Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل نجا النظام الإيراني من تهديدات ترمب؟

كيف يمكن فهم الموقف الأميركي والإقليمي في إطار التطورات الماضية؟

تدخل ترمب بتصريحات متدرجة ما بين دعم المتظاهرين وتهديد إيران بتوجيه ضربة للنظام (أ ف ب)

ملخص

هل تأمن إيران قرارات ترمب؟ هل لم يعد الخيار العسكري مطروحاً؟ هل سيشهد المستقبل القريب محادثات إيرانية- أميركية؟ وما العوامل المتداخلة في القرار الأميركي وما تداعيات الاحتجاجات؟

إذا أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخيار العسكري في مواجهة إيران حالياً (موقتاً)، فهذا يعني أن الهدف كان أن تأتي طهران إلى التفاوض لا كصانع السجاد المثابر والمتأني لأعوام، بل كلاعب الشطرنج الذي فقد الوزير منذ اليوم الأول، وحالياً صار محروماً من أفياله وأحصنته وقلعته وغالبية بيادقه، وأن تتخلى إيران عن خطوطها الحمراء الخاصة بالتخصيب النووي والصواريخ الباليستية وما يتعلق بوكلائها.

"الاضطرابات انتهت والبلاد أصبحت تحت السيطرة الكاملة"، تصريح لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد تصريحات لترمب بأن لديه معلومات أن طهران لن تعدم المتظاهرين، ومن ثم التزمت الخط الأحمر الذي حدده للتدخل العسكري.

هل تأمن إيران قرارات ترمب؟ هل لم يعُد الخيار العسكري مطروحاً؟ هل سيشهد المستقبل القريب محادثات إيرانية- أميركية؟ ما بين الخيارات العسكرية والدبلوماسية ما العوامل المتداخلة في القرار الأميركي وما تداعيات الاحتجاجات؟

أولاً، اندلعت الاحتجاجات في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2025 لأسباب اقتصادية ثم سرعان ما تحولت إلى مطالب اجتماعية وسياسية، بل وصلت إلى تغيير النظام الإيراني.

تدخل ترمب بتصريحات متدرجة ما بين دعم المتظاهرين وتهديد إيران بتوجيه ضربة للنظام، إلى أن بدأت مؤشرات التحركات العسكرية، فدُفعت ثلاث مدمرات مزودة بصواريخ موجهة إلى الشرق الأوسط، في وقت دخلت حاملة الطائرات "ثيودور روزفلت" البحر الأحمر ضمن تحركات بحرية متسارعة في المنطقة وإلغاء بعض الدول رحلاتها الجوية إلى إيران ومطالبة الدول الأوروبية مواطنيها بمغادرتها.

وجاء التحول إلى تعليق حال تأهب القاذفات الأميركية التي تحركت من أجل إيران، وإعادة فتح المجال الجوي الإيراني، بعد أن كادت واشنطن توجه ضربات لإيران على وقع الاحتجاجات الشعبية المستمرة لأكثر من أسبوعين. وفجأة أعلن الرئيس ترمب أن إيران أوقفت تنفيذ إعدام المتظاهرين.

قبلها تعاطف ترمب مع المحتجين وشجعهم على اقتحام المؤسسات ووعدهم بالمجيء إلى طهران، وأطلق كثيراً من التهديدات ثم هدأت الأمور، وهنا يجب تسجيل بعض الملاحظات على ما جرى خلال الأيام الماضية.

ثانياً، كيف يمكن فهم مواقف أميركا وإيران والإقليم في إطار التطورات الماضية؟

على رغم اعتياد النظام الإيراني على الاحتجاجات خلال الأعوام الأخيرة، فإن تلك التظاهرات تختلف من ناحية سياقها الداخلي والإقليمي، فداخلياً بدأت الاعتراضات من تجار البازار الذين اعتمد عليهم النظام في بداية تأسيسه للحصول على الدعم المادي والاجتماعي، وكانوا جزءاً من شبكة مصالح مرتبطة به، مما شكل موقفاً حرجاً للنظام.

لذا سارعت الحكومة الإيرانية إلى احتواء التحركات والاعتراف بحق المحتجين في الاعتراض، مؤكدة اتخاذ بعض الإجراءات الاقتصادية وتشكيل لجنة للتفاوض مع قادة المتظاهرين وأجرت بعض السياسات البسيطة لاحتواء الأزمة عبر زيادة الدعم النقدي المقدم لبعض الأسر، وكذلك الدعم المقدم لبعض الجهات الصناعية، وشددت على الإفراج عن السلع الغذائية والبضائع الموجودة في الموانئ.

ومع ذلك استمرت الاحتجاجات وصعد ترمب تهديداته وأصبح المشهد يتأرجح بين المطالبة بإسقاط النظام الإيراني وانتظار الضربة الأميركية.

من جهة أخرى، عكس تعدد المطالب بين المتظاهرين عدم وجود معارضة متماسكة وموحدة لها قيادة معروفة، فهناك من يطالبون بعودة الملكية وآخرون يرفضونها، معتبرين أن نجل الشاه رضا بهلوي لم يمارس العمل السياسي والإداري فوق الأعوام الـ50، وليست لديه قاعدة شعبية.

وكان لتصريح ترمب باستعداده ضرب إيران تأثيراته الكبيرة، إذ شجع المحتجين على الاستمرار في التظاهر وشجع النظام الإيراني على التعامل بعنف ثم ربط التحركات بأطراف أجنبية. وفي ظل التصعيد أعلن الرئيس الأميركي أن لديه معلومات تفيد بأن طهران لن تعدم المتظاهرين، معتبراً أن النظام لم يتخطَّ الخطوط الحمراء التي وضعها.

من جهة أخرى، أعلن ترمب أن إيران بادرت بطلب التواصل مع واشنطن والعودة للمفاوضات، وفي حين تصاعدت التحركات العسكرية التي أوحت بالضربة، إلا أنه كان هناك من الأسباب ما ترجح عدم حدوثها الآن، ومن ذلك التقييمات السياسية والعسكرية المتعلقة بالضربة الأميركية.

ويرتبط بالضربة الأميركية سؤالان مهمان، الأول هدفها والثاني مدى نطاقها وشدتها، أي ما الأهداف التي يمكن أن توجه إليها. والسؤال الثالث ما هي تداعياتها على إيران.  فإذا كانت تستهدف إسقاط النظام الإيراني فالسؤال هنا يتعلق باليوم التالي، أي من البديل فلا يوجد بديل في الداخل، ومن جهة أخرى فإن توجيه ضربة تعلق بالهدف الرئيس للنظام الإيراني وهو الحفاظ على بقائه، لذا فإن إيران قد ترد على أي من الأهداف الأميركية في المنطقة، فضلاً عما قد يترتب في المنطقة من فوضى داخل إيران ستنتقل حتماً إلى خارج حدودها.

ومن جهة أخرى، تعلقت الأسئلة بمدى وحدود الضربة وهل تكون موسعة أو محدودة تشمل أهدافاً محددة أو عسكرية مثل البنى التحتية الخاصة بالصواريخ الباليستية أو بالأصول النووية، أو كما أشارت التقديرات الأميركية إلى أنها قد توجه نحو المؤسسات الأمنية التي تتعامل مع المتظاهرين أي الشرطة و"الباسيج".

والسؤال الأهم هل بعد الضربة المحدودة سيتم تغيير سلوك النظام. وكان من الواضح أن ترمب يحاول الضغط على إيران بأقصى قدر عسكرياً واقتصادياً وداخلياً، ففضلاً عن تشجيعه المتظاهرين على الاستمرار والتهديدات بالتدخل العسكري والتحركات التي صاحبت تهديداته، هدد ترمب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25 في المئة على الدول التي تتعامل مع إيران تجارياً، مما يعني أن هدف ترمب فرض عزلة اقتصادية كاملة على إيران والقضاء على أية منافذ كانت تحاول أن تستفيد منها اقتصادياً، ومن ثم كان الهدف الرئيس لترمب إضعاف النظام الإيراني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن ثم فإن هدف القضاء على النظام لم يكُن مطروحاً، ولا سيما في الوقت الحالي، فإيران الدولة المنهكة والمستنزفة سياسياً واقتصادياً وتفقد مع الوقت شرعية نظامها لدى المواطنين قد يكون هدفاً أفضل لواشنطن وإسرائيل وكلفته أقل من إسقاط النظام بضربات عسكرية.

لذا وفي إطار استمرار ضغط ترمب على إيران وعلى رغم بوادر التهدئة بينهما بما يعني إرجاء الخيار العسكري وفتح المجال الجوي الإيراني وعودة الجنود الأميركيين لقاعدة العديد، لا يمكن القول إن إيران تطمئن لترمب لأنها تعي أن الخيار العسكري على رغم إرجائه موقتاً لا يزال مطروحاً، إضافة إلى الخيار الدبلوماسي ضمن مقاربة ترمب تجاه إيران، وأن التوقيت ومدى مرونة إيران تجاه ترمب هما معيار تحديد أي الخيارين سينتهجه.

ثالثاً، ثمة تواصل غير معلن عبر وسطاء دفع ترمب إلى إرجاء الخيار العسكري، لكن إيران تعي أنه لم ينتهِ وأن ترمب مستعد لضربة عسكرية، لكن ما يريده ربما يحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يمكن توجيه ضربة قصيرة وحاسمة لأن ترمب والرأي العام الأميركي لا يتحملان حرباً طويلة، وأن تحقق هذه الضربة هدفاً محدداً وحينها من المرجح أن تنضم إليها إسرائيل، ولا يمكن كذلك إنكار دور العامل الحاسم لدول الخليج العربي، فقد تحدثت إيران إلى الدول الخليجية لإقناع ترمب بعدم مهاجمتها، لما سيكون لذلك من تأثيرات خطرة على الأمن الإقليمي والاستقرار في المنطقة والعالم.

رابعاً، أصبح من الملح داخل النظام الإعداد لترتيبات ما بعد وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، وستعمل كل القوى السياسية والعسكرية داخل النظام على الاستعداد للحظة انتقال السلطة داخل النظام القائم التي سيكون للحرس الثوري دور فيها، ومن جهة أخرى دور التيار الإصلاحي، ولا سيما أن الرئيس السابق حسن روحاني وحسن الخميني حفيد مؤسس النظام الإيراني من الأسماء التي تتردد في شأن خليفة المرشد.

مسألة ما بعد خامنئي يبدو أنها ستكون محل اهتمام دوائر صنع القرار الغربية حتى يمكن التدخل في مشهد ما بعد خامنئي والذي ربما تكون تقوية التيار الإصلاحي أحد خياراته، أو فتح تواصل مع الجيش الإيراني لتقوية مركزه في مواجهة الحرس الثوري، وربما الاتفاق مع الحرس الثوري للإمساك بمقاليد الأمور بشرط تغيير في السياسة الإقليمية لإيران.

في كل الأحوال، وحتى لو انتهت الاحتجاجات، فهذا لا يعني أنها لن تتكرر في أي وقت، فالفعل الثوري الإيراني موجود ويتحرك كلما ازدادت الأوضاع سوءاً، وحتى لو نجا النظام الإيراني من التهديد العسكري لإسقاطه من واشنطن، فهذا لا يعني أنه سيكون أكثر استقراراً وأماناً، إذ لا تزال جذور المشكلات الاقتصادية والسياسية بلا حل، مما يجعل النظام يتحلل داخلياً من دون تدخل خارجي. أما الآن فيبدو على وقع تراجع ترمب موقتاً وتصريحات إيران بانتهاء التظاهرات أنه من المرجح أن تبدأ مفاوضات مقبلة تتضمن الملف النووي والقيود على الصواريخ الباليستية والعلاقة مع "حزب الله"، ولا سيما مسألة نزع سلاحه، وكذلك دور الحوثيين في البحر الأحمر وبيع النفط والعلاقة مع الصين.

المؤكد أن أكبر أزمتين واجهتا إيران خلال الأعوام الأخيرة هما حرب الـ12 يوماً والاحتجاجات الحالية وكلتاهما أثبتت أن أهم عوامل استقرار النظام التفاف المواطنين حوله والعلاقات الجيدة مع جيرانه، حيث دور الوسطاء بين إيران وواشنطن.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء