ملخص
إن منطق "الالتحاق" أو "تفويت الفرصة" والتهديد بالندم وشيطنة المختلف، لا ينتمي إلى لغة الحوار، بل إلى لغة التعبئة و"إرهاب" الآخر المغاير. وهو سلوك "إرعابي" يهدف إلى معاملة الاختلاف كخلل ينبغي القضاء عليه، لا معاملة الاختلاف كحقيقة ينبغي تفهمها ومن ثم إدارتها. وبهذا المعنى، يصبح الحوار أداة فرز لا أداة جمع، وهو ما يناقض غايته الأصلية.
أتصور أن الدعوات إلى الحوار السياسي تكتسب أهميتها من طبيعة السياق الذي تنشأ فيه، ومن الكيفية التي ينظر بها إلى الحوار ذاته: هل هو أداة شكلية لإدارة التوازنات، أم مسار جاد لإعادة تعريف المشترك وبناء توافقات مستدامة؟
وفي الحالة الجنوبية للمشهد اليمني المأزوم، حيث تتقاطع الذاكرة المثقلة بالصراعات مع واقع تعددي متشابك شديد التعقيد، يفرض أي حديث عن حوار جنوبي – جنوبي أسئلة أعمق من مجرد الترحيب أو الرفض، تتعلق بمفهوم الحوار، وشروطه الأخلاقية والسياسية، وحدود تمثيل الفاعلين، وإمكانات تجاوز منطق الإقصاء نحو أفق تشاركي حقيقي.
ومن هذا المنطلق، أحاول في هذا المقال التحليلي مقاربة دلالات الدعوة إلى عقد مؤتمر حوار جنوبي – جنوبي في الرياض، لا بوصفها حدثاً سياسياً عادياً، بل كاختبار جاد لمدى الاستعداد لمراجعة التجارب السابقة، والانتظام في مسار يعترف بالتعدد بوصفه شرطاً للحل لا عقبة أمامه.
دعوني أبدأ هذا النص، بعد المقدمة الافتتاحية أعلاه، وأقول إنه لا يكفي الترحيب السياسي أو الإعلامي الواسع بأي دعوة إلى الحوار كي تتحول تلقائياً إلى مسار منتج وقابل للحياة. فالحوار، في جوهره العميق، ليس حدثاً شكلياً ولا استجابة ظرفية لضغوط داخلية أو خارجية، بل هو، في تصوري، فعل وعي يتطلب إدراكاً مسبقاً لطبيعته بوصفه ممارسة عقلانية وأخلاقية في آن. ومن دون هذا الإدراك، يصبح الحوار مجرد عنوان جذاب لعملية خاوية من مضمونها.
فضلاً عن ذلك، لا يبنى الحوار الحقيقي على منطق تسجيل النقاط، ولا على إعادة إنتاج الخطابات ذاتها بلغة مهذبة أو أكثر تهذيباً. إنه على نحو لا يحتمل اللبس فعل اعتراف متبادل بالوجود السياسي للآخر، وبحقه في الاختلاف، وبمشروعية حضوره في المجال العام. وحين يغيب هذا الاعتراف، يتحول الحوار إلى منازلة مقنعة، تدار بأدوات ناعمة، لكنها لا تقل حدة في نتائجها عن الصراع المفتوح.
لاحظوا معي من فضلكم أن الدخول إلى أي عملية حوارية محملاً بيقين الغلبة، لا بسؤال الشراكة، يفرغ الحوار من قيمته الأخلاقية والسياسية معاً. فاليقين المغلق لا ينتج حواراً، بل ينتج خطاباً أحادياً يسعى إلى فرض نفسه بوصفه أفقاً نهائياً. وفي هذه الحالة، لا يعود الحوار وسيلة لتقريب المسافات، بل أداة لتوسيعها تحت لافتة زائفة.
وعليه، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن إعادة إنتاج نموذج الصوت الواحد في واقع سياسي أثبتت تجاربه المتراكمة فشل هذا النموذج؟ وهل لا يزال ممكناً الادعاء بامتلاك تمثيل حصري لقضية متعددة في سياقاتها، ومعقدة في بنيتها، ومتغيرة في شروطها؟
أعتقد أن الإصرار على تحديد نتائج الحوار سلفاً، أو وضع شروط قاطعة قبل أن يبدأ كما كان يفعل من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي مستقوياً بأمر واقع فرضه بقوة السلاح، يكشف عن فهم إجرائي ضيق لمفهوم الحوار. فالحوار، بطبيعته، عملية مفتوحة النتائج، تخضع لمنطق التفاعل لا لمنطق الإملاء. وأي محاولة لتحويله إلى مسار مسيج بنهايات جاهزة، إنما تعكس خوفاً من احتمالاته، لا ثقة به.
لقد تجاوز الواقع السياسي الجنوبي في اليمن، بحكم التحولات العميقة، فكرة احتكار الحقيقة أو الوصاية على الإرادة العامة. ولم يعد من الممكن القفز على حقيقة التعدد السياسي والاجتماعي، أو التعامل معه كحالة موقتة قابلة للإلغاء. فالتعدد اليوم هو المعطى، وليس الاستثناء.
وإذا كان الحوار، وفق تعريفه البسيط، نشاطاً عقلياً ولفظياً يهدف إلى الوصول إلى اتفاق أو معالجة إشكال، فإن معيار نجاحه لا يقاس بعدد البيانات الصادرة عنه، بل بمدى قدرته على إحداث تحول في وعي الأطراف المشاركة فيه، وعلى إنتاج مقاربات جديدة للمسائل الخلافية.
بيد أن التجربة العملية خلال الفترة الماضية أظهرت قصوراً واضحاً في استيعاب هذا المعنى. إذ جرى التعاطي مع الدعوة التي أطلقها المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الحوار الجنوبي – الجنوبي بوصفها فرصة لإعادة ترتيب الاصطفافات داخل مشروع واحد: "مجرد سمكة تريد أن تلتهم باقي الأسماك"، لا فرصة بوصفها مساحة لإعادة التفكير في المشروع ذاته، وفي بنيته، وأولوياته، وحدوده.
في الواقع كان بعض من يتم الترويج لهم كنخب في "المجلس الانتقالي الجنوبي" يعتقدون أن معنى الحوار لديهم هو "أن يلتحق كل من لا ينتمي إلى مجلسهم بقطارهم المنطلق صوب محطة التحرير والاستقلال وإقامة جمهورية الجنوب العربي الفيدرالية وإلا فإن القطار سيفوتهم وسيندمون في وقت لن ينفعهم الندم". لا أدري ما إذا كانوا الآن يتذكرون ما كانوا يقولونه ويكتبونه في حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الأكيد أن كثيراً منهم لا يزالون يشيطنون كل من يختلف معهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
دعوني أكتب هنا بوضوح تام لا لبس فيه، إن منطق "الالتحاق" أو "تفويت الفرصة" والتهديد بالندم وشيطنة المختلف، لا ينتمي إلى لغة الحوار، بل إلى لغة التعبئة و"إرهاب" الآخر المغاير. وهو سلوك "إرعابي" يهدف إلى معاملة الاختلاف كخلل ينبغي القضاء عليه، لا معاملة الاختلاف كحقيقة ينبغي تفهمها ومن ثم إدارتها. وبهذا المعنى، يصبح الحوار أداة فرز لا أداة جمع، وهو ما يناقض غايته الأصلية.
دعونا من فضلكم لا ننسى أن الحوار، في معناه اللغوي والمعرفي، هو مراجعة مستمرة للمواقف، وقابلية دائمة للعودة عنها أو إليها. وفي السياسة، هو ممارسة بين أطراف مختلفة تسعى، عبر التفاعل، إلى بناء أرضية مشتركة. فلا معنى لحوار بين متطابقين، كما لا جدوى من حوار لا يعترف بشرعية الاختلاف.
وعليه، فإن أصل فكرة الحوار الجنوبي – الجنوبي يفترض الإقرار المسبق بالتعدد، والقبول به بوصفه شرطاً للحل لا عائقاً أمامه. فالحوار في تصوري لا يعقد لإلغاء التباينات، بل لتنظيمها، ولا لإذابة الفوارق، بل لإدارتها ضمن أفق جامع.
ولأن الحوار في نهاية الأمر مسؤولية سياسية وأخلاقية، فقد ارتبط دائماً بجملة ضوابط تضمن نزاهته وفاعليته. في مقدمة هذه الضوابط: الإحاطة بموضوع الحوار، والجرأة على نقد الذات، واحترام لغة الآخر ومعتقداته، والالتزام بالإنصاف، والاحتكام إلى الحجة لا إلى القوة، من دون أن ننسى أن من شروط أي حوار أن يتأدب كل طرف مع الآخر، باختيار الألفاظ المناسبة، التي يرتضي المحاور أن يسمعها من غيره.
أما اللقاءات السريعة، التي تعقد من دون إعداد فكري وسياسي عميق، فإنها لا تنتج إلا توافقات هشة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار. بل إنها في اعتقادي غالباً ما تعيد إنتاج منطق الإقصاء ذاته، وتغذي شعوراً متجدداً بالغبن والانتقام، بما يقود إلى دورات صراع متكررة.
من هنا، يصبح الحوار الجاد بين مختلف الكيانات السياسية الجنوبية ضرورة لا تحتمل التأجيل. وهو في جوهره اعتراف صريح بأن أخطاء الماضي، وفي مقدمها مقولة "لا صوت يعلو فوق صوت الكيان الواحد"، كانت مدخلاً لصراعات دموية مدمرة، لا يجوز إعادة إنتاجها تحت أي مسمى.
وفي هذا السياق، أرى أن الدعوة إلى عقد مؤتمر حوار جنوبي - جنوبي جامع في الرياض تكتسب أهمية استثنائية، لا بوصفها إجراء سياسياً فحسب، بل باعتبارها فعلاً تصحيحياً يعيد الاعتبار لمنطق التوافق، ويحمي القضية الجنوبية من الاختطاف، ويكسر منطق الإقصاء. كما أن الدور السعودي في دعم هذا المسار ورعايته يمنحه ثقلاً سياسياً وضمانات توازن إقليمية، تعكس فهماً عميقاً لتعقيدات المشهد الجنوبي واليمني عموماً. فالمملكة، بما راكمته من حضور سياسي وتنموي، تدرك أن الاستقرار لا يفرض بالقوة ولا يبنى بالتمثيل القسري، بل يتحقق عبر فتح المجال العام أمام حوار شامل، يمنح القضايا العادلة إطاراً جامعاً، ويحول دون انزلاقها إلى أدوات صراع أو نفوذ.
وبهذا المعنى، المشار إليه أعلاه، أرى أن استضافة الرياض لهذا المؤتمر ليست تفصيلاً إجرائياً، بل عنصر ضمان أساس لمسار حوار متزن، ومسؤول.
في نهاية المطاف أستطيع القول كخلاصة إن الحوار بين المختلفين لا يبدأ من الرغبة في تثبيت المواقف، بل من الاستعداد لتفكيكها للوصول إلى نقطة أو نقاط مشتركة تحقق مصالح الأطراف كلها الداخلة إلى الحوار، حوار حقيقي لا يكرر أخطاء الماضي أو يعيد إنتاجها بصورة جديدة، بل يسعى بوعي ومسؤولية إلى تجاوزها.