Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حروب الولايات المتحدة وإيران لا تخاض بالسلاح فقط

المنطقة تعيش صراعاً بين روايات لغوية مختلفة تحاول كل منها تعريف الحدث بطريقة تخدم موقعها

تطور السرديات التاريخية لاحقاً جعل الفرق بين "الغزوات" و"الفتوحات" جزءاً من البنية (غيتي)

ملخص

التأمل في الفرق بين مصطلحات "الفتح" و"الغزو" أو "المقاومة" و"نصرة المستضعفين" أو "مواجهة الاستكبار" و"الدفاع عن الأمة"، في مواجهة مصطلحات "الدفاع عن الأمن القومي" و"مكافحة الإرهاب" أو "حماية الاستقرار الدولي" و"دعم الحلفاء"، لا يخص الماضي وحده ولا الحاضر، بل يكشف عن آلية أعمق في التاريخ الإنساني: أن الحروب لا تخاض بالسلاح فقط، بل تخاض أيضاً بالكلمات التي تعطيها معناها.

أعتقد أن الحروب في الشرق الأوسط لا تتحرك دائماً وفق إيقاع السلاح وحده، بل وفق منظومة واسعة من السرديات التي تمنح الفعل العسكري معناه السياسي والأخلاقي في آن واحد، فالصراع بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على امتداد العقدين الأخيرين لم يكن مجرد تنافس على النفوذ أو توازنات القوة، بل كان أيضاً صراعاً على تعريف ما يحدث وتسميته، فكل طرف لا يكتفي باستخدام أدوات القوة التقليدية، بل يسعى في الوقت نفسه إلى صياغة رواية لغوية تبرر أفعاله وتمنحها شرعية في الوعي العام.

تنشأ من هنا أهمية اللغة في فهم طبيعة هذا الصراع، وهو ما سأحاول توضيحه في هذه المقالة التحليلية، إذ تتحول الكلمات من مجرد أدوات للتعبير إلى جزء من المعركة نفسها، إذ تتقاطع السياسة بالتاريخ، وتصبح التسمية أحياناً بقدر أهمية الحدث الذي تصفه.

دعوني أشير في البداية، كمدخل تأسيسي لا بد منه لهذه المقالة التحليلية، إلى أن الكلمات لا تولد في فراغ أو من عدم، ولا تتحرك في التاريخ بوصفها أدوات لغوية بريئة، فهي، في جوهرها، حوامل للمعنى ومرايا تعكس وعي المجتمعات بذاتها وبالعالم من حولها.

ولهذا فإن التأمل في مفردات مثل "فتح" و"غزو" لا يقتصر على استحضار دلالاتهما اللغوية في المعجم العربي، بل يتجاوز ذلك إلى قراءة أعمق لكيفية تشكل الوعي التاريخي والسياسي عبر اللغة، فالكلمة، في نهاية المطاف، لا تصف الحدث فحسب، بل تمنحه موقعاً أخلاقياً ومعنوياً في الذاكرة الجمعية.

بقراءة باحثة على نحو موضوعي في عدد من المصادر يمكن للمرء أن يصل إلى أن القراءة اللغوية المجردة ستبين أن كلمة "فتح" في أصلها تشير إلى الإزالة والانكشاف بعد الإغلاق، أي إلى رفع الحاجز وإتاحة المجال لما كان محجوباً، ومن هذا المعنى الأولي البسيط تشكلت دلالات واسعة، حتى أصبح "الفتح" في السياق التاريخي يشير إلى انتصار يؤدي إلى فتح مدينة أو أرض.

أما كلمة "غزو"، في مقابل ذلك، فتشير في أصلها إلى التوجه إلى العدو بقصد القتال أو الإغارة، وبين هذين التعريفين تنشأ مسافة دقيقة في اللغة، على رغم أن الفعل العسكري قد يكون واحداً في الواقع.

وعليه، فإن هذه المسافة اللغوية ليست مجرد فرق في الاصطلاح، بل هي تعبير عن زاوية النظر إلى الحدث ذاته، فالفتح يحمل غالباً معنى احتفائياً يوحي بالإنجاز والتحول، بينما يشير الغزو إلى الفعل العسكري المباشر بما يتضمنه من اقتحام وصدام.

