Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكوني يبحث عن الإنسان والترحال في "ذاكرة العدم"

 17 نصاً يعقد فيها مقارنة بين المفهومين التاريخين القابيلي والهابيلي

الروائي الليبي إبراهيم الكوني (المؤسسة العربية)

ملخص

يواصل الكاتب الليبي إبراهيم الكوني الكتابة خارج الإطار الروائي، فبعد أن أصدر كتباً عديدة قائمة على فن الشذرة او الحكمة، يقدم إلى قرائه  كتابه الجديد "ذاكرة العدم"، الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في بيروت

في العنوان، ثمة مجموعة أسئلة يطرحها العنوان، بقسميه، الأصلي "ذاكرة العدم"، والفرعي "الشهادة في حق الإنسان الهجري"، من قبيل: ما هو العدم وهل هناك ذاكرة له؟ وإذا كانت هذه المفردة ترادف اللاوجود فيكف يكون ثمة ذاكرة لغير الموجود؟ ومن هو الإنسان الهجري؟ وما هي الشهادة التي يمكن أن يدلي بها الكاتب في حق هذا الإنسان؟ على أن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها تقتضي الدخول في متن الكتاب، وهو ما تتوخاه هذه القراءة.

 هابيل وقابيل

 في المتن، وفي النصف الأول من الكتاب، يعقد الكوني مقارنة بين القبيل القابيلي والقبيل الهابيلي، على مدى 17 نصاً، نتعرف فيها إلى كثير من الثنائيات المتضادة، التي يمكن إدراجها تحت ثنائية رئيسة، هي هابيل / قابيل. ومن هذه الثنائيات: الخير / الشر، الإنسان الهجري / الإنسان الحضري، الصحراء / الحاضرة، البداوة / الحضارة، الرعي / الزراعة، الهجرة / الإقامة، الذاكرة / التدوين، الرحيل / المكان، الروح / الجسد، الطريقة / الحقيقة، البرية / التدجين، الحرية / السجن، العدم / الوجود، الزهد / التعلق، الضحية / الجلاد، وغيرها. وغني عن التعبير أن الكاتب ينحاز إلى الطرف الأول من كل ثنائية، على حساب الطرف الثاني. لذلك، تتلخص فلسفته في الانحياز إلى كل ما هو صحراوي، فطري، بري، هجري، عابر، شفهي، حر، روحي. وبمعنى آخر، هو ضد المؤسسات التي تحول دون تفتح إنسانية الإنسان وتحققه، بدءاً من المدينة، مروراً بالدولة والقانون والحضارة، وليس انتهاء بالتقيد بقيدي المكان والزمان.

على أن هذا الانحياز ناجم، بطبيعة الحال، عن قيامه برد كثير من المصطلحات والمفاهيم إلى الجذور اللغوية التي تتحدر منها، من خلال تحليل لغوي يستند إلى أكثر من لغة، من جهة، وعن تجربته الطويلة في معاقرة الحياة والتأمل في أحوال الإنسان والوجود، من جهة ثانية. وعلى جاذبية هذه الخيارات ورومنسيتها، فمما لا شك فيه أنها طوباوية إلى حد كبير، وتطرح حلولاً غير واقعية للمعضلات التي يتخبط فيها الجنس البشري، وتجعلنا نتساءل: هل يمكن الاستغناء عن مؤسسة الدولة في تنظيم الاجتماع البشري؟ وكيف يمكن انتظام الأمور في ظل غياب القانون؟ وأنى للحواضر أن تقوم في ضوء الترحال الدائم؟ وهل يمكن قيام العمران من دون الاستقرار في المكان؟ هذه الأسئلة وغيرها تجعل الأفكار المطروحة في الكتاب مثالية، إلى حد كبير.

 تعريفات وخلاصات

بنتيجة المقارنة التي يعقدها الكاتب بين الثنائيات المختلفة، يخلص إلى مجموعة من التعريفات والخلاصات التي تصب كلها في الخيارات التي يتخذ، فالإنسان القابيلي الدنيوي هو صنيعة الإقامة في المكان بينما الإنسان الهابيلي يؤثر الترحال الدائم، لكنه يتحول إلى النموذج الأول بفعل التوطين الذي تتحول فيه المواطنة إلى نوع من القنانة. وهو ما يستنتجه الكاتب من المقارنة بين مفردتي "قن" التي اشتقت منها القنانة و"كن" التي اشتقت منها الكينونة. وإذ يقارن بين الإنسان الهجري والإنسان الحضري، يخلص إلى أن الأول هو "نموذج رومانسي، وجداني، لا يسعى على تدجين، ولكنه يحلق بألف جناح"، ويعتنق الهجرة ديناً، ويحمل حكومته على ظهره (ص 29)، بينما الثاني مستوطن بلا روح، ينتهك الطبيعة بذريعة العمران، ويستبيح براءتها بمبرر انتزاع القوت، ويستخدم التربية تقنية للترويض على التوطين. (ص 13).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويدرج الكوني إنسان الصحراء المثالي في النموذج الأول الهجري الذي يتناغم مع الطبيعة ويعتبر نفسه امتداداً لها، فلا يسمح لنفسه بأن يؤذيها، ويعيش حريته، لكنه يفتقر إلى الأمان، لوجود من يتربص به فيها، بفعل الطبيعة البشرية. ولعل انتماء الكاتب إلى الصحراء هو ما يدعوه إلى الدعوة إلى بداوة جديدة تقوم على الرحيل والتحرر من أسر المكان الذي يتخبط فيه الإنسان الحضري، ذلك أن الرحيل مرادف للحرية التي هي شرط للإبداع. وهو ما يفسر صدور الشعر والنبوة من الصحراء. وفي هذا السياق، يقرن بين المقام والخمول والراحة والخواء، من جهة، وبين الهجرة والحرية والروح والنبوة والشعر، من جهة ثانية.

 القانون والقنانة

 إلى ذلك، يربط الكوني في كتابه بين التقنين والقنانة. يميز بين مفهومين للحكم، الأول يقترن بالحكمة ويطبق في الفضاء الصحراوي، والثاني يقترن بالتحكم ويطبق في الفضاء المديني. يؤكد أهمية الذاكرة في مواجهة النسيان إلى حد اعتبارها مرادفاً للإنسان، ويرى أن الاستقرار وراء الجدران هو مؤامرة على الذاكرة، وأن استيداع الأخيرة خارج موقعها الطبيعي في خلايا الدماغ يلحق بها أفدح الضرر، ويرفض التدوين في الأجرام المختلفة، ما يتعارض فيه مع القائلين إنه من مقومات الحضارة. يعزو الطغيان إلى تنازل الإنسان عن الحرية للدولة التي تمارسه باسم القانون / القنانة، ينعى فكرة الدولة الوحش المفترس والجهاز المشبوه، ويدعو إلى التحلل من القوانين التي تصادر حرية الإنسان. هذا غيض من فيض الأفكار التي يزخر بها الكتاب، وتشي بنكوص صاحبها عن الحضارة ومنجزاتها ودعوته إلى العودة للبداوة ومتعلقاتها. ولعل هذه الدعوة ناجمة عن الصدمة الحضارية التي يعيشها الإنسان المعاصر الذي يطارد السعادة ولا يجدها في الأغراض، ويخشى الفناء ولا يجد ما يحميه منه، فهل تكون البداوة هي الحل؟

 مصطلحات ومفاهيم

 في النصف الثاني من الكتاب، يتناول الكوني مجموعة من المصطلحات والمفاهيم، ذات الصلة بموضوع الكتاب، ويتقصى معانيها التي تصب في أطروحته الفكرية في لغات مختلفة لا سيما الأمازيغية والعربية. وفي هذا السياق، نشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أنه يتناول مصطلح "تامكرا" المتحدر من اللغة السومرية، الذي يعني التجارة، ويرصد تمثلاته في لغات أخرى، فتضيف إلى الأمازيغية معنى البلية أو النكبة، والعربية معنى المكر، والسنسكريتية معنى سوء الخلق في المعملات الأرضية. وهي معان سلبية بطبيعة الحال. ولعل هذا ما حدا بأهل اللثام في الصحراء الكبرى إلى تحريم التجارة التي تتوخى الربح أسوة بأهل إسبارطة اليونانية، باعتبارها عملاً يزعزع الجنس البشري وجودياً وأخلاقياً، من هنا، يحرمها الإنسان الهجري ويبيحها الإنسان الحضري.

ويتناول مصطلح "تيكال" الذي أطلقه الهنود الحمر على أهرامات المكسيك، وينطلق منه ليرصد تمثلات معنى الهرم في لغات عدة، فيجمع في العربية بين معنيي القدم الومني والحرم الديني، ويعبر في الأمازيغية عن الهجرة والذهاب، ويخلص إلى أن الهرم ليس مجرد حجر صلد، بل كينونة تسعى إلى استقبال الغريب المهاجر، حيث الهجرة تقترن بالنبوة. ويتناول مصطلح "تورنادو" في لغة الهنود الحمر، فيرصده في أصله وفروعه، ويشير إلى أنه يحيل، في الأمازيغية، إلى السلطة والطغيان والقوة القاهرة والخلل الطبيعي.

 يتبين لنا من متن الكتاب أن كلمة "العدم" في العنوان تعبر عن الزمن الضائع الذي يقوم الإنسان الهجري باستعادته والعثور عليه، فينتفي معه العدم، ونكون إزاء حقيقة عدم وجود العدم، عملاً بقول أمبيدوقلس النبي القديم: "ما هو موجود لا يمكن أن يفنى، لأن اللاشيء لا يمكن أن يجود باللاشيء" (ص 148). وبهذا، المعنى، يصبح الكلام عن ذاكرة للعدم أمراً مبرراً. فـالصحراء انطلاقاً من هذه الرؤية هي ذاكرة العدم، على حد رؤية المؤلف الذي يشهد في كتابه للإنسان الهجري عبر التاريخ، وينعى على الإنسان الحضري دوره المشبوه.     

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة