ملخص
يشتمل كتاب "ما وراء الأغلفة"، للكاتب السعودي ابراهيم زولي (المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2025)، على قراءة في ثلاثين عملاً أدبياًّ وفكرياًّ، حول العالم، صدرت في القرن العشرين. وتتوزع على 15 رواية، 13 كتاباً، مجموعة شعرية واحدة، ومسرحية واحدة. وتقتصر حصة اللغة العربية من هذه الأعمال على ثلاث روايات وأربعة كتب، بينما تتوزع الأعمال الأخرى على لغات أجنبية مختلفة.
إذا كان من المتعارف عليه، في الأصل، أن يطلق مصطلح الروائع على الأنواع الأدبية، على اختلافها، من روائية وشعرية ومسرحية وغيرها، فإن إطلاقه على الدراسات الفكرية المختلفة التي يتناولها الكتاب يأتي من قبيل تسمية الكل باسم الجزء، وبهذا المعنى، تتجاور في "ما وراء الأغلفة" روايات "الأم" لمكسيم غوركي، و"المسخ" لفرانز كافكا، و"عوليس" لجيمس جويس، و"الغريب" لألبير كامو، مع دراسات "تفسير الأحلام" لسيغموند فرويد، و"الوجود والعدم" لجان بول سارتر، و"تاريخ الجنون" لميشيل فوكو، على سبيل المثال لا الحصر.
وإذا كانت الروايات المختارة تشكّل موضع إجماع على رائعيتها، فإن اختيار الكاتب لها يستند إلى هذا الإجماع، من جهة، وإلى كونها "نوافذ مفتوحة على عوالم مختلفة، وجسور تربط بين الشرق والغرب، والأدب والفلسفة، والفرد والمجتمع، والحلم والواقع"، وإلى كونها "شهادات على لحظات تاريخية وفكرية حاسمة"، وإلى "قدرتها على التقاط الروح الإنسانية في أوج تناقضاتها"، من جهة ثانية، على حد تصديره الكتاب. وإذا كان هذا الحكم ينطبق على معظم الأعمال الأدبية في "ما وراء الأغلفة"، فإنه ينطبق أيضاً على معظم الأعمال الفكرية، المشمولة بالقراءة، ولو بدرجة أقل، لا سيّما أن هذه الأعمال عابرة للغات، تطل على العوالم الأخرى، تصل بين الثقافات، وتشهد على التحولات الكبرى.
منهجية القراءة
في قراءته الأعمال، الأدبية والفكرية، يعتمد زولي المنهجية نفسها؛ فيذكر تاريخ نشر العمل، وسياق وضعه التاريخي، وماهيته، وأهميته، وتأثيره، وقد تتضمّن القراءة تعريفاً بصاحبه، وقد يتمّ تذييلها بمقتبس منه. ففي معرض قراءته رواية "الأم" للروسي مكسيم غوركي، يشير إلى نشرها عام 1906، "خلال فترة مضطربة في تاريخ روسيا، بين ثورة 1905 الفاشلة والثورة البلشفية عام 1917"، ويحدد ماهيتها بأنها "شهادة حية على قوة الروح البشرية في مواجهة الظلم والقمع"، تكمن أهميتها في تجسيد الوعي الطبقي وتمجيد الأمومة الثورية ونقد الظلم الاجتماعي، ويتمثل تأثيرها في كونها "مصدر إلهام للحركات الثورية والعمالية"، حول العالم. وفي معرض قراءته رواية "عوليس" للإيرلندي جيمس جويس، يشير إلى نشرها عام 1922، في سياق التحولات الفكرية والثقافية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ويحدد ماهيتها بأنها "وثيقة حية عن دبلن في أوائل القرن العشرين" وفرصة لاستكشاف الذات من خلال الآخر، ودعوة للتأمل في النفس البشرية.
تنبع أهميتها من "تأثيرها العميق على الأدب الحديث"، وإعادة النظر في مفهوم البطل الروائي، بحيث تهتم بالأشخاص العاديين بدلاً من الاهتمام بالأبطال الملحميين. ويكمن تأثيرها في تقديمها تيار الوعي، وإلهامها حركات أدبية عالمية. وفي معرض قراءته رواية "زوربا" لليوناني نيكوس كاونتزاكيس، يشير إلى نشرها عام 1946، في خضم الحرب الأهلية اليونانية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ويحدد ماهيتها بأنها "بيان فلسفي مكتوب بوجع التجربة وندوب المعاناة، وبعدسة تجسد الحياة بكل تناقضاتها"، تكمن أهميتها في الدعوة إلى استعادة طاقة الحياة الأصلية باللحم والرقص والضحك وغيرها. ويمتد تأثيرها إلى عشرات اللغات التي ترجمت إليها ما جعل من صاحبها "أيقونة أدبية ورمزاً لرجل بسيط يحمل حكمة الأزمنة"، على سبيل المثال لا الحصر.
حقول مختلفة
تتوزع الأعمال الفكرية في "ما وراء الأغلفة" على حقول معرفية مختلفة، تتراوح بين علم النفس والفلسفة والسياسة والاجتماع والنقد والدين وغيرها. ويستخدم الكاتب في قراءتها المنهجية نفسها التي استخدمها في قراءة الروايات؛ فيتناول تاريخ نشر الكتاب وسياق وضعه وماهيته وأهميته وتأثيره. وقد تتضمن القراءة تعريفاً موجزاً بواضعه، وقد يتم تذييلها بمقتبس منه، مما يجعل من القراءات إضاءات سريعة تومئ إلى رائعية المقروء، وتترك للقارئ لذة اكتشافها بنفسه.
في معرض قراءته كتاب "تفسير الأحلام" للنمساوي سيغموند فرويد، يشير زولي إلى نشره في مدينة فيينا عام 1900، في سياق زاخر بالتحولات الفكرية والعلمية، ويصفه بأنه "وثيقة أساسية لفهم تطور الفكر الغربي الحديث، خصوصاً في ما يتعلق بالهوية والجنسانية والعقل الباطن". وتكمن أهميته في تأسيسه علم التحليل النفسي، ويتمثل تأثيره في التمهيد لظهور حركات فنية تتخذ من الحلم واللاوعي مادة للإبداع كالسريالية. وفي معرض قراءته كتاب "الوجود والعدم" للفرنسي جان بول سارتر، يشير إلى صدوره عام 1943، خلال الحرب العالمية الثانية، في ظل انهيار القيم وصعود أسئلة الحياة والموت، ويَعُدّه "عموداً أساسياًّ في الفلسفة الوجودية" يعكس رؤية سارتر الثورية للعلاقة بين الفرد والمجتمع والعالم، ولعل هذه الثورية هي التي تمنح الكتاب أهميته. ناهيك بتتبعه "الوجود والعدم" من منظور ظاهراتي، ينتهي إلى تحليل عميق للظواهر المدروسة. ويشمل تأثيره الأدب والمسرح والفن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي معرض قراءته كتاب " الاستشراق" للفلسطيني إدوارد سعيد، الصادر عام 1978، في أوج الحرب الباردة واندلاع الصراعات في الشرق الأوسط، يحدد الكاتب ماهيته بأنه كشف جريء عن آليات السلطة والمعرفة التي حكمت منظور الغرب إلى الشرق، وفضح لتوظيف العلم والثقافة في خدمة الاستعمار. ويحصر أهميته في كونه "مرجعاً أساسياًّ في دراسات ما بعد الكولونيالية"، وفي"تعريف العلاقة بين الشرق والغرب على أسس أكثر نقدية وإنسانية"، وفي "قدرته على كشف آليات التحيز، وتحويل قضية الاستشراق من شأن أكاديمي إلى قضية إنسانية وسياسية تمس الجميع". ويرصد تأثيره في "الزلزال الفكري والثقافي" الذي أحدثه ولا تزال ارتداداته مستمرة حتى اليوم، وفي الثورة الأكاديمية التي أشعلها وامتد تأثيرها إلى المجال العام، وفي الحركة النقدية التي أطلقها في العالمين العربي والغربي، على سبيل المثال لا الحصر.
يمثل كتاب "ما وراء الأغلفة" إطلالة على ثلاثين عملاً أدبياًّ وفكرياًّ مهماًّ، تتراوح بين الروائع الأدبية والدراسات الفكرية، تمنح القارئ مفاتيح هذه الأعمال، وتترك له فرصة اكتشافها بنفسه، والتوغل في داخلها.