من هنا تبدأ اللغة في لعب دور يتجاوز الوصف إلى إعادة صياغة المعنى التاريخي نفسه، بحيث تصبح التسمية جزءاً من القصة التي تروى عن الحدث، لا مجرد علامة لغوية محايدة.

في السياق الديني الإسلامي، اكتسبت كلمة "الفتح" دلالة أكثر تركيباً، إذ ارتبطت بفكرة النصر المؤيد أو التحول الذي ينظر إليه بوصفه جزءاً من مسار تاريخي ذي معنى ديني.

ولهذا أصبحت "الفتوحات" في الوعي الإسلامي تشير إلى مرحلة التوسع التي رافقت انتشار الدولة الإسلامية في القرون الأولى، لا بوصفها مجرد وقائع عسكرية، بل بوصفها جزءاً من قصة حضارية واسعة، أما كلمة "غزوة"، فقد استخدمت في التراث الإسلامي للدلالة على الحملات العسكرية التي شارك فيها النبي محمد أو قادها بنفسه.

ومع ذلك فإن هذه التسمية لم تكن تحمل في سياقها التاريخي دلالة سلبية بالضرورة، إذ كانت كلمة "غزو" في الثقافة العربية تشير ببساطة إلى نمط من أنماط الحرب السائدة في ذلك العصر.

غير أن تطور السرديات التاريخية لاحقاً جعل الفرق بين "الغزوات" و"الفتوحات" جزءاً من البنية، التي صاغ بها المؤرخون رواياتهم للتاريخ.

من هنا يمكن القول إن اللغة لم تكن مجرد وسيلة لنقل الوقائع، بل كانت جزءاً من عملية بناء المعنى التاريخي نفسه، فحين تروى الأحداث بوصفها فتوحات، فإنها تقدم ضمن إطار انتصار تاريخي يحمل معنى التحول الحضاري أو الديني، بينما حين توصف بأنها غزوات يميل التركيز إلى الفعل العسكري ذاته، وبين هذين التوصيفين يتشكل وعي مختلف بالحدث نفسه.

بيد أن هذه الظاهرة ليست خاصة بتاريخ معين أو حضارة بعينها، فالتاريخ الإنساني يكشف عن أن الدول والقوى السياسية غالباً ما تعيد تعريف أفعالها العسكرية من خلال اللغة.

والدولة التي توسع حدودها بالقوة قد تصف ما تقوم به بأنه "تحرير" أو "تدخل لحفظ الاستقرار"، بينما يراه الطرف الآخر غزواً أو احتلالاً، وعليه، تتحول المفردات على نحو واضح إلى أدوات سياسية تمنح الفعل شرعية أو تنزعها عنه.

يمكن النظر، بهذا المعنى المشار إليه أعلاه، إلى الفرق بين "الفتح" و"الغزو" بوصفه مثالاً مبكراً على العلاقة المعقدة بين اللغة والسلطة في كتابة التاريخ، فالتسمية ليست مجرد اختيار لغوي عادي أو عابر، بل هي جزء من بناء القصة / الرواية التي تمنح الحدث معناه في الوعي العام.

ولذلك فإن القراءة النقدية للتاريخ لا تهدف إلى نفي الوقائع أو إعادة محاكمتها، بل إلى فهم السياق اللغوي والسياسي الذي صيغت من خلاله.

ومع دخول العالم العصر الحديث، تغير الإطار الذي تفهم فيه الحروب والتوسعات العسكرية، فبعد الحرب العالمية الثانية نشأ نظام دولي جديد يقوم على قواعد قانونية يفترض أنها تقيد استخدام القوة بين الدول، وكان تأسيس هيئة الأمم المتحدة، في هذا الإطار، تعبيراً عن هذا التحول، وبموجب هذا النظام لم يعد التوسع العسكري المباشر مقبولاً بوصفه أداة طبيعية للسياسة كما كان الحال في القرون السابقة.

في هذا السياق ظهرت لغة سياسية جديدة تحاول التوفيق بين الواقع الصراعي للنظام الدولي وبين القيود القانونية التي يفترض أن تضبطه، فالتدخل العسكري في الخطاب المعاصر غالباً ما يقدم باعتباره دفاعاً عن الأمن القومي أو استجابة لتهديد إرهابي أو دعماً لحليف أو محاولة لحماية الاستقرار الإقليمي، وهي مفردات تختلف في ظاهرها عن مفردات الماضي، لكنها تؤدي وظيفة مشابهة: إعادة تعريف الفعل العسكري ضمن إطار يمنحه قدراً من الشرعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن هذا المنظور يمكن قراءة كثير من السياسات الدولية المعاصرة، بما في ذلك ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية في عدد من مناطق العالم، وفي مقدمها الشرق الأوسط وقد تحول إلى منطقة مشتعلة لا تريد أن تنطفئ.

فالتدخلات العسكرية الأميركية نادراً ما توصف في خطابها الرسمي بوصفها توسعاً أو غزواً، بل تقدم عادة ضمن إطار الدفاع عن الأمن الدولي أو مكافحة الإرهاب أو حماية الحلفاء، وهنا يتكرر النمط ذاته الذي عرفه التاريخ: اللغة لا تصف الفعل فقط، بل تعيد تأطيره ضمن معنى سياسي وأخلاقي معين.

لكن الصورة في الشرق الأوسط تزداد تعقيداً بسبب وجود فاعل آخر يستخدم لغة مختلفة تماماً، هو النظام القائم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهذا النظام لا يقدم نفوذه الإقليمي بلغة القانون الدولي أو التوازنات الأمنية، بل عبر خطاب ديني عقائدي يقوم على مفاهيم مثل "محور المقاومة" و"مواجهة الاستكبار" و"نصرة المستضعفين".

وبهذا المعنى فإن اللغة هنا تصبح جزءاً من مشروع سياسي أوسع، يسعى إلى إضفاء الشرعية على شبكة من الأذرع المسلحة المنتشرة في أكثر من بلد.

لقد أتاح هذا النموذج للنظام الإيراني أن يطور شكلاً خاصاً من التوسع السياسي لا يعتمد بالضرورة على الاحتلال المباشر، بل على بناء نفوذ عبر جماعات مرتبطة به أيديولوجياً وتنظيمياً.

وفي لبنان وسوريا والعراق واليمن ظهرت هذه الجماعات بوصفها قوى محلية في الظاهر، لكنها في الواقع ميليشيات مسلحة كجزء من شبكة نفوذ إقليمي كبيرة، ومع ذلك فإن الخطاب الذي يرافق نشاطها يصر على تقديمها بوصفها حركات مقاومة لا أدوات نفوذ.

بهذا المعنى يمكن القول إن الشرق الأوسط اليوم لا يعيش فقط صراعاً عسكرياً أو سياسياً، بل صراعاً بين روايات لغوية مختلفة تحاول كل منها تعريف الحدث بطريقة تخدم موقعها في الصراع، فالقوة التي تتحدث عن حماية الاستقرار قد تتهم بالسعي إلى الهيمنة، والجماعة التي تتحدث عن المقاومة قد تتهم بأنها ميليشيات عابرة للدولة، وبين هذه التعريفات المتناقضة يتشكل إدراك الناس لما يحدث.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن العالم المعاصر، على رغم تطور القانون الدولي ومؤسساته، لم ينجح في إنهاء الصراع على تعريف استخدام القوة أو الإرهاب على نحو دقيق، فلا تزال الدول والجماعات تحاول إعادة صياغة أفعالها العسكرية بلغة تمنحها معنى أخلاقياً أو سياسياً مقبولاً.

وهكذا يستمر الصراع، ليس فقط على الأرض، بل أيضاً على مستوى المفاهيم التي تستخدم لوصف ما يجري.

وعليه يمكن القول هنا، وفق ما هو موضح أعلاه، إن التأمل في الفرق بين مصطلحات "الفتح" و"الغزو" أو "المقاومة" و"نصرة المستضعفين" أو "مواجهة الاستكبار" و"الدفاع عن الأمة"، في مواجهة مصطلحات "الدفاع عن الأمن القومي" و"مكافحة الإرهاب" أو "حماية الاستقرار الدولي" و"دعم الحلفاء"، لا يخص الماضي وحده ولا الحاضر، بل يكشف عن آلية أعمق في التاريخ الإنساني: أن الحروب لا تخاض بالسلاح فقط، بل تخاض أيضاً بالكلمات التي تعطيها معناها.

فالتسمية، في نهاية المطاف، ليست مجرد وصف للحدث، بل جزء من المعركة على تفسيره، وفي عالم تتشابك فيه المصالح والقوى والروايات، تبقى اللغة واحدة من أهم الأدوات التي تصاغ بها صورة التاريخ في الوعي الإنساني.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء