Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إبراهيم نصرالله: الكتابة موئل الخلاص الفردي والجماعي

اكتسب فرصة "الوعي الذاتي" الذي يعني الإدراك الموضوعي للأفكار والمشاعر والدوافع

الشاعر والروائي إبراهيم نصرالله (صفحة الكاتب - فيسبوك)

ملخص

لم يأتِ منح الشاعر والروائي الأردني الفلسطيني إبراهيم نصرالله جائزة "نيوساد" الدولية للأدب عفو الخاطر، ولم تكن تصدقاً على كاتب ينتسب إلى شعب مكافح ابتُلي بالظلم والاحتلال والتهجير والإبادة، بل جاءت استحقاقاً لمسيرة نصف قرن أنفقها نصرالله، بإخلاص وكرم شديدين، على الكتابة، باعتبارها منصة للخلاص الفردي والجماعي.

الجائزة التي تمنحها كل عامين جامعة أوكلاهوما الأميركية جاءت تقديراً لمجمل أعمال إبراهيم نصرالله المولود في عمان (1954) لأبوين فلسطينيين مقتلعين من بلدتهما "البريج" غرب القدس التي احتلها الصهاينة عام 1948. وينظر إلى الجائزة التي تعرف بـ"نوبل الأميركية" بأنها من أرفع الجوائز الأدبية (قيمتها 50 ألف دولار)، بعد "نوبل" السويدية، فضلاً عن أن 30 أديباً ممن فازوا بالأولى فازوا بالثانية، وتوجوا في ستوكهولم. وقد نال الجائزة من قبل، الكاتبة الجزائرية الفرنكوفونية آسيا جبار عام 1996، والكاتب الصومالي الأنغلوفوني نورالدين فرح عام 1998، بيد أن نصرالله فاز بها عن مجمل أعماله المكتوبة بالعربية، في دلالة رمزية إلى الاعتراف العالمي بهذه اللغة التي ظلت مجهولة في المحافل الأدبية والثقافية العالمية.

في أحد الوجوه الأكثر امتلاءً بالحيوية الوجودية والإنصاف المعنوي، وفي أثناء ندوة تكريمية، نظمتها مؤسسة عبدالحميد شومان في عمان، قال صاحب رواية "زمن الخيول البيضاء" التي مثلت أعماله النثرية والشعرية: "ليس من السهل أن يكرس الإنسان حياته للكتابة، لكنه الحل الأفضل، إن استطاع إليه سبيلاً. هكذا وجدت نفسي مخلصاً لمشروعي، رفيقاً لكلماتي، حريصاً عليها، وحارساً لها من أن تتعثر بعتمة أو بضوء يعمي، كنت أريدها طيبة مثل وجوه كثيرة وقلوب كثيرة لولاها لما كنت ما أنا عليه اليوم".

هذه الحيثية التي تشكل عماد مشروع نصرالله الأدبي تتجسد في أنه تفرغ على نحو كلي للكتابة، إذا اشترى مكتباً صغيراً في منطقة الشميساني الهادئة في عمان، وشرع يتخذه مكاناً للعمل يقضي فيه يومياً زهاء 8 ساعات، ثم لما يعود إلى البيت يقضي ليله في مشاهدة الأفلام التي شغف بها منذ وقت مبكر، وكتب في نقدها كتابين مهمين "هزائم المنتصرين"، عام 2000، و"صور الوجود" 2008.

انتفاضة "الإيغو"

وفي التحليل النفسي لسلوك التفرغ القاسي للكتابة في أجواء ذاتية وموضوعية باعثة على القنوط، وحاثة على الشعور العدمي العميق باللاجدوى، أن "الإيغو" (Ego) عند نصرالله اتخذ وجوهاً ذات معان إيجابية تمثلت في وعي "التهديدات" التي أحاطت بالكاتب (على المستوى الإبداعي)، فتصدى لها بحضور إعلامي ذي أذرع متعددة عكست رغبة الكاتب في استنفار كل مواهبه، واستحضار كل أدواته وأسلحته التي استخدمها نصرالله فيما ظنه حرباً بدأت ولم تنتهِ، لذا يمكن تخيل صاحب رواية "حرب الكلب الثانية" يضع الخوذة على رأسه، والسترة الواقية على صدره، مدججاً بقلق كوني لا ضفاف له.

في غضون ذلك، عرف الكاتب شاعراً، ثم روائياً، ثم رساماً، ثم مصوراً، وناقداً سينمائياً، وكاتب أغانٍ (بعضها باللهجة الشعبية) لفرق فنية ذات التزام سياسي كفرقة "بلدنا"، وقد استثمر ذلك كله للخروج من القمقم المحلي إلى فضاء العالمية، وطفقت أعماله تترجم إلى لغات عديدة، وتصل إلى جمهور، جلهم من الشباب، وهذا يُعملق "الإيغو"، لا سيما إذا كانت الرسالة ممتزجة بقضية ساخنة نازفة بالتراجيديا التي سماها "ملهاة"، في لعب ذكي على الكلمة ذات المعاني التي تتعدى الحروف الخمسة المنطوقة.

بعيداً من الاختناق والحصار

ولعل هذه الجهود المتنوعة والغنية، منحت الكاتب فرصة "الوعي بالذات" أو "الوعي الذاتي" الذي يعني الإدراك الموضوعي للأفكار والمشاعر والدوافع، بالتالي المضي في المشروع الإبداعي بعيداً من الاختناق والحصار والتضييق الذي تفرضه المؤسسة، سواء كانت اقتصادية، أم سياسية، أم حزبية، أم ذات طابع تكتلي شللي. لهذا اختار نصرالله أن يستقل بذاته، ويكون إعلامي نفسه، والمروج لكتابته وإصداراته ومشاركاته، وألا يعتمد على مبادرات الإعلام الكسولة، ومساهمات النقد الشحيحة المختزلة، والانتقائية المحبطة المشوهة للمنجز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يكتمل التحليل "السيميائي" من دون إشارة إلى منعطف في غاية الحساسية، وهو أن انبثاق شاعرية إبراهيم نصرالله تزامن مع انفجار شاعرية "النجم" الأشد جاذبية في الثقافة الفلسطينية، ونعني به محمود درويش الذي كان طغيان موجه قادراً على إغراق جزيرة برُمَّتها، وأضحى الانفكاك من أسر درويش من أكبر التحديات التي واجهها الشعراء، وبخاصة الفلسطينيين، الذين سار كثير منهم في ظلاله، وأنشأوا قصائدهم على منواله. ولم يفلت من قيود درويش إلا من كتبت له النجاة، عبر التمرد على الأب، وكسر جسور التواصل معه حتى على المستوى الاجتماعي. ومن فعلوا ذلك كانوا قلة.

عقدة محمود درويش

في وسط هذا الحصار كان على إبراهيم نصرالله أن يفلت بجلده، ويسلك طريقاً يوفر له "شهوة الحضور" من دون "التنازل" المتمثل في مباركة المنجز الدرويشي الذي شكل عقدة لجيلين أو أكثر من الشعراء. ومر وقت كان لا يعترف بالشاعر إلا إذا باركه وعمده صاحب "مديح الظل العالي"، الذي لم يعترف بأبوة أحد قبله سوى الشاعر عبدالكريم الكرمي، وعنه قال درويش: "أنت الجذع الذي نبتت عليه قصائدنا"، فيما شغف نصرالله بإبراهيم طوقان، ووجد فيه الرمز الشعري الفلسطيني الأهم، وحدث أن كان اسم الشاعرين واحداً، ولهما شقيقتان اسمهما فدوى.

وربما (وهذا افتراض أولي) لو لم يكن هذا التحدي الذي فرضه درويش، وتأثر به نصرالله، لما كان الثاني مهجوساً بفكرة "التفوق"، وربما برغبة "التجاوز"، واعتبار أن القمة تتسع للكثيرين. ويمكن في ضوء الافتراضات الأولية رد الإنجازات الأدبية التي أبدعها نصرالله، في حقول متنوعة، إلى مفهوم "التحدي والاستجابة" فكلما زاد التحدي، تصاعدت قوة الاستجابة، فهل يكون درويش في هذه الحالة هبة؟

ما قدمه نصرالله في إعادة كتابة المنسي والمضمر في التاريخ الفلسطيني، وتأريخ سيرورة الكفاح الفلسطيني، على مدى أكثر من قرنين، يعد من أكثر المشاريع الإبداعية التي أنجزها كاتب بمفرده، وهو ما تعجز عنه مؤسسات. ولذلك يتعين النظر إلى هذا المنجز الذي تمثل بصورة واضحة في سلسلة "الملهاة الفلسطينية"، بعين واقعية، ونقل هذا المحتوى الغزير بالتفاصيل إلى الشاشة، أو إلى منصات البث الرقمي التي لا تحتكم كثيراً لقوانين السوق وإكراهات السياسة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة