Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ربيع الملذات" لغوغان: الفنان في منأى عن ضجيج العالم

عوالم آتية من البعيد يبدعها الرسام نوعاً من تعويض عن كل حرمان يهيمن عليه

لوحة "ربيع الملذات" لغوغان (مواقع التواصل)

ملخص

لوحة "ربيع الملذات" تكاد تختصر رؤية غوغان لذلك "الوطن" الذي اختاره لنفسه والذي سيشهد نهايته بعد أقل من عقد من إنجاز هذه اللوحة. ومع هذا فمن الواضح أن غوغان لم يرسم هذه اللوحة في الجزر الاستوائية، بل في أوروبا حين راح، بين سفرتيه إلى تاهيتي، يتنقل بين كوبنهاغن وباريس، محاولاً، في عز مرضه، أن يجمع مالاً يكفيه لمواصلة سفره وحياته الاستوائية.

إذا قيّض للمرء أن يقرأ سيرة حياة الرسام الفرنسي بول غوغان في الوقت نفسه الذي يتأمل لوحاته الأساسية والكبرى، سيصاب بالدهشة حتماً، ذلك أن معظم هذه اللوحات يحفل بحب للحياة وتعبير عن السعادة، مواضيع وألواناً وشخصيات، حياة وسعادة تتناقضان تماماً مع الوضعية التي كان يعيشها غوغان في اللحظات نفسها التي رسم تلك اللوحات. ففي هذه الأعمال زهو وفرح وتألق يجعلها أقرب إلى أن تكون تعبيراً عن الفردوس الأرضي منها تعبيراً عن أي شيء آخر.

ومع هذا تكاد سيرة الفنان تتألف كلها من فصول الموت والمرض والإفلاس والصراعات والترحال ومحاولات الانتحار، بل إن حياة غوغان نفسها كانت قصيرة، فهو لم يعِش سوى 55 سنة، كما أنه لم يبدأ الرسم حقاً إلا حين كان في الـ35. وحتى خلال تلك الأعوام الـ20 الأخيرة من حياته، لم تعرف هذه الحياة أي استقرار عائلي أو نفسي، ولو في أي مكان، فهو عاشها دائم التنقل، وغالباً هرباً من وضع ما، أكثر مما عاشها بحثاً عن شيء ما.

قلق وجودي تأملي

وهذا كله من الصعب العثور عليه في لوحات الرجل لأن معظم هذه اللوحات يكاد يقول لنا إن غوغان إنما عاش في يسر وتأمل واستقرار، حتى إن كانت واحدة من لوحاته الرئيسة تحمل عنواناً يحفل بأسئلة القلق الوجودي، ونعني بها لوحته الضخمة المعنونة "من أين نأتي؟ من نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟" التي رسمها قبل أعوام قليلة من موته محاولاً فيها أن يلخص أسئلته وحياته ومعنى الوجود في ذاته.

ونعرف طبعاً أن غوغان رسم هذه اللوحة حين كان يمضي سنوات حياته الأخيرة في المناطق الاستوائية، مريضاً حزيناً يائساً، محاولاً الانتحار، غير أن الغريب في أمر غوغان أن إقامته في تاهيتي وغيرها من الجزر والمناطق الاستوائية خلال الجزء الأخير من حياته، وعلى عكس ما يعتقد كثر، لم تكُن هي المسؤولة عن زهو ألوانه واحتفال لوحاته بالحياة. فهو منذ بداية تحوله إلى الرسم منذ عام 1883، رسم في إقليم بريتاني في الغرب الفرنسي، بخاصة لوحات دينية أو غير دينية، لها الألوان والخطوط نفسها التي ستعود وتضج بالحياة والحيوية في لوحاته الاستوائية، وكأن الرجل بحث في تلك المناطق البعيدة عن تأكيد لأساليبه الفنية واختياراته اللونية ليس أكثر.

ومهما يكُن من أمر، فإن علينا أن نتنبه هنا إلى أن غوغان إنما استقى عوالمه وحتى بعض مواضيعه دائماً من المكان الآخر، من البعيد، بل إن ثمة تأثيرات فرعونية واضحة في بعض هذه الأعمال (لوحة "السوق" مثلاً التي رسمها عام 1892، وتكاد تكون فرعونية خالصة).

مشاهد فردوسية

وعلى رغم هذه الوحدة التي تطبع عمل غوغان، صاهرة في بوتقة واحدة تقريباً أعماله الاستوائية، وتلك الـ"ما قبل استوائية"، فإن لوحات الجزر تظل الأشهر في عمله، ولا سيما منها تلك التي حرص فيها غوغان على جعل المشهد المرسوم مشهداً فردوسياً، حافلاً بالحركة الداخلية والالتحام بين الطبيعة والإنسان. ومن هذه اللوحات، لوحة "نافي، نافي، موي" (أو "ربيع الملذات") التي رسمها عام 1894، وتوجد الآن في "متحف إرميتاج" في سانت بطرسبورغ (لينينغراد).

والحال أن لوحة "ربيع الملذات" تكاد تختصر رؤية غوغان لذلك "الوطن" الذي اختاره لنفسه والذي سيشهد نهايته بعد أقل من عقد من إنجاز هذه اللوحة. ومع هذا فمن الواضح أن غوغان لم يرسم هذه اللوحة في الجزر الاستوائية، بل في أوروبا حين راح، بين سفرتيه إلى تاهيتي، يتنقل بين كوبنهاغن وباريس، محاولاً في عز مرضه أن يجمع مالاً يكفيه لمواصلة سفره وحياته الاستوائية.

 

ومن هنا يبدو واضحاً أن غوغان رسم هذه اللوحة من الذاكرة، وانطلاقاً من "اسكتشات" عدة كان ينقلها معه حيثما تنقل، والحال أن هذه اللوحة تبدو في هذا الإطار محاولة إضافية من الفنان للتمرد على حياته القديمة، استكمالاً لتمرده قبل ذلك بأعوام على مهنته الأساسية في المصارف والبورصة، وحياته الأوروبية الرتيبة. وفي هذه اللوحة يبدو واضحاً من الناحية الفنية كيف أن غوغان، الآتي أصلاً من النزعة الانطباعية، أمعن في تمرده على هذا التيار، معلناً أن رسم الظاهر الموضوعي للأمور لم يعُد يرضيه.

الإمساك بعالم يقع

إن غوغان يسعى هنا إلى الإمساك بعالم يقع أبعد من السطح الخارجي للأمور، عالم أسطوري تتجسد فيه تجارب الوجود الإنساني في تلقائيته وأساسياته. وهو يقول لنا هنا إنه إنما عثر على ذلك العالم في تاهيتي، الجزر التي هرب إليها لاجئاً من مشاعر القرف التي كان يستشعر بها إزاء ملذات الحضارة المزيفة. إنه هنا يعبر عن ملذات حقيقية كان يرى أنها هي ما يسيّر حياة السكان البسطاء، شبه البدائيين، جاعلة من تلك الحياة المنبع الحقيقي للنزعة الإنسانية.

في هذا الإطار تعبر هذه اللوحة، مثلها في هذا مثل العشرات غيرها، عن مسعى غوغان لالتقاط البراءة لكن من دون المرور بأية فراديس حديثة مصطنعة. وليس فقط في مواضيعه، بل أيضاً بخاصة في الطريقة التي يعالج فيها الرسم. إنه هنا يسعى إلى خلق فن يكون جديراً بأن يحل محل فن ديني كان في رأيه تدهور كثيراً أمام مادية القرن الـ19.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن هنا ذلك الإحساس العميق بالحضور السماوي في هذه اللوحة، حتى إن كان الحيز المعطى فيها لفضاء السماء نفسه قليلاً، ذلك أن السماء في لوحات غوغان ماثلة في حياة الناس وعيشهم، فهي مكان روحي أكثر منها مكاناً طبيعياً. وهذا البعد الميتافيزيقي الروحي لم يخفَ على الأوروبيين الذين على رغم إعجابهم بلوحات غوغان هذه، نأوا بماديتهم عنها، مسجلين اتفاقاً مع أبعادها الشكلية. وهكذا مثلاً حين أطلع غوغان عام 1894، الكاتب المسرحي السويدي الكبير أوغوست سترندبرغ على لوحته هذه بين أعمال أخرى يزمع عرضها معاً، طالباً منه أن يكتب مقدمة لـ"كاتالوغ" المعرض، أجابه سترندبرغ "يا سيدي، أنت في لوحتك هذه، كما في لوحاتك الأخرى، خلقت أرضاً جديدة وسماء جديدة، غير أنني أنا شخصياً لا أستسيغ لنفسي وجوداً في هذا العالم الذي خلقت".

متروك من الجميع

والحال أن هذا الموقف لم يفُته أن يعمق من شعور غوغان في ذلك الحين بأنه متروك من الجميع، هو الذي كان عاد لأوروبا، حاملاً رؤاه ولوحاته، معتقداً بأنه سيقوم بدور في المناخات الغرائبية التي كان يعتقد بأنها على "الموضة" في أوروبا، فإذا به يكتشف أن صورة الفراديس المزيفة هي "الموضة"، أما "الأصيل" الذي يحمله هو معه، فإنه مرفوض، مما جعل بول غوغان يعود في العام التالي لتاهيتي ليعيش آخر ما بقي له من سنوات، خائب المسعى من أوروبا التي لم تفهمه. ولئن كانت تلك الأعوام الباقية قد شهدته يغوص في يأسه وبؤسه، ولا سيما حين راحت تتناهى إليه أخبار موت ابن له إثر ابن آخر وابنة، مما زاد من اعتلال صحته وكاد يفقده بصره متضافراً مع غرقه في الشراب، فإن هذا كله لم يوقفه عن الشيء الوحيد الذي أتقنه في حياته وبرر به وجوده، الرسم.

هاوٍ أبدي للفن

وبول غوغان الذي ولد عام 1848 ليموت عام 1903، ظل حتى عام 1883 هاوياً للرسم من بعيد، متقلباً في مهن عدة، بحاراً أو مصرفياً أو عميل بورصة. وغيرته في اتجاه الفن لقاءاته مع بيسارو، فقرر خوض المغامرة على رغم مسؤولياته العائلية الصعبة، إذ اقترن بالمربية الدنماركية ماثي وأنجب منها أولاده تباعاً. وهو رسم أول الأمر مشاهد طبيعية- دينية في بريتاني، ثم انتقل إلى باريس حيث تعرف إلى فان غوغ وشقيقه ثيو (وبسرعة سيختلف معهما كما ستكون حاله دائماً، إذ يعقد الصداقة ثم يتمرد عليها). وهو بعد ذلك تنقل بين كوبنهاغن وباناما، حتى استقر في جزر خط الاستواء، ولا سيما تاهيتي وما جاورها، حتى رحيله.

المزيد من ثقافة