Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انفجار داخلي أم تسوية مع الخارج... أي سيناريو ينتظر إيران؟

لعل الخاتمة الأصدق للمشهد الإيراني اليوم ليست حسماً بقدر ما هي فتح لكل النهايات الممكنة

مسيرة تضامنية مع الاحتجاجات في إيران أمام القنصلية الأميركية في ميلانو، 13 يناير 2026 (رويترز)

ملخص

إيران اليوم ليست على حافة سقوط فوري، لكنها أيضاً لم تعد في منطقة الأمان. النظام لم يعد يواجه خصوماً تقليديين، بل يواجه فقدان اليقين، يقين السيطرة، ويقين الولاء، ويقين أن الزمن يعمل لمصلحته. وفي الأنظمة السلطوية، لحظة فقدان اليقين هي أخطر من أي مظاهرة، لأنها تعني أن السؤال لم يعد: كيف نقمع؟ بل، إلى متى يمكن للقمع وحده أن يحكم؟

تدخل التظاهرات في إيران أسبوعها الثالث، وهي لم تعد مجرد موجة احتجاج اجتماعي عابرة يمكن احتواؤها بالترهيب أو شراء الوقت، خصوصاً بعد الفيديوهات التي انتشرت على وسائل التواصل، وتظهر استعمال الرصاص الحي من قبل الأمن الإيراني، وسقوط مئات القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين.

وما نشهده اليوم من تصاعد نوعي في حدة المواجهة بين الشارع والنظام في طهران، خرج من إطار المطالب المعيشية إلى كسر هيبة الدولة نفسها، وانتقل من احتجاجات متفرقة إلى حالة تحد مفتوح في قلب المدن، بما فيها المناطق التي لطالما اعتبرت خزاناً تقليدياً للنظام، كقم ومشهد وكرمانشاه وتبريز. أضف إلى ذلك اندلاع التظاهرات في الأسواق التقليدية (البازار)، وهو ليس منطقة جغرافية فقط، بل شبكة مصالح تاريخية كانت شريكاً للنظام منذ 1979. 

وحين يضرب البازار أو يغلق، فهذه إشارة إلى أن التحالف التاريخي بين المال المحافظ والسلطة الدينية يتفكك، وهو إنذار بالغ الخطورة. ولا يأتي الخطر الحقيقي على النظام من الأطراف المهمشة فقط، كالأكراد أو البلوش، حيث يسهل عليه سردية "الأمن والانفصال"، بل من تمدد الاحتجاج إلى قلب البيئات التي بني عليها توازن الحكم. وحين يهتف الشارع في قم، أو يضرب البازار، أو يغلي جنوب طهران، فهذا يعني أن النظام لم يعد يواجه معارضة، بل تآكلاً داخلياً في قاعدته نفسها.

حملة "قمع دموية"

عليه، كانت منظمتا "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" قد أعلنتا أن السلطات الإيرانية أطلقت، منذ 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملة "قمع دموية" ضد المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد، ترافقت مع استخدام غير قانوني للقوة والأسلحة النارية من قِبل قوات الأمن، إضافة إلى اعتقالات واسعة وتعسفية. وذكر التقرير، الذي نشر الثامن من يناير (كانون الثاني) الجاري، أن نتائج المنظمتين تظهر أن القوات الأمنية، بما فيها الحرس الثوري الإيراني وقوات الشرطة المعروفة اختصاراً باسم "فراجا"، استخدمت البنادق، وبنادق "الشوزن" المزودة بخرطوش معدني، ومدافع المياه، والغاز المسيل للدموع، والضرب المبرح لتفريق المتظاهرين، الذين كان معظمهم سلميين، وترهيبهم ومعاقبتهم.

 

وبحسب معلومات موثوقة جمعتها المنظمتان، أسفر هذا القمع خلال الفترة من 31 ديسمبر 2025 إلى الثالث من يناير 2026 عن مقتل ما لا يقل عن 28 متظاهراً وماراً، بينهم أطفال، في 13 مدينة ضمن ثماني محافظات.

وقالت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "العفو الدولية"، إن أشخاصاً "تجرؤوا على التعبير عن غضبهم إزاء عقود من القمع والمطالبة بتغييرات جذرية"، واجهوا مجدداً نمطاً قاتلاً من إطلاق النار غير القانوني والملاحقة والاعتقال والضرب، وهي مشاهد تذكر بانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022. ودعت إلى أن يصدر المجلس الأعلى للأمن القومي فوراً أمراً بوقف الاستخدام غير القانوني للقوة والأسلحة النارية.

بدورها، أعلنت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، حظر دخول جميع الدبلوماسيين والممثلين الإيرانيين إلى مباني البرلمان، على خلفية ما وصفته بحملة القمع التي شنتها إيران ضد الاحتجاجات التي خرجت بعد تردي الأوضاع الاقتصادية، في أحد أكبر التحديات للسلطات الإيرانية منذ اندلاع الثورة عام 1979. وقالت ميتسولا في جلسة البرلمان، "لا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه. فبينما يواصل الشعب الإيراني الشجاع نضاله من أجل حقوقه وحريته، اتخذت اليوم قراراً بحظر دخول جميع الموظفين الدبلوماسيين وأي ممثلين آخرين للجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى جميع مباني البرلمان الأوروبي".

وأفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، بأنها تحققت من مقتل نحو 500 متظاهر و48 من أفراد قوات الأمن في إيران، بينما ذكرت مصادر إعلامية أن عدد القتلى قد يكون أعلى بكثير. ووفقاً لوكالة "هرانا"، فقد اعتقل ما لا يقل عن 10 آلاف و600 إيراني حتى الآن. وأشارت منظمة حقوق الإنسان في إيران (IHR)، وهي منظمة غير حكومية مقرها النرويج، إلى "تقارير غير مؤكدة" تفيد بمقتل مئات على الأقل، ووفقاً لبعض المصادر، "أكثر من 2000 شخص".

كلفة عسكرية مباشرة

في هذا السياق المشحون، دخل دونالد ترمب على الخط بخطاب لا يشبه بيانات الدعم الرمزية المعتادة، بل عبر تهديد صريح بالتدخل في حال سقوط قتلى، وهذا ما نقل المشهد من كونه شأناً داخلياً إيرانياً، إلى ملف إقليمي ودولي قابل للاشتعال. ورسالة ترمب كانت واضحة: القمع الدموي لن يمرر بهدوء، وهذه المرة قد تكون له كلفة عسكرية مباشرة، لا بيانات إدانة ولا عقوبات مؤجلة.

هذا التهديد لم يقرأ في طهران وحدها، بل ارتد فوراً على تل أبيب، حيث رفعت إسرائيل حالة التأهب، ليس بدافع القلق من إيران فقط، بل من ارتدادات أي ضربة أميركية محتملة، أي رد إيراني عبر الوكلاء، أو تصعيد على الجبهات المحيطة، أو محاولة فرض معادلة جديدة تخلط الداخل الإيراني بالخارج الإقليمي. وتدرك إسرائيل جيداً أن أي تدخل أميركي، ولو محدوداً، قد يفتح أبواب ردود لا يمكن ضبطها بالكامل، وأنها ستكون تلقائياً في دائرة النار، حتى إن لم تكن صاحبة القرار.

وهكذا تتداخل التظاهرات الإيرانية مع حسابات الردع الأميركية والهواجس الإسرائيلية في لحظة واحدة، في لحظة لم يعد فيها السؤال: هل ستقمع الاحتجاجات؟ بل، هل يتحول القمع إلى شرارة تفرض تدخلاً خارجياً، وتدفع المنطقة خطوة إضافية نحو حافة مواجهة أوسع؟

ووفقاً لوسائل إعلام أميركية، منها "سي بي أس نيوز"، نقلت عن مسؤولين في "البنتاغون"، أنه تمت إحاطة ترمب بمجموعة واسعة من الخيارات العسكرية والسرية ضد إيران، وهذه الخيارات تتجاوز بكثير الضربات الجوية التقليدية، وتشمل عمليات سيبرانية وحملات نفسية لتعطيل القيادة والاتصالات والإعلام.

