Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

واشنطن وطهران: 4 عقود من اللعب على حافة الحرب

معادلة الردع والعقوبات وحروب الوكلاء التي شكلت علاقة البلدين، ربما تتصدع اليوم تحت ضغط الشارع الإيراني الغاضب

العلاقة بين واشنطن وطهران سلسلة من الصدامات غير المتكافئة  (غيتي) 

ملخص

الصدام بين واشنطن وطهران منذ الثورة الإسلامية 1979 ارتكز على مزيج من العقوبات والضغط الاقتصادي وحروب الظل عبر وكلاء في لبنان والعراق واليمن، مع تبادل محدود للضربات المباشرة مثل حرب الناقلات وأزمة الرهائن، واستهداف المنشآت النووية بهجمات سيبرانية، وصولاً إلى حرب الأيام الـ12 وضربات قواعد أميركية. هذه المواجهات المدروسة سمحت للطرفين برفع الكلفة على الآخر دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن مشهد الاحتجاجات اليوم في الشارع الإيراني الغاضب يثير التساؤلات عن نهاية حرب الظل.

لم يكن إشعال السيجارة فعلاً عابراً، ولا صورة خامنئي التي تحترق مجرد فعل غاضب من جماهير ثائرة. فحين انحنت فتيات في مقتبل العمر وأشعلن سجائرهن من النار التي تلتهم صورة المرشد الأعلى، بدا المشهد وكأنه اختزال مكثف لأكثر من أربعة عقود من الصدام، جيل لم يعش ثورة 1979 لكنه يحترق اليوم باستبداديتها. فتلك اللحظة، لم تكن إيران في مواجهة احتجاجات داخلية فحسب، بل في قلب معركة أعمق تتقاطع فيها شرعية النظام وغضب الشارع الذي عاش مرارة القمع اليومي، مع صراع طويل مع الولايات المتحدة عاد ليطل برأسه من جديد. 

منذ الأيام الأولى للجمهورية الإسلامية التي تأسست بزعامة آية الله روح الله الخميني بعد استيلائه على الثورة، لم يكن العداء للولايات المتحدة مجرد موقف سياسي، بل هوية النظام الجديد. وصفها الخميني بـ"الشيطان الأكبر"، وتحول الصدام معها إلى أداة لتوحيد الداخل وتبرير قمع المعارضة وإقصاء خصومه ومنافسيه السياسيين تحت عنوان "حماية الثورة". غير أن أربعة عقود من القمع السياسي والديني والاجتماعي، كانت كافية لتفريغ هذا الخطاب من محتواه، فأجيال ولدت بعد الثورة، لم تعش لحظة سقوط الشاه أو أزمة الرهائن الأميركيين، لكنها عاشت أزمات اقتصادية خانقة وقيود اجتماعية صارمة، ولم يعد العداء لـ"لإمبريالية" كما سُوق له سابقاً، أداة قادرة على إنتاج الشرعية أو كبح الغضب. 

لكن هذا العداء، الذي شكل العمود الفقري لخطاب النظام طوال أكثر من أربعة عقود، لم يبق ثابتاً في شكله أو أدواته، وتأرجح بين التصريحات والصدام غير المباشر الذي كاد في مرات عدة يشعل حروباً لولا رغبة الطرفين في الاكتفاء باللعب على الحافة. فمنذ عام 1979، مرَّ الصدام بين واشنطن وطهران بمحطات حاسمة وساحات مواجهة متعددة، من السفارات إلى مياه الخليج ومن الأرض إلى الفضاء الإلكتروني، ومن العقوبات إلى حروب بالوكالة. واليوم مع اشتعال الشارع الإيراني، يبدو أن الصراع يدخل واحدة من أكثر مراحله حساسية، إذ لم تعد المواجهة خارج الحدود فحسب، بل داخلها. 

أزمة الرهائن عام 1979

وأكد الاستيلاء على السفارة الأميركية لدى طهران خلال الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979 أوراق اعتماد إيران المعادية للغرب. فكان نوعاً من الإذلال أن يشاهد العالم مواطنين أميركيين وهم مقيدون بالأصفاد ومعصوبي العين في حوزة مجموعة من الطلاب المسلحين طوال 444 يوماً، بينما تعجز الحكومة الأميركية عن تحريرهم، مما ترك أثراً عميقاً في الوجدان الأميركي. وكما وظف أتباع الخميني على مدار تاريخهم العداء لأميركا سياسياً بالداخل، أصبح النظام الإيراني واحداً من أعداء أميركا العلنيين، وحاضراً في الخطاب السياسي والفعاليات الانتخابية. 

تحولت العلاقة بين واشنطن وطهران منذ ذلك الوقت إلى سلسلة من الصدامات غير المتكافئة، تحكمها حسابات دقيقة لتجنب الانفجار الشامل. فخلال الثمانينيات تصارع الطرفان في مياه الخليج العربي، خلال الفترة 1984-1988 حين هاجمت إيران والعراق الموانئ النفطية لكل منهما في الخليج وضربتا، بل وأغرقتا 250 ناقلة نفط عملاقة، وذلك ضمن خضم حرب بينهما استمرت لثمانية أعوام وخلفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضراراً بالغة بالاقتصاد البلدين. 

حرب الناقلات

التزمت الولايات المتحدة آنذاك دور المراقب حتى عام 1986، عندما شرعت إيران في استهداف ناقلات النفط الكويتية فطلبت الكويت حماية أميركية، ترددت واشنطن أولاً في تقديمها ثم قررت نشر سفن حربية في الخليج لمرافقة الناقلات الكويتية. وخلال مايو (أيار) 1987، بينما كانت الفرقاطة الأميركية "ستارك" تبحر بهدوء في مياه الخليج العربي، انفجرت فجأة جراء صاروخ "إكسوزيت" أطلقته طائرة مقاتلة تابعة لجيش صدام حسين في العراق ظناً منها أن الفرقاطة هي للجيش الإيراني، قتل عدد من طاقم السفينة وجرح كثر آخرون. ليبدأ مع ذلك الحدث أحد أكثر النزاعات الغامضة في التاريخ الأميركي، والذي أطلق عليه "حرب الناقلات". 

وقعت "حرب الناقلات" في ذروة الحرب الكبرى بين إيران والعراق، خلال الأعوام الأخيرة من إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان. فمع خسارتهم ساحة المعركة، قرر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله الخميني آنذاك إغلاق الخليج العربي في وجه السفن المحملة بالنفط العراقي، التابعة للدول الداعمة لصدام حسين وعلى رأسها الكويت والإمارات. وهددت إيران بأنها لن تترك طرق الملاحة آمنة في الخليج إذا ما بقي الطريق إلى مينائها النفطي في جزيرة "خرج" مهدداً.

يقول الكاتب الأميركي لي ألن زاتاريان ضمن كتابه الصادر خلال يناير (كانون الثاني) 2009 "حزب الناقلات: أول حرب لأميركا ضد إيران 1987-1988"، إن هذا التدخل أدى إلى ساحة صراع مفتوحة، وزرع الإيرانيون الألغام في مضيق هرمز وأطلقوا قوارب هجومية ضد كل من الناقلات والسفن الحربية الأميركية. وبالفعل اصطدمت سادس أكبر سفينة في العالم، الناقلة الأميركية "أس أس بريدجستون"، خلال الـ24 من يوليو (تموز) 1987 بلغم إيراني وغرقت، وخاضت بعدها القوات البحرية الأميركية أكبر معركة منذ الحرب العالمية الثانية ضد زوارق هجوم آية الله.

في هذه الأثناء، وصلت قوات البحرية الأميركية "سيلز" إلى الخليج لمحاربة الإيرانيين. ويقول الكاتب الأميركي "جلس صدام حسين، الذي حرض على الصراع، يشاهد إطلاق إيران الصواريخ ضد السفن الأميركية، وهي أعمال لو أعلن عنها خلال ذلك الوقت، فسيتطلب من الكونغرس إعلان حرب ضد إيران". 

وخلال يوليو 1988، أطلق البحارة على متن السفينة الحربية (يو أس أس فينسنس) النار على طائرة إيرانية تحلق في الجو، مما أسفر عن مقتل 300 مدني، وجاءت هذه الحادثة قبل شهر واحد من نهاية الحرب، وربما كانت القشة الأخيرة للسيطرة على آية الله. فخلال أغسطس (آب) 1988، رفعت إيران دعوى لوقف إطلاق النار فقط بعد تعرضها لهزيمة كارثية على الأرض. 

حرب الظل

ومع نهاية الحرب العراقية - الإيرانية دخل الصدام مرحلة جديدة أقل صخباً وأكثر تعقيداً، فانتقلت المواجهة من السفن والطائرات إلى ساحات وكيلة وتمحور الصراع إلى "حرب الظل". فلم تعد الصواريخ تطلق مباشرة بين واشنطن وطهران، بل عبر وكلاء وضربات محسوبة لا تحمل توقيعاً رسمياً. فاعتمدت إيران على شبكة وكلاء إقليميين مستفيدة من الفراغات التي خلفتها الحروب الأميركية داخل الشرق الأوسط. ففي لبنان، تحول "حزب الله" إلى ذراع ردع وصدام في مواجهة المصالح الأميركية، وفي العراق وجدت طهران فرصتها التاريخية لترسيخ حضورها بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003 عبر نسج علاقات عميقة مع أحزاب وميليشيات وقوى سياسية. وشكل العراق بالفعل إحدى أكثر ساحات الصدام حساسية بين واشنطن وطهران، وفي أكثر من محطة تعرضت السفارة الأميركية لدى بغداد لهجمات مباشرة أو غير مباشرة، عكست طبيعة حرب الظل وحدودها القصوى. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاءت أبرز هذه المحطات خلال ديسمبر (كانون الأول) 2019، عندما اقتحم محتجون وأنصار فصائل مسلحة موالية لإيران محيط السفارة الأميركية لدى بغداد وأضرموا النار في أجزاء من مبانيها الخارجية، ضمن مشهد أعاد للأذهان صور اقتحام السفارة لدى طهران عام 1979. وقبل ذلك وبعده، تكررت الهجمات الصاروخية على محيط السفارة، نسبت إلى فصائل مسلحة مرتبطة بإيران. وامتدت هذه الهجمات لتطال القواعد العسكرية التي تضم قوات أميركية منذ بداية العقد الماضي، فتعرضت قواعد مثل عين الأسد في الأنبار والتاجي شمال بغداد وصولاً إلى "برج 22" داخل الأردن لهجمات صاروخية تشنها فصائل موالية لإيران. 

وجاء التحول الأخطر في الصراع بين البلدين مطلع عام 2020، عندما اغتالت الولايات المتحدة قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني ضمن غارة جوية استهدفته أثناء زيارته العراق، لترد إيران مباشرة بقصف قاعدة عين الأسد بصواريخ باليستية، في أول مواجهة عسكرية معلنة بين الطرفين، لكنها لم تتطور إلى حرب وجرى احتواء التصعيد ليعود الصراع سريعاً إلى مساره غير المباشر عبر الوكلاء. وبالمثل جرى الأمر في سوريا واليمن حيث أصبحت ساحات الصراع منصات لتصفية الحسابات مع واشنطن من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

وفي حين تكثفت هجمات الميليشيات على القواعد الأميركية، لا سيما باستخدام الطائرات المسيرة، استطاعت إيران الحفاظ على هامش الإنكار السياسي. ومن جانبها استخدمت الولايات المتحدة أدواتها الخاصة في المواجهة، التي ارتكزت أساساً على العقوبات الاقتصادية المشددة واستهداف الشبكات المالية واللوجيستية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ودعم طهران للجماعات المسلحة داخل المنطقة. وإلى جانب الضغط الاقتصادي، ظل البعد الاستخباراتي والسيبراني حاضراً كأداة ردع غير معلنة، فخلال عام 2010 كُشف عن استهداف منشأة نطنز النووية الإيرانية بفيروس "ستكسنت"، الهجوم الإلكتروني الذي يُعتقد أنه أُجري بتنسيق أميركي إسرائيلي، مما أدى إلى تخريب أجهزة الطرد المركزية داخل المنشأة. 

وفي الأثناء، ظهرت بين الحين والآخر اتهامات أميركية لإيران بالتخطيط لاغتيال مسؤولين أميركيين، فجرى توجيه اتهام رسمي عام 2022 لرجل إيراني يعتقد أنه عضو في الحرس الثوري الإيراني بمحاولة التآمر لاغتيال مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، وهي المحاولة التي يعتقد أنها جاءت رداً على مقتل سيلماني. ووجهت وزارة العدل الأميركية خلال نوفمبر 2024، اتهامات جنائية لرجل آخر، بسعيه للتجسس والتآمر لاغتيال دونالد ترمب قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية. ومع ذلك، نفت إيران هذه الاتهامات وغيرها. 

العقوبات الاقتصادية

كان قرار استهداف أصول الحكومة الإيرانية بالعقوبات خلال نوفمبر 1979 عندما وقع الرئيس الأميركي جيمي كارتر الأمر التنفيذي رقم 12170، الذي قضى بتجميد أصول الحكومة الإيرانية الموجودة في الولايات المتحدة رداً على أزمة الرهائن، وضع الإطار العام للعلاقات الأميركية – الإيرانية منذ ذلك الحين. فقد اعتمدت واشنطن بصورة متزايدة على الضغط الاقتصادي ضد إيران.

واصلت الولايات المتحدة توسيع دائرة العقوبات والضغوط الاقتصادية، فيما استمرت إيران في الرد عبر شبكة نفوذ إقليمي تستهدف القواعد والسفارات الأميركية بصورة غير مباشرة. هذا النمط من الاشتباك سمح للطرفين برفع الكلفة على الآخر دون تجاوز الخطوط التي قد تفرض حرباً شاملة، لكنه خلال الوقت نفسه كرس حالة عدم الاستقرار وبقيت المنطقة على حافة الانفجار، حيث يتحول الردع إلى عملية إدارة أزمات مستمرة لا تحمل في طياتها أفقاً سياسياً واضحاً للحل. 

وعندما اندلعت حرب الـ12 يوماً خلال يونيو (حزيران) الماضي بين إسرائيل وإيران، بقى دور الولايات المتحدة في معظمه ضمن إدارة التصعيد. ففي حين قامت بتنفيذ ضربة نوعية باستخدام مقاتلات شبحية B-2استهدفت منشآت نووية، بل عدَّها المراقبون استعراضية هدفت إلى التأكيد أن واشنطن قادرة على التدخل الحاسم متى قررت، من دون الانخراط في حرب مفتوحة. في المقابل، تعاملت إيران مع الضربة بمنطق الاحتواء المدروس، فردت بهجوم محسوب السقف استهدف قاعدة العديد الأميركية في قطر، بضربة صاروخية محدودة تثبت معادلة الردع لا كسرها. 

اختبار حاسم

غير أن هذه الاستراتيجية التي بدت ناجحة في إدارة الصراع الخارجي تواجه اختباراً حاسماً، في ظل هشاشة الوضع الداخلي وضعف النظام الإيراني في مواجهة غليان الشارع الإيراني تحت وطأة أزمات متراكمة وتفاقم الأعباء الاقتصادية، جعلت شعارات العداء لأميركا عاجزة عن لعب دورها القديم، خلال وقت لم يعد فيه الشارع الإيراني يرى في أميركا العدو الأول، بل المنقذ الذي يترقبون تدخله في مواجهة آلة قتل النظام. 

فمنذ اشتعال الاحتجاجات الإيرانية قبل نحو ثلاثة أسابيع، سقط ما يزيد على 2500 قتيل برصاص قوات الأمن وفق الإحصاءات الرسمية، بينما تفيد تقارير أخرى غير رسمية بأن العدد تجاوز الـ12 ألف قتيل، وهو ما يمثل تجاوزاً لـ"الخط الأحمر" الذي رسمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما لوح بتدخل أميركي مطلع الشهر الجاري، إذا ما قتلت السلطات الإيرانية مشاركين في الاحتجاجات. 

وتشهد إيران ⁠أكبر تظاهرات مناهضة للحكومة منذ أعوام، أطلق شرارتها تجار في طهران نهاية ديسمبر الماضي، رفضاً لغلاء المعيشة والتدهور الاقتصادي وانهيار سعر صرف العملة. وما لبثت أن انضمت إليها شرائح أخرى من المجتمع، وتوسعت إلى مناطق أخرى. 

والأسبوع الجاري، حثَّ ترمب مجدداً الإيرانيين على مواصلة الاحتجاجات وتذكر أسماء من يرتكبون انتهاكات بحقهم، قائلاً إن المساعدة في الطريق. ومنذ ذلك الحين تصاعدت نبرة العداء بين طهران واشنطن، مما دعا الحكومة الإيرانية لاتهام الولايات المتحدة باختلاق ذريعة للقيام بتدخل عسكري، فيما قال ترمب ضمن تصريحات جديدة لوكالة "رويترز" إن حكومة طهران قد تسقط بسبب الاضطرابات. 

وفي ظل مشهد يزداد اشتعالاً في الداخل الإيراني وتغييرات دراماتيكية داخل المنطقة الأوسع، تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران التي لم تكن يوماً أبعد من الحرب ولا أقرب منها خلال الوقت نفسه، موضع أخطر اختباراتها. فبين تهديد أميركي محسوب، واحتجاجات لا سقف واضحاً لها، يقف النظام الإيراني على حافة تاريخية تختبر قدرته على البقاء.

المزيد من تقارير