الطائرة، تلقت محافظة البنك المركزي الصربي اتصالاً عاجلاً مفاده أن سبائك ذهب بملايين الدولارات، كانت في طريقها إلى خزائن شديدة الحراسة في بلغراد، تركت على مدرج أحد المطارات السويسرية، ففي عالم الشحن الجوي، وعلى رغم القيمة الهائلة للذهب، لا تزال الزهور الطازجة والأغذية القابلة للتلف تحظى بالأولوية، وتقول حاكمة البنك، يورغوفانكا تاباكوفيتش "تعلمنا هذا الدرس بالطريقة الصعبة".
صربيا ليست حال معزولة، فعدد متزايد من البنوك المركزية تسارع إلى تكوين احتياطات ضخمة من الذهب، في انقلاب على عقود من المنطق النقدي السائد، مما أسهم في دفع أسعار المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية.
ومع تشكيك واشنطن في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وما يسببه ذلك من قلق في الأسواق، قفز سعر الذهب هذا الأسبوع إلى مستوى غير مسبوق بلغ 4643 دولاراً للأونصة، مع توقعات بتجاوزه 5 آلاف دولار خلال العام الحالي.
وخلال العقد الماضي، تضاعفت حصة الذهب في احتياطات البنوك المركزية لتتجاوز ربع الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ نحو 30 عاماً.
ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع الأسعار، لكن الخبراء يؤكدون أن الدافع الأعمق هو البحث عن ملاذ آمن في عالم تتزايد فيه الأخطار السياسية والمالية.
ويقول كبير الاقتصاديين في شركة "كارمينيك"، رافاييل غاياردو، لصحيفة "الغارديان"، "انتقلنا من عصر الهيمنة الأميركية إلى حال من الفوضى الجيوسياسية. المستثمرون، سواء كانوا دولاً أو أفراداً، باتوا يعتقدون أن احتياطاتهم الاستراتيجية لم تعد آمنة إذا كانت مقومة بالدولار، إذ يمكن مصادرتها بين ليلة وضحاها".
ويرى غاياردو أن الدولار يفقد دوره كمرساة للنظام النقدي العالمي، في ظل تراجع الثقة في "الاحتياطي الفيدرالي" والكونغرس، إضافة إلى الاستخدام المتزايد للعقوبات الاقتصادية، كما حدث مع تجميد الاحتياطات الروسية بعد هجومها على أوكرانيا.
تراجع حصة الدولار في احتياطات البنوك
تمثل الاحتياطات الرسمية حجر الأساس في النظام النقدي العالمي، إذ تدعم العملات الوطنية وتعزز ثقة المستثمرين، وتستخدم للتدخل في الأسواق عند الأزمات، وعلى مدى عقود، كان الدولار العملة الاحتياطية الأولى بلا منازع، ووسيط التبادل الأساس في التجارة العالمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن هذه المكانة بدأت تتآكل، إذ تراجعت حصة الدولار في احتياطات البنوك المركزية من 66 في المئة قبل 10 أعوام إلى نحو 57 في المئة حالياً. ومع غياب بديل عالمي حقيقي من العملات الورقية الأخرى مثل اليورو أو الين أو اليوان، تتجه المؤسسات النقدية إلى الذهب، أقدم مخزن للقيمة في التاريخ.
وفي يونيو (حزيران) 2025، تخطى الذهب اليورو ليصبح ثاني أهم أصل احتياط في العالم بعد الدولار، ويقول غاياردو "لا أحد يستطيع أن يحل محل الدولار، لذا يلمع الذهب تلقائياً. إنه ما وصفه الاقتصادي البريطاني الراحل جون ماينارد كينز الذي أحدثت أفكاره تغييراً جذرياً في نظرية وممارسة الاقتصاد الكلي والسياسات الاقتصادية للحكومات بـ(الأثر البربري)، لأنه ليس ديناً على أحد".
25 بنكاً مركزياً يخطط لزيادة حيازاته من الذهب
وفقاً لاستطلاع شمل 50 بنكاً مركزياً أجرته شركة "إنفيسكو"، يخطط نحو نصفها لزيادة حيازته من الذهب، بينما تعتزم ثلثاها إعادة السبائك المخزنة في الخارج إلى خزائن محلية، خشية الأخطار السياسية.
تاريخاً، كانت لندن ونيويورك وسويسرا مراكز رئيسة لتخزين الذهب، وتعد خزائن بنك إنجلترا الأكبر عالمياً، إذ تضم نحو 400 ألف سبيكة بقيمة تتجاوز نصف تريليون دولار، لكن دعوات "إعادة الذهب إلى الوطن" تزايدت، خصوصاً بعد تجارب مثل احتجاز ذهب فنزويلا في لندن، أو تجميد الأصول الروسية في أوروبا.
ومن الدول التي أعادت احتياطاتها الذهبية: الهند، وهنغاريا، وتركيا وبولندا، بينما كانت ألمانيا سباقة في هذا المسار خلال العقد الماضي. في المقابل، تعد بريطانيا من أبرز البائعين تاريخياً، إذ باعت جزءاً كبيراً من احتياطاتها في فترة كانت الأسعار عند مستويات متدنية.
أما العملات الرقمية، فيرى بعض الاقتصاديين أنها قد تكتسب وزناً مستقبلياً كأصول احتياط، لكن البنوك المركزية لا تزال متحفظة تجاه سوق متقلبة وحديثة نسبياً، خصوصاً أن العملات المستقرة فيها مرتبطة بالدولار أو الذهب نفسه.
ويخلص خبراء إلى أن صعود الذهب لا يعني انهياراً وشيكاً للدولار، لكنه يعكس تحولاً عميقاً في مزاج البنوك المركزية، وكما قال أحدهم "إذا وصلنا إلى مرحلة المقايضة بالذهب، فلن يكون تراجع الدولار هو المشكلة الكبرى، بل مجرد عرض لأزمة أعمق".