 

بدورها، نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "البنتاغون" قدم للرئيس ترمب مجموعة أوسع من خيارات الهجوم ضد إيران مما كان معلناً سابقاً، تشمل استهداف مواقع نووية وأهدافاً مرتبطة بالصواريخ الباليستية. وتعد الخيارات الأكثر ترجيحاً هجمات سيبرانية وضربات عسكرية تستهدف أجهزة الأمن الداخلي الإيراني المسؤولة عن قمع المتظاهرين. وفي حين يدرس ترمب الخيارات الدبلوماسية، يرى بعض المسؤولين الأميركيين أن إيران تحاول كسب الوقت أكثر مما تسعى إلى مفاوضات جدية.

ولكن السؤال الأساس هنا: هل لدى ترمب مصلحة وقدرة ومسار عملي لتوجيه ضربة تقرأ داخل إيران كدعم مباشر للمتظاهرين، من دون أن تتحول الضربة إلى حرب إقليمية أو إلى "هدية" للنظام لتوحيد الداخل خلفه، وهل سيتدخل ترمب بضربة لدعم المتظاهرين، وما الذي يدفعه للتدخل، وما الذي يمنعه؟

قد يميل ترمب إلى التهديد العالي الكلفة، ثم انتزاع تنازل، ويفضل الضربات التي تنتج صورة قوة سريعة أكثر من الانزلاق إلى إدارة حرب طويلة. وإذا شعر أن النظام الإيراني يتجه إلى مجزرة واسعة تنتج لحظة أخلاقية وإعلامية ضاغطة، أو أن هناك فرصة نادرة لخلخلة النظام، قد يعد الضربة استثماراً سياسياً، بمعنى ردع ورسالة ورفع سقف التفاوض.

ولكن هناك كوابح تمنع ترمب من توجيه ضربة، وأكبرها هو أن ضربة لدعم المتظاهرين قد تترجم داخل إيران إلى تدخل أجنبي وخيانة وعمالة، مما يسمح للنظام بتشديد القمع تحت شعار السيادة.

والكابح الثاني هو معادلة المنطقة، لأن أي ضربة يجب أن تحسب ردود الوكلاء، وأمن القواعد الأميركية، وأسعار الطاقة والممرات البحرية. وكان عدد من قادة إيران قد ردوا على تهديدات ترمب، ورأى قائد الجيش أمير حاتمي أنه "لا تسامح مع استمرار هذه التهديدات من دون رد"، وقال: "إذا ارتكب العدو خطأ، فإن الرد الإيراني سيكون حازماً بقطع يد أي معتد". واتهم مجلس الدفاع الإيراني من وصفهم بأعداء البلاد بـ"تصعيد الخطاب التهديدي في ما يتعلق بالتدخل في شؤون البلاد". وأكد أن رد الفعل الإيراني "لن ينتظر وقوع الفعل فحسب، بل يعد المؤشرات الملموسة على وجود تهديد جزءاً من المعادلة الأمنية".

أيضاً، هناك مانع مهم جداً قد يمنع ترمب من توجيه ضربة لإيران، وهو سؤال ما بعد الضربة: هل هناك خطة لليوم التالي؟ وغالباً، ترمب لا يحبذ بناء الدول ولا إدارة الفراغات. من هنا، فإن النتيجة الأرجح هي تدخل محسوب أكثر من تدخل يسقط النظام، حتى هذه اللحظة.

وإذا تدخل، فالأرجح ألا يكون بهدف إسقاط فوري للنظام، بل بهدف ردع القمع المفرط، ورفع كلفة القتل الجماعي، وشل أدوات بعينها: مراكز سيطرة، واتصالات، ووحدات نوعية، وفتح باب صفقة بشروط أميركية أعلى. أما خيار ضربة تفجر النظام من الداخل، فهو الأعلى مخاطرة والأقل قابلية للضبط.

أشكال التدخل الممكنة

تتراوح أشكال الضغط بلا ضربة، أي خنق مع حفظ مسافة، وقد يكتفي ترمب بتصعيد سياسي واقتصادي وقانوني، إضافة إلى حرب معلومات، ودعم تقني للاتصالات وتجاوز الحجب، مع تهديد عسكري كظل دائم. أما لماذا قد يتوجه إلى هذا الخيار، فذلك لأنه الأقل كلفة والأقل احتمالاً لتوحيد الداخل الإيراني خلف النظام. ولكن "عيب" هذا الخيار أنه قد لا يوقف آلة القمع إذا قررت القيادة أن القبضة هي الحل.

وقد تتوجه أميركا نحو ضربة سيبرانية وإلكترونية، بمعنى إطفاء عيون، عبر هجوم يعطل منظومات المراقبة والاتصالات، أو بنى القيادة والسيطرة لفترة محدودة، بحيث يربك القبضة الأمنية. ميزات هذا الخيار أنه قابل للإنكار والتخفيف، ويقلل من الضحايا الجانبية، ويصعب على النظام تسويق فكرة الغزو. ولكن أيضاً لهذا الخيار "عيوب"، منها أن النظام الإيراني سيرد بهجوم سيبراني واسع على بنى تحتية أميركية وأخرى تابعة للحلفاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضربة محدودة دقيقة

من احتمالات التصعيد أيضاً أنه قد تتوجه الإدارة الأميركية لاستهداف المواقع المرتبطة مباشرة بأدوات القمع والقيادة العملياتية، أو قدرات حساسة تستخدم داخلياً، أي مقار التنسيق بين الحرس الثوري و"الباسيج" وقوى الأمن الداخلي داخل كل محافظة. ومنها أيضاً غرف العمليات التي تصدر أوامر الانتشار وإطلاق النار والاعتقالات وفرض حظر الحركة.

هذه الألوية أو الكتائب المخصصة لقمع الاضطرابات والسيطرة على المدن ومواجهة التظاهرات، غالباً أقل ظهوراً إعلامياً، لكنها الأكثر استخداماً ميدانياً، واستهدافها قد يكون لتوجيه رسالة للنظام بأن "أداة القمع نفسها لم تعد محصنة". كما أن ضرب هذا النوع من المراكز لا يسقط النظام، لكنه يربك القرار لعدة ساعات أو أيام، وهي مدة ثمينة جداً في لحظات احتجاج واسعة. ويحمل ميزة ورسالة ردع واضحة، أن القمع له ثمن. ولكن إيران قد ترد عبر الوكلاء أو عبر تصعيد بحري وصاروخي محسوب لإثبات الهيبة.

 

الضربة الأوسع ورفع السقف

أخيراً، وكحد أقصى للتصعيد، قد تطال ضربات أميركية القدرات العسكرية والصاروخية والمنشآت النوعية والنووية الإيرانية، بما يحول المسار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة الاحتمالات. أما لماذا قد يقدم ترمب عليها، فذلك إذا رأى أن الفرصة سانحة لإعادة رسم ميزان الردع في المنطقة دفعة واحدة. لكن هذا السيناريو سيخلق واجب الرد على طهران، وقد يخرج عن السيطرة بسرعة.

كيف سيكون الرد الإيراني؟

قد يتدرج الرد الإيراني بين سلم من الردود، وعادة ما تفكر طهران بثلاثة أسئلة قبل الرد: كيف أثبت أنني لم أنكسر؟ وكيف أرد من دون إعطاء خصمي ذريعة لضربة أشد؟ وكيف أستخدم الرد لإعادة ضبط الداخل، وليس فقط الخارج؟

فإذا كانت الضربة محدودة، فإن الردود التصعيدية الأكثر ترجيحاً غالباً ما ستأتي عبر وكلاء طهران في المنطقة. وقد تكون على شكل ضرب المصالح والقواعد الأميركية، وتلك التابعة للحلفاء، وبخاصة إسرائيل، وذلك بشكل متدرج يسمح بالإنكار ويبقي الباب موارباً. وأيضاً عبر تهديد سلامة المضائق والممرات، أو تهديدات تحرك أسعار الطاقة كأداة ضغط على الغرب.

 

وهذا ما حذر منه مسؤولون إيرانيون، من أن الحكومة الوطنية سترد على القواعد العسكرية الأميركية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وإسرائيل إذا بادرت واشنطن بالضرب أولاً. وجاء التحذير من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي قال إن إيران سترد ليس فقط باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، بل أيضاً بضرب ممرات الشحن الرئيسة في الشرق الأوسط وإسرائيل. علماً أنه تحتفظ الولايات المتحدة بمنشآت جوية وبحرية رئيسة في دول تشمل الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، مما يجعلها نقاط توتر محتملة في أي تصعيد.

إسرائيل أول أهداف الاختراقات السيبرانية الإيرانية

قد يتوجه النظام الإيراني نحو الهجمات السيبرانية، عبر موجة قرصنة تستهدف الخدمات والبنى التحتية أو القطاعات المالية والطاقة لدى خصومها أو شركائها. وهنا يبرز اسم مجموعة القرصنة الإيرانية "حنظلة"، التي تحولت خلال فترة وجيزة من فاعل رقمي محدود التأثير إلى لاعب مركزي في معركة اختراق وتسريب طالت شخصيات إسرائيلية رفيعة المستوى، وذلك بعد نجاحها في اختراق هواتف خلوية وبيانات شخصية لسياسيين إسرائيليين كبار، في مقدمتهم رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، وتساحي برافرمان، رئيس طاقم مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث كشفت عن اتصالاته ومراسلاته المحرجة، إلى جانب اختراق هواتف شخصيات أخرى في دوائر صنع القرار.

وشملت الاختراقات هاتف ينون ماغال، مقدم البرامج في "القناة 14" والمقرب من نتنياهو، ونشرت منشورات مناهضة لرئيس الوزراء عبر حسابه على تطبيق "تيليغرام"، وغيرهم العديد من الشخصيات الإسرائيلية البارزة.

وغير ذلك، قد تتجه إيران نحو إطلاق صواريخ ومسيرات مباشرة، وهو الاحتمال الأقل ترجيحاً، إلا إذا كانت الضربة واسعة أو مهينة، لأن الرد المباشر سيرفع بطبيعة الحال احتمال رد أميركي وإسرائيلي أكبر.

ردود تهدئة مع حفظ ماء الوجه

عادة ما يميل النظام الإيراني نحو الردود الرمزية والمضبوطة، أي ضربة محدودة ومعلنة مسبقاً عبر وسطاء أو في مناطق تقلل الإصابات، فقط لإقفال ثغرة الهيبة. وهذا ما حصل فعلياً في يونيو (حزيران) 2025، عندما ردت إيران على الضربات الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية. وصف ترمب الضربات الانتقامية حينها، والتي استهدفت قاعدة "العديد" في قطر، بأنها "ضعيفة للغاية"، وأشاد بـ"إشعار مبكر" تلقته بلاده من طهران قبل الهجوم. وقال ترمب في ذلك الوقت: "أود أن أشكر إيران على إعطائنا إشعاراً مبكراً، مما جعل من الممكن عدم خسارة أي أرواح، وعدم إصابة أي شخص"، في تلميح لا يخلو من السخرية.

احتمالات لنهاية المشهد الإيراني الحالي

لعل الخاتمة الأصدق للمشهد الإيراني اليوم ليست حسماً بقدر ما هي فتح لكل النهايات الممكنة. فإيران تقف عند نقطة توازن هش، لا النظام قادر على إطفاء النار بسرعة، ولا الشارع قادر حتى الآن على كسر الجدار دفعة واحدة. وما يجعل اللحظة خطرة هو أن كل خيار بات مكلفاً، وكل تأجيل يراكم أثماناً أكبر.

الاحتواء القاسي مع تآكل بطيء

قد ينجح النظام، عبر القمع المنهجي وقطع الأكسجين عن الشارع، في كسر زخم التظاهرات من دون تقديم تنازلات سياسية حقيقية. لكن هذا السيناريو لا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، بل سينتج عنه دولة أكثر أمننة، وأكثر فقراً، وأقل شرعية. وهنا قد لا يسقط النظام، لكنه يبدأ رحلة استنزاف طويلة، يتحول فيها الغضب الشعبي إلى نار تحت الرماد تنتظر لحظة أخرى.

صدمة خارجية تربك القبضة

قد يخلق أي تدخل خارجي محدود، سيبرانياً أو عسكرياً دقيقاً، فجوة زمنية في قدرة النظام على التحكم بالمدن. هذه الفجوة، إن ترافقت مع توسع الاحتجاج داخل "الخزان التقليدي" التابع للنظام، قد تدفع الأمور نحو انشقاقات صامتة داخل المؤسسات، لا نحو انهيار فوري. ونجاح هذا المسار لا تحسمه الضربة بحد ذاتها، بل قدرة الشارع على استثمار اللحظة وعدم تحويلها إلى ذريعة وطنية للنظام.

التصعيد ينقذ النظام موقتاً

أما إذا تحول المشهد إلى مواجهة إقليمية أو ضربة واسعة تقرأ كتهديد وجودي، فقد ينجح النظام في إعادة تجميع الداخل تحت شعار السيادة والمواجهة. وفي هذا السيناريو، يصبح المتظاهرون وقوداً لسردية "الحصار والمؤامرة"، وتؤجل وترحل الأزمة الداخلية لمصلحة معركة خارجية، حتى لو كانت موقتة ومضبوطة.

تفاوض تحت الضغط

لكن قد تختار القيادة الإيرانية مساراً براغماتياً، عبر خفض حدة القمع، وفتح قنوات خلفية مع الخارج، وتقديم تنازلات محسوبة تمس الاقتصاد أو بعض الوجوه لا جوهر السلطة. هذه نهاية لا ترضي الشارع ولا تسقط النظام، لكنها تعكس اعترافاً ضمنياً بأن القبضة وحدها لم تعد كافية.

التحول الداخلي البطيء

هذا الاحتمال هو الأعمق والأقل درامية، فاستمرار الاحتجاج، حتى لو تراجع شكلياً، مع تصدع الثقة داخل القاعدة الاجتماعية والأمنية، قد يقود إلى تغييرات تراكمية داخل النظام نفسه. هذا المسار لا يرى في العناوين، لكنه الأخطر على المدى المتوسط، لأنه يغير طبيعة الحكم من الداخل لا شكله فقط.

في المحصلة، إيران اليوم ليست على حافة سقوط فوري، لكنها أيضاً لم تعد في منطقة الأمان. النظام لم يعد يواجه خصوماً تقليديين، بل يواجه فقدان اليقين، يقين السيطرة، ويقين الولاء، ويقين أن الزمن يعمل لمصلحته. وفي الأنظمة السلطوية، لحظة فقدان اليقين هي أخطر من أي مظاهرة، لأنها تعني أن السؤال لم يعد: كيف نقمع؟ بل: إلى متى يمكن للقمع وحده أن يحكم؟

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل