ملخص
يشهد النظام الإيراني أخطر تحدٍّ وجودي مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية والقمع العنيف والتدخلات الخارجية، وسط سيناريوهات متباينة تمتد من تشديد القبضة الأمنية إلى ضربات أميركية محتملة أو عودة رضا بهلوي، في ظل مستقبل سياسي غامض للبلاد.
تفجر الغضب بسبب التدهور الاقتصادي وعقود من الحكم الاستبدادي في إيران على شكل تظاهرات عمت شوارع المدن الكبرى في جميع أرجاء البلاد.
وعلى مدى أسبوعين، دعا المحتجون الذين خرجوا في تظاهرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد إلى تغيير النظام، مرددين هتاف "الموت للديكتاتور"، فيما طالبوا في بعض الأحياء بالعودة للنظام الملكي بعدما أطاحته ثورة عام 1979 التي قامت على أثرها الجمهورية الإسلامية الحالية.
وقد قابلت الحكومة الإيرانية، التي لا تزال تعاني تداعيات حرب كارثية دامت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة العام الماضي، هذه الاحتجاجات بحملة قمع دموية. وصرح مسؤول لوكالة "رويترز" أن عدد القتلى قد يصل إلى ألفي شخص. واعتقل أكثر من 10 آلاف شخص. ولا يزال الحظر الشامل على الاتصالات سارياً في معظم أنحاء البلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد لوح دونالد ترمب مراراً وتكراراً بشن عمليات عسكرية وفرض عقوبات، فيما صرح الثلاثاء الماضي بأنه ألغى جميع اجتماعاته مع المسؤولين الإيرانيين الذين تواصلوا معه طالبين التفاوض. وحث المتظاهرين على مواصلة احتجاجاتهم والاستيلاء على المؤسسات. وقال، "احفظوا أسماء القتلة والمعتدين، فإنهم سيدفعون ثمناً باهظاً"، مضيفاً أن "المساعدة في طريقها إليكم".
من جانبه يصر النظام على أنه لا يزال يمسك بزمام الأمور فيما حذر من أنه سيضرب أهدافاً إسرائيلية وأميركية في المنطقة بقوة في حال تعرضه لهجوم.
وهذه المرة الأولى التي يقول فيها الخبراء الإيرانيون إن هذا هو أخطر تهديد وجودي على الحكم الديني في إيران. فماذا يمكن أن يحدث تالياً؟
السيناريو الأسوأ: مزيد من القمع الدموي من دون أي تغيير
قوبلت الاحتجاجات بعنف شديد. وتفيد الشهادات القليلة التي تمكن المدنيون من إيصالها عبر اتصالات بواسطة الأقمار الاصطناعية بأن السلطات أطلقت النار على المتظاهرين. وحديثاً، ظهرت مقاطع فيديو مروعة تظهر مئات الجثث التي تملأ أحد مراكز الطب الشرعي في جنوب طهران. وتلقي الحكومة باللوم فيما يتعلق بعدد القتلى على أعمال الشغب وعلى "الإرهابيين المحليين".
ويخشى أن تخمد هذه الاحتجاجات في ظل تصعيد موجة القمع والاعتقالات الجماعية، بخاصة إذا لم تتدخل قوى خارجية لمواجهة فيلق الحرس الثوري الإيراني القوي وغيره من الأجهزة المسلحة التابعة للدولة، على رغم وعود ترمب.
وتلفت نجار مرتضوي، مقدمة المدونة الصوتية "ذا إيران بودكاست" The Iran Podcast والزميلة البارزة في مركز السياسة الدولية الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له، على رغم أن النظام هو "الطرف الأضعف" في الوقت الحالي، بخاصة بعد تعرضه للقصف الإسرائيلي العام الماضي، إلا أنه لا يزال يتمتع بسيطرة مركزية قوية.
وتوضح، "نعم، إن شرعيتهم في أزمة، وأننا نرى الناس يخرجون إلى الشوارع للاحتجاج مرة كل عامين، لكنهم لم يتمكنوا أبداً من تشكيل أزمة وجودية للنظام... فالنظام يحتكر السلاح والسلطة والعنف".
في غالب الأحيان، لم يلجأ المتظاهرون إلى العنف.
بصرف النظر عن الفصائل المسلحة الصغيرة مثل الحركات الانفصالية الكردية والبلوشية، ليس في إيران أي جيوش متمردة قادرة على هزيمة النظام، كما حدث في سوريا أو ليبيا.
ويخشى أن تستمر حملة القمع مع استمرار الاعتقالات والتعذيب والقتل.
النتيجة الأكثر غموضاً: ترمب يقصف إيران وعقوباته الجديدة تؤتي ثمارها - وماذا بعد؟
ضاعف دونالد ترمب من تهديداته بشن ضربات عسكرية على إيران، بعدما انضم إلى إسرائيل في قصف البلاد العام الماضي. ووعدهم الثلاثاء الماضي بأن "المساعدة في طريقها" بعد ساعات قليلة من إصدار أمر للمواطنين الأميركيين بمغادرة إيران على الفور. كما أعلن ترمب عن فرض رسوم جمركية شاملة بنسبة 25 في المئة على الدول التي تقوم بالتجارة مع إيران، مما سيؤدي إلى تعزيز الضغط الاقتصادي على النظام.
وقد يدفع ذلك دولاً مثل الإمارات العربية المتحدة والصين وتركيا والهند إلى خفض مستوى علاقاتها الاقتصادية مع طهران في هذه اللحظة الحرجة.
كانت الحرب التي دامت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة العام الماضي كارثية على إيران، حيث دمرت أجزاء كبيرة من بنيتها التحتية العسكرية، بما في ذلك الدفاعات الجوية والمنشآت النووية. واستهدفت قيادتها العسكرية.
ومع أن إيران تعهدت برد صاروخي سريع يستهدف إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة في حال تعرضها لهجوم، إلا أنه لا يزال من غير الواضح كيف تنوي تنفيذ ذلك. فقد أضعف حلفاؤها الإقليميون في دول مثل لبنان وسوريا والعراق بسبب العمليات الإسرائيلية المستمرة، وأصبحوا بالتالي أقل قدرة أو رغبة في تقديم يد العون لها.
"وبغض النظر عن شرعية أي ضربة محتملة وعن عدد الضحايا المدنيين، هل سيساعد ذلك المتظاهرين أم لا؟" يكتب بلال صعب من مركز بحوث "تشاتام هاوس"، أننا ببساطة لا نعرف.
ويضيف "يتوقف كثير على طبيعة الضربة، ورغبة ترمب في تنفيذها وقدرته على وضع خطة لما بعد الضربة. قد تراوح آثارها بين الكارثة والخلاص".
إذا ما كان الهجوم هجوماً منفرداً واستعراضياً إلى حد كبير، فقد يؤدي إلى تشدد النظام ضد المتظاهرين الذين يتهمهم بالفعل بتلقي تمويل من جهات أجنبية.
وحتى لو استهدف ترمب المرشد الأعلى علي خامنئي أو أجبره على الفرار، فإن الدستور الإيراني ينص على خطة طوارئ لتعيين خليفة له. وكما يشير صعب، فإن الحرس الثوري الإيراني الوحشي والمنظم قد يتولى السلطة رسمياً.
فهل سيكون ترمب، الذي يصف نفسه بأنه صانع سلام وبطل مبدأ "أميركا أولاً" في السياسة الخارجية، على استعداد للذهاب إلى أبعد الحدود من أجل تغيير النظام - والانتظام في احتلال عسكري طويل الأمد قد يكون كارثياً كما حدث في العراق بعد العام 2003؟ يشير تدخله الأخير في فنزويلا إلى أنه غير مستعد للالتزام بتغيير النظام بالكامل.
ومع ذلك، فقد "شجعت" تصريحات ترمب المتظاهرين، لدرجة أنهم رفعوا لافتات تشيد به كما توضح جيسو نيا، محامية حقوق الإنسان الأميركية - الإيرانية التي تعمل في المجلس الأطلسي.
وسيواجه النظام صعوبة في الدفاع عن نفسه عسكرياً وقمع الاحتجاجات المتصاعدة في جميع أنحاء البلاد في الآن ذاته، بخاصة إذا أضعفت تلك الضربات كافة أدوات القمع الداخلي، بما في ذلك قوات الباسيج، وهي قوة شبه عسكرية تطوعية ضمن الهيكل الأوسع للحرس الثوري الإيراني.
"الحل التجميلي": النظام يتفاوض مع الولايات المتحدة ويقترح إجراء إصلاحات غامضة فيما يحتفظ بالسلطة
ومن بين الخيارات المتاحة أن يقوم النظام بإجراء تعديلات شكلية إلى حد كبير، مثل إصلاحات اقتصادية محدودة أو تغيير خطابه نحو القومية بدلاً من الأيديولوجية. ويمكن أن يترافق ذلك مع مفاوضات مباشرة مع ترمب لتجنب الضربات العسكرية وتشديد العقوبات.
لكن هذه الإصلاحات ستكون أقل بكثير من مستوى مطالب المتظاهرين الذين دعوا صراحة إلى إطاحة النظام، ولكن في خضم موجة الاعتقالات والإعدامات، قد يؤدي الخوف إلى إخماد أي تحركات أخرى. وستتلاشى أي آمال في الحصول على دعم خارجي ضد أجهزة الدولة المسلحة إذا ما بدا أن ترمب يتفاوض مباشرة مع القيادة العليا في إيران.
الاحتمال الأقل ترجيحاً: عودة الأمير المنفي إلى إيران لـ"الإشراف" على الانتقال نحو الديمقراطية - أو حتى الفيدرالية؟
منذ اندلاع الاحتجاجات، حث ولي العهد السابق رضا بهلوي، الذي يعيش في المنفى في الولايات المتحدة منذ عشرات السنين، المتظاهرين على النزول إلى الشوارع. بل إنه أعرب عن استعداده للعودة إلى إيران، على رغم أنه لم يزر البلاد مرة منذ العام 1979، عندما أطيح والده، آخر شاه تولى العرش في إيران.
لا يزال بهلوي يتمتع بقاعدة دعم متواضعة من مؤيدي النظام الملكي، وقد ردد بعض المتظاهرين هتافات "يعيش الشاه". وقد أعلن نفسه حاكماً على إيران في حفل أقيم في مصر عام 1980، بعد عام واحد فقط من إسقاط حكم والده، لكنه نأى بنفسه منذ ذلك الحين عن الدعوات إلى استعادة عرش إيران.
وبدلاً من ذلك، وضع خطة انتقالية مدتها 100 يوم، وأخبر الصحافيين أنها "لا تتعلق بالعودة إلى الماضي"، بل بتأمين مستقبل ديمقراطي "لجميع الإيرانيين".
وفي العام الماضي قال لصحيفة "بوليتيكو" إن هدفه الرئيس هو تولي زمام الأمور في إيران خلال هذه المرحلة الانتقالية. واقترح عقد مؤتمر دستوري يضم ممثلين إيرانيين يجتمعون لوضع تسوية جديدة يصدق عليها من طريق إجراء استفتاء.
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت نيته إعادة النظام الملكي، قال في يونيو (حزيران) الماضي، "لن أكون أنا من يقرر ذلك. دوري هو التأكد من عدم تهميش أي صوت سواء كان جمهورياً أو ملكياً، يسارياً أو يمينياً".
وتتمتع إيران بتنوع غني. وتشكل الأقليات العرقية، بمن في ذلك الأذريون والأكراد والعرب والبلوش ما يقارب نصف السكان، وفقاً لمركز البحوث "المجلس الأطلسي". وكثيراً ما اتهم هؤلاء الحكومة المركزية بالتمييز ضدهم. ويسعى البعض إلى مزيد من الحكم الذاتي وحتى الاستقلال.
وأخبرت شخصيات كردية إيرانية معارضة صحيفة "اندبندنت" هذا الأسبوع أنها ستضغط من أجل إقامة نظام فيدرالي يمنح مناطق مثل كردستان حكماً شبه ذاتي. وهي تعارض بشدة عودة بهلوي.
بالنسبة إلى غالب الخبراء، يظل هذا الاحتمال هو الأقل ترجيحاً. فحجم التدخل الخارجي المطلوب لتنصيب بهلوي أو إعادة هيكلة النظام الإيراني بصورة جذرية وتحويله إلى نظام فيدرالي سيكون هائلاً. ومن غير الواضح مدى شعبية أي من هذين الخيارين بالنسبة إلى شعب يبلغ تعداده نحو 90 مليون نسمة.
© The Independent